خارطة الفقر تتسع على وقع تآكل الثورة

أصبح العالم اليوم “جزيرة أغنياء تحيط بها بحار من الفقراء”، كما وصفه الرئيس الجنوب أفريقي مبيكي في مؤتمر الأرض بجوهانسبرغ في حديثه عن معضلة الفقر التي تزداد يوما بعد يوم في الكثير من الدول بطريقة مخيفة لأسباب اقتصادية واستراتيجية رفعت من منسوب الحروب والصراعات في العالم وضاعفت أعداد اللاجئين وأثرت سلبا في أسعار النفط ومداخيل السياحة وقطاعات اقتصادية عديدة.
الاثنين 2016/10/17
سياسات الصناديق المالية عمقت ظاهرة الفقر في العالم

تونس- أقدم شاب مصري، مساء السبت الماضي، على إشعال النار في نفسه أمام أحد النوادي الاجتماعية التابعة للجيش، بمحافظة الإسكندرية (شمالا) “بسبب غلاء الأسعار”، وفق مصدر أمني. وقال المصدر الأمني إن الشاب الذي تعرض لإصابات بالغة بسبب الحرق، عاطل عن العمل، وظل يشكو من الغلاء وارتفاع الأسعار. لم يعد هذا السيناريو الذي تكرر في العديد من المرات منذ أن أقدم الشاب التونسي محمد البوعزيزي على إضرام النار في نفسه لأسباب مشابهة، ما أدى إلى اشتعال نيران صراعات اندلعت في أنحاء منطقة الشرق الأوسط دون أن ينجح مطلقوها في تحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة.

ووفقا لمقاييس مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد لعام 2016، بلغ عدد الفقراء في العالم سنة 2016، 1.6 مليار شخص. ويوضح الخبير التونسي في علم الاجتماع سامي نصر، في تصريح لـ”العرب”، أن ظاهرة الفقر باتت متفشية في كل دول العالم الفقيرة والغنية على حد سواء رغم ارتفاع درجات النمو عند دول متقدمة كالولايات المتحدة الأميركية التي تحتل المرتبة الأولى في ارتفاع نسب التشرد في العالم. ويعتقد سامي نصر أن العالم وقع في فخ العولمة التي باتت محركا لهذه الظاهرة التي دعمتها الأنظمة الرأسمالية، حيث ترى هذه الأنظمة في الفقر عاملا للسيطرة على الشعوب الضعيفة والاستحواذ على ثرواتها.

1.6 مليار فقير في العالم حسب تقديرات البنك الدولي

ويؤكد تقرير “مكافحة الفقر وتعزيز الرخاء المشترك في عام 2016: معالجة عدم المساواة”، الصادر عن البنك الدولي، بمناسبة اليوم العالمي للفقر (17 أكتوبر من كل سنة)، أن الفقر المدقع على مستوى العالم يواصل التراجع على الرغم من حالة السبات العميق التي دخل فيها الاقتصاد العالمي. ولكن الدراسة تحذر من أنه على الرغم من اتجاهات النمو المتوقعة فإن خفض معدلات عدم المساواة المرتفعة قد يشكل مكونا ضروريا للوصول إلى الهدف العالمى الرامى إلى إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030.

وحذّر جيم يونج كيم، رئيس مجموعة البنك الدولي، من أنه ما لم نتمكن من مواصلة النمو العالمي والحد من عدم المساواة، فإننا بذلك نخاطر بفقدان المستوى المستهدف من البنك الدولي والرامي إلى خفض معدلات الفقر المدقع بحلول 2030. ويذهب البعض من الخبراء الدوليين إلى اتهام البنك وصندوق النقد الدوليين بالمساهمة في ترسيخ اللامساواة بين الدول والمجتمعات، مشيرين إلى أن المؤسستين الكبيرتين تخضعان بشكل مباشر للدول الكبرى؛ فبمقتضى اتفاق ضمني يكون دائما رئيس صندوق النقد الدولي أوروبيا، ورئيس البنك الدولي أميركيًّا. ويتم اختيارهما وراء أبواب مغلقة، بل ولا يشترط لتولي الرئاسة أن تكون للمرشح أي تجربة اقتصادية في الدول النامية.

ولا تمثل مثل هذه المؤسسات الأمم التي تخدمها، وفق جوزيف ستجليتز، النائب الأول الأسبق لرئيس البنك الدولي، الذي ذهب إلى حد القول إنّ برنامج صندوق النقد الدولي قد يترك البلد في البعض من الأحيان فقيرا كما كان من قبل، لكن مع مديونية أكبر، وصفوة حاكمة (وطبقة) غنية أكثر ثراء. ويضيف أن “سياسات صندوق النقد الخاصة بالتكيف الهيكلي (أي السياسات التي تهدف إلى مساعدة بلد ما على التكيف في مواجهة الأزمات وحالات عدم التوازن المزمنة) أدت في العديد من الحالات إلى المجاعة والهياج الشعبي”.

سامي نصر: تونس تقدم مثالا لإحدى دول الربيع العربي التي لم تنجح في تحقيق ما طمحت إليه

الخروج من دائرة المهانة

يحتفل العالم الاثنين باليوم الدولي للقضاء على الفقر تحت شعار الخروج من دائرة المهانة والإقصاء إلى أفق المشاركة، وتحت بند القضاء على الفقر بجميع مظاهره. ويسلط الاحتفال هذا العام على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار ما يعانيه الأشخاص الأكثر فقرا من إذلال وتهميش. ويتم تحديد مستوى الفقر من خلال المجموع الكلي للموارد الأساسية التي يستهلكها الأفراد البالغون في فترة زمنية معينة عادة ما تكون سنة، وفي السنوات الأخيرة أدخل عليه الاقتصاديون في الدول المتقدمة عناصر جديدة مثل أسعار العقارات وتكاليف استئجار المساكن لأهميتها في تحديد خط الفقر.

وتقوم معظم دول العالم بتحديد خط الفقر الوطني، وهو يختلف من دولة إلى أخرى قياسا على مستوى الدخل والقوة الشرائية، كما أنه يتغير من عام إلى آخر، ولذلك تقوم هذه الدول بمراجعته بشكل دوري وتحديثه، لاعتقادها بأن تحديده يعد أولى الخطوات لمواجهة الفقر. ويعيش 50.7 بالمئة من فقراء العالم في القارة الأفريقية حسب ما أوردته أحدث دراسات البنك الدولي، وتأتي منطقة جنوب آسيا في المرتبة الثانية فهي تضم 33.4 بالمئة من فقراء العالم تليها منطقة شرق آسيا والمحيط الهادي.

ويرى الباحث الاجتماعي سامي نصر أن ارتفاع الفقر في تونس يقدم مثالا لإحدى الدول التي شهدت ثورات ما سمي بالربيع العربي والتي لم تنجح في تحقيق ما طمحت إليه عند اندلاع تلك الثورات، مضيفا أن الحكومات المتعاقبة بعد ثورة يناير لم تنجح في تقليص نسب الفقر رغم أن من قادوا الثورة في البداية هم الفقراء المهمشون الذين ثاروا ضد عدم تكافؤ الفرص في التنمية وغياب التوزيع العادل للثروات. وقد ساهم عدم اعتماد أمثلة توجيهية للخروج من هذه المعضلة في توسع خارطة الفقر.

على الرغم من اتجاهات النمو المتوقعة فإن خفض معدلات عدم المساواة المرتفعة قد يشكل مكونا ضروريا للوصول إلى الهدف العالمى الرامى إلى إنهاء الفقر المدقع

وتشير دراسات عديدة إلى تأثر الطبقة الوسطى في الكثير من المجتمعات العربية بهذه التطورات، ما أدى إلى تراكم الفقراء في الأحزمة المحيطة بالمدن والأحياء الشعبية التي أصبحت تشكل مصدرا رئيسيا للقلق الأمني. ويعرف الأمين العام للمتحدة بان كي مون الفقر بأنه “ليس انخفاض الدخل فقط ولكن قلة الاستفادة من الرعاية الصحية والتعليم والحرمان من حقوق الإنسان أو انتهاكها”، و”يتجلى في الأغلب الأعم في الحرمان من حقوق الإنسان الأساسية الأخرى أو انتهاكها”. وأظهرت بيانات البنك الدولي لعام 2016 انخفاض نسبة سكان العالم الذين يعيشون في فقر مدقع إلى مستوى تاريخى بنسبة 9.6 بالمئة عام 2015، مقابل 37.1 بالمئة عام 1990؛ فقد أظهرت التقديرات أن 702 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر العالمي المحدد بـ1.90 دولار يوميا، وأن أغلبهم يعيشون في أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا.

أسباب ارتفاع الفقر

أسباب عديدة يسوقها الخبراء لتفسير ارتفاع نسبة الفقراء في العالم منها سرعة تزايد معدلات النمو السكاني في العالم، مقابل انخفاض الموارد الطبيعية. وقد أظهرت هذه التقديرات التي ينشرها المعهد الفرنسي كل عامين، بالتوازي مع دراسات مشابهة تجريها منظمات دولية عدة بينها الأمم المتحدة والبنك الدولي، أن عدد السكان في العالم ارتفع بواقع سبعة أضعاف خلال القرنين الماضيين ومن المتوقع استمراره في الارتفاع “إلى أن يصل ربما إلى 11 مليارا في نهاية القرن الحادي والعشرين”. وتدخل العوامل الاستراتيجية والسياسية في قائمة أسباب ارتفاع الفقر في البعض من الدول، وبالتالي في العالم؛ فدول مثل إيران يرتفع فيها الفقر بنسبة كبيرة، نظرا لتركز الثروة في يد الفئة الحاكمة التي توجّهها لأغراض عسكرية توسعيّة.

6