خارطة جينية تمكن العلماء من فهم عميق للأورام السرطانية

اكتشاف "خارطة جينية" تساعد على التدخل المبكر لمنع ظهور أنواع السرطان صعبة العلاج أو إبطائها.
الجمعة 2020/02/14
إنجاز علمي وطبي مهم

أدى التقدم الطبي وظهور تقنيات الحوسبة القوية إلى قفزة كبيرة في معرفة طبيعة الجينومات السرطانية وتعميق فهم مرض السرطان ومسبباته. وفي تقدم غير مسبوق، تمكن فريق من العلماء من قراءة جينوم السرطان بأكمله تقريبا. وقدموا “خارطة جينية” للأورام السرطانية تكشف النقاب عن الطفرات المسببة للمرض، ويأمل الباحثون أن يسهم ذلك في المستقبل القريب في تطوير استراتيجيات التشخيص المبكر، والوصول إلى آليات وقائية وعلاجية أكثر كفاءة لمرض السرطان الذي يعد السبب الرئيسي الثاني للوفيات على مستوى العالم.

انتهى فريق من العلماء من تحديد خارطة الجينات الكاملة للسرطانات، مما يفتح الباب أمام التوصل لتشخيص العديد من الأورام الخطيرة وعلاجها في مراحل مبكرة.

وتمكّن العلماء من إجراء دراسة ضخمة امتدت على عقد من الزمن وكانت ثمرة تعاون دولي شارك فيها أكثر من 1300 عالم وطبيب من حوالي 37 دولة، من اكتشاف أسرار كيفية تطور الأورام السرطانية، ويأمل العلماء أن تفضي نتائج عملهم إلى طرق أسرع وأكثر فعالية لتشخيص السرطان وعلاجه.

فك الشفرة الوراثية

قام الفريق الدولي بفحص الشفرة الوراثية لـ2658 جينوما للأورام السرطانية من متبرعين متطوعين وتحليلها لتكوين فكرة عامة عن الطفرات الوراثية التي تسبب 38 سرطانا مختلفا. وفي حين ركزت الدراسات السابقة على حوالي 1 في المئة فقط من الجينوم، فإن هذا المشروع اكتشف الـ99 في المئة الباقية بتفاصيل أكثر شمولية بما في ذلك المناطق الرئيسية التي تتحكم في تشغيل الجينات وإيقافها والتي يمكن أن تؤدي إلى حدوث طفرات تسبب السرطان.

وركز المشروع العالمي على تغييرات الحمض النووي التي تسبب السرطان، والتحقيق في التغييرات الجينية الموروثة وتلك التي تحدث في حياة الشخص.

وشارك في الدراسة باحثون من كلية الطب بجامعة كاليفورنيا وسان دييغو ومعهد ويلكوم سانجر ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد وجامعات أكسفورد وجامعة غلاسكو ومعهد فرانسيس كريك والمعهد الأوروبي للمعلوماتية الحيوية ومتعاونون آخرون حول العالم.

وقد تم تجميع نتائج هذا العمل غير المسبوق في 20 منشورا نشرت مؤخرا في المجلة الأميركية “نيتشر” ومجلات طبية أخرى من نفس المجموعة.

ويحدث مرض السرطان بسبب التغيرات الجينية ـ الطفرات ـ في الحمض النووي للخلية مما يؤدي إلى انقسام الخلية بشكل لا تمكن السيطرة عليه. وتخضع الخلايا البشرية للمليارات من الطفرات ولكن عددا صغيرا منها يطلق عليه “طفرات السائق” وهي المسببة للسرطان. وفي الأغلب يعزى حدوث هذه الطفرات في المادة الجينية بسبب عوامل مثل التدخين أو الأشعة فوق البنفسجية أو مواد كيميائية أو أمراض معدية كالإصابة بالفايروسات وهناك أيضا العديد من العوامل الأخرى.

وتمكن الباحثون في هذا المشروع من تحديد الآلاف من الطفرات المختلفة داخل كل سرطان، ووضعوا “خارطة جينية” للطفرات الرئيسية التي تسبب تطور المرض، كما أوجدت الدراسة أكثر من 80 عملية تسبب الطفرات بعضها مرتبط بالعمر والبعض الآخر موروث أو مرتبط بعوامل نمط الحياة مثل استهلاك الكحول أو التدخين.

المشروع العالمي ركز على تغييرات الحمض النووي التي تسبب السرطان
المشروع العالمي ركز على تغييرات الحمض النووي التي تسبب السرطان

ويقول الدكتور بيتر فان لو من معهد فرانسيس كريك وأحد الباحثين المشاركين “لأكثر من 30 سرطانا، نعرف الآن ما هي التغييرات الجينية المحددة المحتمل حدوثها، ومتى تحدث هذه التغييرات”.

ووجد الباحثون أنّ الأورام تحتوي في المتوسط على أربع أو خمس طفرات تحفّز نموها، ويمكن أن تمثل هذه الطفرات نقاط الضعف التي يمكن أن تصبح أهدافا علاجية.

ويرى الخبراء أن هذه “الخارطة الجينية” قد تساعد على البحث عن مواد كيميائية لم تكن معروفة من قبل والمسارات البيولوجية والعوامل البيئية التي تؤدي إلى الطفرات المتسببة في السرطان.

وتشير نتائج الدراسات إلى أن الطفرات المسببة للسرطان قد تظهر قبل عقود من التشخيص وأحيانا في مرحلة الطفولة، مما يثير الآمال في إجراء اختبارات جديدة من شأنها أن تساعد على اكتشاف المرض في وقت مبكر.

وعلى سبيل المثال في سرطان المبيض تحدث الطفرات حتى 50 عاما قبل أن تلاحظ المرأة الأعراض الأولى.

ويقول الدكتور بيتر كامبل من معهد ويلكوم سانجر “لقد وجدنا أن السرطان يمثل النهاية البعيدة لطيف هائل من التغيير”، مضيفا “هذا يدل على أن نافذة التدخل المبكر أوسع بكثير مما كنا نظن”.

ويرى الدكتور كامبل أنه إذا استطعنا أن نفهم ما يحدث في أعضائنا مع تقدمنا في العمر، وما الذي يسبب تراكم الطفرات الوراثية وكيف يمكن لنمط الحياة أن يقلب الموازين، فيمكننا إذن التفكير في طرق التدخل مبكرا لمنع ظهور أنواع السرطان التي يصعب علاجها أو إبطاؤها.

ثورة في علاج السرطان

نحو تطوير استراتيجيات التشخيص المبكر لأنواع السرطان
نحو تطوير استراتيجيات التشخيص المبكر لأنواع السرطان

يقول البروفيسور بيتر جونسون المدير الوطني للسرطان في دائرة الصحة الوطنية البريطانية إن اكتشاف السرطان في وقت مبكر لا يزال هو أفضل فرصة للبقاء على قيد الحياة وهو هدف رئيسي لهيئة الصحة الوطنية، وإن إيجاد طرق لتحويل البحوث من هذا القبيل إلى اختبارات يمكننا استخدامها في العيادة يمكن أن يحدث ثورة في متى وكيف نشخص السرطان في المستقبل.

وكشفت الدراسة أيضا أن أنواع السرطان في أجزاء مختلفة من الجسم تكون في بعض الأحيان أكثر تشابها مما كان يعتقد. وعلى سبيل المثال قد تكون هناك سرطانات معينة للثدي والبروستاتا تتشابه معها الطفرات.

وقال يواكيم فايسشنفلت من جامعة كوبنهاغن “يمكن أن يكون لدينا نوع من سرطان الثدي والبروستاتا حيث تتشابه الطفرات، هذا يعني أن المريض المصاب بسرطان البروستاتا قد يستفيد من نفس العلاج الذي سنقدمه لمريض سرطان الثدي”.

وعلى العكس من ذلك لاحظ الباحثون أيضا وفي بعض الأحيان مجموعة واسعة من الجينومات في الأورام بمعنى آخر قد يكون لدى مصابين بالسرطان نفسه أورام جينية مختلفة تماما.

واكتشف الباحثون وجود فايروسات في 13 في المئة من الأورام التي تم تحليلها، وتم اكتشاف ما مجموعه 25 فايروسا مختلفا لدى 356 مريضا بما في ذلك فايروسات التهاب الكبد بي وفايروسات الورم الحليمي البشري وفايروس أبشتاين ـ بار.

وفي نهاية المطاف، قد يكون لهذه الدراسة النظرية تطبيق علاجي ملموس على المدى القصير، وقد تساهم في التعرف على أنواع السرطانات التي يصعب تشخيصها، والسماح بمعالجة أكثر استهدافا استنادا إلى طفرات محددة وراء سرطان معين، وربما بالتشخيص المبكر للأورام النامية.

12