خارطة الفقر تتسع في تونس: سياسات اجتماعية فاشلة تعمق التفاوت بين الجهات

الحفاظ على المقدرة الشرائية للمواطنين وتحسين الظروف المعيشية يبقيان مقياس النجاح الحقيقي للعمل الحكومي.
الأحد 2020/09/27
كورونا يضاعف طوابير الفقراء في تونس

تونس - يجمع خبراء ومتابعون للشأن التونسي أن ثورة 14 يناير “غير مكتملة” في ظل استمرار التهميش والصعوبات الاقتصادية وعدم تخطيط سياسة اجتماعية ناجعة في مواجهة الاستشراء المقلق للفقر وعدم الإصغاء إلى مطالب سكان المناطق الداخلية المستائين من حرمناهم المستمر من نصيبهم في التنمية وحقهم في العمل.

وعلى رغم الإشادة بالتجربة الديمقراطية التونسية وقدرة النخب على تأمين المسار الانتقالي في مناخ من التعددية وحرية التعبير، وإن اصطدمت بالمناكفات والتجاذبات في أحيان كثيرة، فإن الملفين الاجتماعي والاقتصادي ينغصان على حكومات ما بعد الثورة ما نالته من مكاسب. وبالنسبة للشارع، فإن الحفاظ على مقدرته الشرائية وتحسين الظروف المعيشية يبقيان مقياس النجاح الحقيقي للعمل الحكومي، ودون تحقيق ذلك، تسقط الحكومات في الشعبوية وإطلاق الشعارات.

وتكشف إحصائيات صدرت حديثا عن ارتفاع ظاهرة الفقر في البلد بشكل متفاوت، ما يزيد من حدة الفجوة بين المناطق الداخلية، ولتؤكد الأرقام الأخيرة من جديد فشل الخيارات الاجتماعية لحكومات ما بعد الثورة.

وكشفت دارسة نشرها، الأربعاء، المعهد الوطني للإحصاء (حكومي) بعنوان “خارطة الفقر في تونس” عن ارتفاع نسب الفقر بشكل رئيسي في المناطق غير الساحلية وتحديدا بوسط البلاد وشمالها.

وأشارت الدراسة إلى ارتفاع معدلات الفقر بشكل رئيسي في المناطق المتمركزة وسط البلاد، فيما المناطق المجاورة للعاصمة أقل من حيث عدد السكان الفقراء.

وقام المعهد بإعداد الدراسة بالتعاون مع البنك الدولي بناء على التقسيم الإداري المعتمد بالتعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2014، ومستندا أيضا إلى المسح الوطني حول الإنفاق والاستهلاك ومستوى عيش الأسر لسنة 2015.

واستعرضت الدراسة نسب الفقر بـ264 منطقة موزعة على 24 ولاية (محافظة)، من خلال تحليل أبرز المعطيات الاقتصادية والاجتماعية الرئيسية على مستوى المناطق الموجودة على مستوى تونس الكبرى، والشمال الشرقي، والشمال الغربي، والجنوب الشرقي، والجنوب الغربي.

صادق جبنون: ثلثا الشعب التونسي يعيشون حالة فقر بمعايير البنك الدولي
صادق جبنون: ثلثا الشعب التونسي يعيشون حالة فقر بمعايير البنك الدولي

وكشفت الدراسة عن ارتفاع نسبة الفقر بشكل كبير على مستوى الوسط الغربي المتكون من ولايات (القيروان والقصرين وسيدي بوزيد).

ويعد هذا الإقليم، وفق الدراسة، أحد أفقر الجهات بمعدل 29.3 في المئة.

وفي مستوى الشمال الشرقي الذي يضم ثلاث ولايات (نابل وزغوان وبنزرت) تم تسجيل أعلى نسب للفقر في كل من منطقة سجنان بـ39.9 في المئة، في حين تنخفض معدلات الفقر بولاية نابل (4.7 في المئة).

أما بالنسبة إلى جهة الوسط الشرقي التي تضم أربع ولايات (سوسة والمنستير والمهدية وصفاقس) فقد تم تسجيل أدنى معدل فقر في مدينة صفاقس وبدورها تشهد ولايات الجنوب الشرقي (قابس، تطاوين، مدنين) تفاوتا في نسب الفقر.

وخلصت الدراسة، التي تساهم في رسم السياسات الحكومية لتحقيق أهداف التنمية والتقليص من الفقر والفوارق، إلى أهمية استهداف سكان المناطق الأشد فقرا في البلاد عبر برامج التدخل الاجتماعي للحد من معدلات الفقر.

ولاحظ خبراء مختصون أن التفاوت الاجتماعي في تونس أصبح يشهد تفاقما كبيرا وذلك على مستوى كل القطاعات خاصة الحساسة منها، مثل الصحة والتعليم. ويلفت هؤلاء إلى أن حالة الطوارئ الصحية أعقاب ظهور الوباء ضاعفت من متاعب الأسر التونسية وعمقت متاعبهم المالية ونجم عنها ارتفاع في مؤشر الفقر.

وعلى رغم إطلاق كل حكومة بمجرد تنصيبها وعودا بمحاربة الفقر، لا يبدي التونسيون ثقة في جدية الخطط الحكومية ويصنفونها في إطار التصريحات الشعبوية لإخماد غضب الشارع وتوجسا من رقعة الاحتجاجات المناهضة لأدائها. في حين يلاحظ الخبراء أن اعتماد تونس على ذات المنوال التنموي الذي كان من أبرز أسباب ثورة يناير، من منابع الخلل الحقيقية.

عبدالرحمن الهذيلي: مواصلة نفس منوال التنمية وراء توسع رقعة الفقر
عبدالرحمن الهذيلي: مواصلة نفس منوال التنمية وراء توسع رقعة الفقر

ويشير تقرير سابق للبنك الدولي إلى أن “الإمكانات الاقتصادية لا يبدو أنها مستغَلة. فعلى النقيض من ذلك، يعاني الاقتصاد التونسي من عدم كفاية معدل خلق فرص العمل وضعف أداء الصادرات واستشراء الفساد”.

وعلى رغم اندلاع ثورة نددت بالتفاوت الاجتماعي، إلا أن الفوارق الجهوية ظلت قائمة بمرور الوقت. وقد عانى الاقتصاد التونسي من هذه المشكلات.

وفيما يقر البنك الدولي بأن “تونس حققت تقدما كبيرا على الصعيد السياسي، لكن النظام الاقتصادي الذي كان موجودا تحت حكم بن علي لم يتغيّر كثيرا، ومطالب التونسيين بإتاحة الفرص الاقتصادية لم تتحقق بعد”.

بدوره، يشير عبدالرحمن الهذيلي، رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لـ”العرب” إلى أن “مواصلة الاعتماد على نفس منوال التنمية بعد اندلاع ثورة يناير وراء تزايد ظاهرة الفقر في تونس من سنة إلى أخرى، وهي ظاهرة تتزامن مع ظواهر أخرى لا تقل خطورة مثل الانقطاع المدرسي والبطالة”.

ويحمل الهذيلي الدولة بشكل مباشر مسؤولية تردي الأوضاع الاجتماعية واختيار مسؤولين دون الكفاءة المطلوبة على مدى الحكومات المتعاقبة والذين، حسب رأيه، عجزوا عن تقديم تصور بديل عن المنوال التنموي القائم.

وقاد المنوال التنموي الفاشل إلى تآكل الطبقة الوسطى وتزايد الفقراء في البلد. ويعلق الهذيلي “الطبقة المتوسطة التي كانت رمزا للاستقرار الاقتصادي تعاني اليوم الفقر بسبب ضعف مداخيلها”.

ويجمع خبراء على أن المنوال التنموي المعتمد في تونس كشف أنه غير ناجع ويحتاج إلى مراجعة. وبيّنوا أن مناطق عدة في حاجة إلى منوال تنموي جديد ورؤية مغايرة لإشكالات التنمية بها، وذلك بتفعيل مبدأ التمييز الإيجابي الذي ينصّ عليه دستور يناير 2014 الهادف إلى إصلاح الفوارق الواضحة بين المحافظات وتحقيق عدالة اجتماعية.

وعلى غرار فشل السياسات الحكومية، يسلط خبراء الضوء على آثار جائحة كورونا على الأوضاع المعيشية في البلد، حيث أسهم الوباء في زيادة الظاهرة بإحالة الآلاف على البطالة وتداعيات إجراءات الحجر الصحي على الاقتصاد المتردي.

ووفقا لبيانات حكومية، كلّفت الجائحة الحكومة التونسية خسائر بقيمة 5 مليارات دينار (1.83 مليار دولار) ما ساهم في تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.

ويشير صادق جبنون، الخبير اقتصادي في تصريح لـ”العرب” إلى أن ثلثي الشعب التونسي يعيشون حالة فقر؛ إما فقر مدقع أو فقر بمعايير البنك الدولي. لافتا إلى معاناة الأسر من وضعية من التداين المفرط. ويتابع “هذا التداين ليس لشراء السيارات أو الكماليات، إنما لشراء مواد غذائية ودفع فواتير الماء والكهرباء والسكن”. ويعلق “لم نعد نتحدث لا عن صحة ولا عن ترفيه، فقد أصبحا من الأحلام الممنوعة على التونسيين اليوم”.

ويعتقد جبنون أن تونس اليوم بحاجة لتغيير منوالها الاقتصادي وتغيير جدي إلى اقتصاد القيمة المضافة مثل ما فعلت دول أخرى (شرق آسيا) ويجب توفير سياسة قوية وداعمة لهكذا تحول.

وفيما يقر بأن هذا التحول الاقتصادي الذي تحتاجه تونس لن يكون تحولا سهلا أو مجانيا وله كلفة باهضة أيضا، لكن “هذه الطريقة مفروضة على الدول لتخرج من أتون الفقر”، حسب استنتاج جبنون.

وبالنسبة للخبير الاجتماعي ممدوح عزالدين، فإن اندثار الطبقة المتوسطة أحد أبرز مؤشرات توسع خارطة الفقر في البلد. ويعزو عزالدين في تصريح لـ”العرب” استشراء الفقر وتآكل الطبقة المتوسطة إلى “غياب مشروع ثقافي ومجتمعي واضح”.

ويشير إلى أن “جزءا كبيرا من الطبقة المتوسطة اليوم هم من الفقراء، إذ أن ربع الشعب التونسي يعاني الفقر”. ويستنتج بالقول “أزمة كوفيد – 19 عمقت الهوة بظهور عاطلين جدد كما ارتفعت مجددا البطالة لدى حاملي الشهادات العليا”.

7