خارطة الطريق

الخميس 2014/02/06

ورد في كتاب “نظرية الفوضى” لجيمس جاليك عام 1988، أن الفيزيائيين وجدوا الطول والعرض والسمك للظواهر الطبيعية، لكنهم عجزوا عن التقاط روح الأشكال غير الهندسية، ومثال ذلك “خارطة الطريق”، ليس بالمعنى السياسي، لكن بالمعنى الجغرافي لها، رغم أني لا أستبعد أن يكون هذا المصطلح قد استخلص من هنا، فوفقا للكتاب لا يمكن النظر إلى خارطة الطريق من منظور واحد، بل من منظورين (الطول والعرض)، لتصير كأنها ثلاثية الأبعاد، وكأننا ننظر إلى صورة جوية من جهاز “ستيريوسكوب”، لنتمكن من رؤية الواقع وعلاقاته، لكن لو أضفنا لها منظورا ثالثا -أي السمك- فقد يعطي حقيقة عن الخارطة، ولكنها حقيقة غير مهمة، فالسمك لا يضيف شيئا للمعلومات على الخارطة، وكذلك هو الحال بالنسبة لخارطة الطريق من المنظور السياسي، فسمك التقرير الذي كُتبَ عنها لا يفيد في شيء، لكن ما يحويه من المعلومات يفيد.

كان “شعدون” قد نبهني أن مصطلح “خارطة الطريق” مصطلح استعماري، لذلك وجب عليّ الكتابة عنه، فمن طبيعة شعدون أن لا يدع مصطلحا يمرّ من أمامي دون أن يتأكد بأني أعي بالضبط ما يعنيه، سواء من الناحية الفيزيائية أو السياسية، وهو دائم التأكيد عليّ بأن أكتب عن الأشياء التي أعرفها فقط.

فكتبت: كم منا يعي حقيقة مصطلح خارطة الطريق؟ ربما قلة أو لا أحد! لقد نبهني ذلك “النحاسي” أنه منذ غزو أميركا للعراق عام 2003، ظهرت مصطلحات سياسية مستمدة من نظرية الفوضى، من ضمنها “خارطة الطريق” الذي يستخدم وبكثافة من قبل الساسة العرب! الذين لا أظن أنهم منتبهون إلى حقيقة الخطط الاستعمارية في طيات هذا المصطلح السياسي البراق.

فكتب شعدون عني: كل رئيس أميركي يتحدث في خطابه الأول عن خارطة طريقه في السياسة الخارجية، لكن برمزية متناهية، لا تفك رموزها إلا بعد تنفيذها على أرض الواقع، وأقرب مثال هو القضاء على دكتاتوريات دول الربيع العربي التي كانت صريحة في خطاب باراك أوباما عام 2009.

فقلت: هذا يعني أن الغرب خدع العامة ببريق “الديمقراطية” في خطابات أوباما ووزرائه، وقبل ذلك خدع حكامهم وساستهم ببريق “خارطة الطريق” في خطابات “بوش” ووزرائه! ثم دونت: شبه الجملة المركبة من كلمتين “خارطة الطريق” Roadmap، تحمل المعنى التقني وليس الجغرافي، بالرغم من أن خارطة الطريق الجغرافية تلتقي مع خارطة الطريق التكنولوجية في إمكانية تحققهما وتجديدهما، وتستخدم الأخيرة للتعبير عن الخطة الموضوعة للترويج عن منتج جديد، سواء كان تكنولوجيا أو إستهلاكيا، وتتماشى مع الأهداف القصيرة والبعيدة المدى! فما بالك إن كان المنتج خطة استعمارية مسلحة بكلمة “الديمقراطية” فقط.

فأضاف شعدون إلى سطوري: أُطلقت “خارطة الطريق” على مبادرة السلام في الشرق الأوسط، حينما أصدرت وزارة الخارجية الأميركية في 30 أبريل 2003 بيانا بنص المبادرة، تم تسليم نسخة منه إلى كل من المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين.

فأكملت في مدونتي: لأية خارطة طريق ثلاث مزايا رئيسية: الأولى أنها تساعد للوصول إلى توافق على الاحتياجات والتقنية المطلوبة، والثانية تقدم آلية الإعلان عن تطوير هذه التقنية، والثالثة تعطي إطارا عاما يساعد على تنسيق تطورها. ولأن مسيرة الإجراءات عادة ما تكون كبيرة وكثيرة وطويلة جدا، لا يمكن احتواء خارطة الطريق بمرحلة واحدة، لذلك فهي تمر بثلاثة أوجه: النشاط الابتدائي، وتطور الخطة أثناء تطبيقها، وأخيرا المتابعة.

وأهمها الوجه الأول، لأنه أرضية الخطة وقاعدتها، وهو يتضمن ثلاث خطوات: توضيح الظروف الأساسية التي ستقوم عليها الخطة، وتعيين قائد أو راع -sponsor- للحملة الترويجية لها، وتعريف نطاق وحدود تقنية خارطة الطريق، وفي هذه المرحلة على متخذي القرار الاعتراف بأنه لديهم مشكلة وأن هذه الخارطة سوف تعينهم على حلها.

أما الوجه الثاني فهو متن خارطة الطريق، وتتكون من: تعريف “المنتج”، وتحديد الوضع الحرج المحتاج للتغيير وأهدافه، وتحديد كل من: المنطقة، والتقنيات المستخدمة، والبدائل، والوقت، والتوصية بالتقنيات البديلة، وأخيرا خلق تقرير لخارطة الطرق. أما الوجه الثالث فمنذ اللحظة التي تتم فيها الموافقة على خارطة الطريق تجب مراجعة ومتابعة سير العمل فيها.

ولقد تمّ تطبيق متن خارطة طريق الغرب للربيع العربي -التي لم يعلن عنها- بحذافيرها، عُرِّفَ المنتج بالربيع العربي، وهدفه تفكيك الوطن العربي جغرافيا وإنسانيا، والمنطقة هي كل الدول العربية بلا استثناء، والتقنيات المستخدمة كانت وسائل التواصل الاجتماعي ودورات تنظيم الاحتجاجات، والبدائل كانت التلويح بالمساعدات العسكرية كما في حال سوريا، والدعم للمخربين كما في سوريا وفي دعم “الإخوان” بمصر أثناء اعتصاماتهم وحتى بعد فضها، وأظن أنه مازالت كتابة تقرير خطة طريق الربيع العربي مستمرة.

ختم قولي: خارطة الطريق تعني الاستمرارية، مثلها مثل نظرية الفوضى، التي تعد بالنسبة إلى بعض الفيزيائيين مسيرة من الإجراءات والتطورات للحدث process، وليس مجرد حالة ظرفية state، وعليه فالوضع الفوضوي العربي مستمر، وعملية إضعاف العرب متواصلة، كما وضعت في خارطة طريق الربيع العربي.

16