خارطة استثمارية مصرية لإغراء المغتربين بالعودة

القاهرة تحاول إيجاد مصادر مستدامة للعملة الصعبة، وجذب استثمارات المصريين في الخارج مرهون بمرونة وسهولة منح الأراضي الصناعية كاملة المرافق وبأسعار جاذبة.
الاثنين 2019/07/01
تمهيد الأرض لعودة المغتربين

وضعت الحكومة المصرية خارطة فرص استثمارية مغرية مخصصة لجذب أموال المغتربين وتشجيعهم على العودة بهدف تعزيز النمو ومواجهة تفاقم معدلات الفقر والبطالة، إضافة إلى الحد من الهجرة غير الشرعية، وسط شكوك في فرص نجاحها بعد فشل محاولات سابقة.

القاهرة - وقعت وزارة الدولة للهجرة وشؤون المصريين في الخارج وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة بروتوكول تعاون لإعداد أفكار لمشروعات تنموية تنفذ بأموال المصريين في الخارج، بهدف تنمية قدرات ومهارات الشباب المصري في المجالات الداعمة لسوق العمل.

وبموجب بروتوكول التعاون، تقوم وزارة الهجرة بتسويق الفرص الاستثمارية في قطاع المشروعات المتوسطة والصغيرة على المصريين في جميع دول العالم، فضلا عن تسهيلات في إتاحة الأراضي الصناعية لهم وعدد من دراسات الجدوى الجاهزة، التي أعدها جهاز المشروعات الصغيرة حول نوعية وطبيعة هذه المشروعات.

وتحاول القاهرة الحفاظ على معدلات تحويلات المغتربين في الخارج، والتي شهدت تراجعا خلال الفترة الماضية، حيث تعد من أهم مصادر العملة الأجنبية للبلاد.

وكشف ميزان المدفوعات عن تراجع قيمة تحويلات المصريين خلال النصف الأول من العام المالي الحالي إلى 12 مليار دولار، مقارنة بنحو 12.9 مليار دولار خلال فترة المقارنة من العام الماضي.

وتصطدم طموحات القاهرة بالبيروقراطية العميقة التي يعاني منها المستثمرون في الداخل، وكذلك المغتربون، وبدا الغضب على عدد كبير منهم في حديثهم لـ”العرب”، خاصة من فقدان القاهرة لبوصلة التواصل، فضلا عن تجاربهم المريرة في عدد من المشروعات.

القاهرة تسعى إلى الحفاظ على نسق نمو تحويلات المغتربين في الخارج وتحويل مشاريعهم إلى واقع 

وقام مايكل ليون، وهو مصري مقيم في نيويورك، بحجز وحدات سكنية في مشروع “بيت الوطن” من خلال الموقع الإلكتروني الذي خصصته وزارة الإسكان للمصريين في الخارج.

وأوضح لـ”العرب”، أنه “بعد سداد عدد من الدفعات من قيمة الوحدات السكنية، أرسلت عددا كبيرا من الرسائل على البريد الإلكتروني المخصص للاستفسار عن المشروع وانتظرت شهورا دون رد”، الأمر الذي جعله يبتعد عن المعاملات التي تتم مع جهات حكومية، فالمغتربون لن يستطيعوا التعامل مع بيروقراطية عميقة.

وأطلقت القاهرة مشروع “بيت الوطن”، وهو عبارة عن وحدات سكنية في كل مدينة جديدة، وتم السماح للمصريين المغتربين في الخارج بشراء هذه الوحدات بالدولار الأميركي.

وعلى مدى عقود لا تستطيع القاهرة إيجاد لغة مشتركة للتعامل مع المغتربين، وعزفت عن عقد المؤتمر السنوي للمصريين في الخارج، وتحول إلى ورش عمل على نطاق ضيق داخل أروقة وزارة الهجرة، بعد أن كان فرصة لتلاقي الأفكار على أرض مصر سنويا.

فؤاد ثابت: الحكومة تحاول لعب دور السمسار من أجل تحقيق الأرباح
فؤاد ثابت: الحكومة تحاول لعب دور السمسار من أجل تحقيق الأرباح

وقال ناصر صابر رئيس الجالية المصرية في نيوجيرسي لـ”العرب” إنه “أعلن عن الاستثمار في مصر أمام مؤتمر المصريين في الخارج الذي عقد بالقاهرة في نهاية تسعينات القرن الماضي”.

وقام الرجل باستصلاح أكثر من 3200 فدان في محافظة بني سويف، جنوب غرب القاهرة، وبعد ضخ أكثر من 15 مليون دولار، وحول الأرض من صحراء جرداء إلى خضراء تصدر منتجاتها للخارج، فوجئ بتهديدات حكومية تنذره بسحب مشروعه.

وأشار إلى أنه على مدى ربع قرن ماطلته الجهات المحلية، ولم تقم بإنهاء إجراءات عقود تملك المشروع، وأصبح اليوم في مشكلة لا دخل له فيها، بل صنعتها البيروقراطية الحكومية.

وفشلت قبل عامين شهادات الاستثمار التي أطلقتها القاهرة بالدولار واليورو بعائد 5 بالمئة أمام المصريين المغتربين في الخارج، ولم يستطع هذا المنتج الادخاري زيادة حصيلة تحويلات المصريين في الخارج إلى القاهرة.

وأكد فؤاد ثابت رئيس اتحاد جمعيات التنمية الاقتصادية، أن جذب استثمارات المصريين في الخارج إلى بلادهم مرهون بمرونة وسهولة منح الأراضي الصناعية كاملة المرافق وبأسعار جاذبة وعلى فترات سداد طويلة.

وحذر من استمرار سياسة الحكومة في التعامل مع هذه الفئة بمنطق السمسار بهدف تحقيق أعلى ربح من بيع هذه الأراضي.

وقال لـ”العرب” إن “أسعار الأراضي الصناعية في مصر مغالى فيها، مقارنة بدول مجاورة، وقد تمتد الإغراءات في بعض الدول إلى منح الأراضي للمستثمرين بالمجان”.

ويصل سعر متر الأرض في المجمعات الصناعية إلى نحو 245 دولارا، وهي قيمة مبالغ فيها للغاية، فالمصنع الصغير الذي تبلغ مساحته 700 متر تصل قيمة الأرض فقط إلى نحو 170 ألف دولار، خلاف المباني والآلات والمعدات، وبهذا السعر لن يستثمر أي مصري في الخارج في بلده.

مجدي شرارة: معاملة المغتربين بالآليات الحالية ستهدد مشاريعهم
مجدي شرارة: معاملة المغتربين بالآليات الحالية ستهدد مشاريعهم

وأدى رفع الحكومة لأسعار الأراضي الصناعية إلى سلوك القطاع الخاص نفس الاتجاه، وبدأ في رفع سعر المتر للأراضي الصناعية خارج المجمعات الصناعية في بعض المحافظات إلى نحو 500 دولار.

وأوضح مجدي شرارة رئيس لجنة المشروعات الصغيرة بجمعية مستثمري العاشر من رمضان، أن الحكومة تناقض نفسها، فالدولة لديها مجمعات صناعية جاهزة في مناطق كبرى ولم تبع حتى الآن، بسبب ارتفاع قيمة المصانع، وفي ذات الوقت تسعى لعرض فرص الاستثمار على المصريين في الخارج، وهذا يقتضي سياسات جديدة تشجعهم على الاستثمار في مصر.

ولفت لـ”العرب” إلى أنه لا مانع من جذب استثمارات المغتربين، لكن يجب حل مشكلات الاستثمار الحالية أولا، فمعاملة المغتربين الراغبين في ضخ استثمارات جديدة بنفس الآليات الحالية تؤدى إلى استنزاف مدخراتهم وفشل مشروعاتهم.

ومن أهم المناطق المرشحة لاستقبال استثمارات جديدة مدن جنوب مصر، وشمال سيناء، وشرق بورسعيد ودمياط على البحر المتوسط، ومحور قناة السويس.

وقال المحلل الاقتصادي ياسر عمارة، لـ”العرب” إن “الحكومة تهدف إلى إدخال أنشطة جديدة بقطاع المشروعات الصغيرة من خلال المصريين في الخارج، مثل تكنولوجيا وتحويل وتدوير المخلفات والصناعات الإلكترونية، لنقل تطورات تلك الأنشطة من خلال المهاجرين”.

وأضاف “القاهرة تسعى إلى عودة المغتربين للاستفادة من خبراتهم التي اكتسبوها في البلدان الأجنبية، والحد من هجرة الشباب إلى الخارج، بتوجيه رسالة له تفيد بأن المصريين في الخارج يعودون إلى وطنهم مرة ثانية للعمل فيه، ما يجذب الشباب العاطل عن العمل والاستفادة من مهاراته”.

وشدد على أن أهم مزايا عودة هؤلاء المغتربين أن لديهم أفكارا ناجحة، ونسبة كبيرة من السيولة والتمويل والمتاح معهم من خلال مدخراتهم، ما يوفر على الحكومة عبء توفير التمويل لهذه المشروعات.

10