خارطة فوتوغرافية لمصر المعمارية والبشرية

مصورون يسجلون في معرض جماعي بالقاهرة النسيج المعماري التراثي المتنوع في القاهرة ومحافظات مصر في رحلة بصرية تسعى إلى تعزيز مفاهيم الانتماء وتعميق الهوية الوطنية.
الأحد 2018/06/17
تعانق الماضي والحاضر بشارع المعز لدين الله الفاطمي بالقاهرة، بعدسة الفنان إسلام المنشاوي

القاهرة - تختصر المئات من الصور الفوتوغرافية لفنانين من أجيال وتيارات مختلفة ملامح وجه مصر الحضاري عبر العصور، في معرض جماعي مقام بالقاهرة، يتضمن لقطات احترافية لبنايات تراثية وتاريخية. وتبدو هندسة الماضي البعيد والقريب فاضحة لما اعترى الحاضر من فوضى.

لا تنتهي أحداث التاريخ المصري بانقضائها الوقتي، فالظرفية الزمانية المحددة لا تمنع امتداد اللحظات الفريدة إلى المستقبل من خلال شواهد راسخة مستقرة، منها الإرهاصات المعمارية التي تقاوم معول الهدم، محتفظة بسجل حافل لملامح الحياة وسيرة البشر، بدءا من عهد الفراعنة، مرورا بالحضارات اليونانية والرومانية والإسلامية، وعهود الاحتلال الأجنبي المتعاقبة، وصولا إلى عصر النهضة الحديثة في مطلع القرن العشرين.

وسجّل المئات من المصورين الفوتوغرافيين في معرض جماعي بالقاهرة ذلك النسيج المعماري التراثي المتنوع في القاهرة ومحافظات مصر المختلفة، في رحلة بصرية جادّة تسعى إلى تعزيز مفاهيم الانتماء وتعميق الهوية الوطنية.

“تراثي 3″، عنوان المعرض الفوتوغرافي الجماعي الكبير الذي أطلقه “الجهاز القومي للتنسيق الحضاري” في مركز الهناجر للفنون بدار الأوبرا المصرية بالقاهرة على مدار أسبوع (6 – 13 يونيو)، ويشتمل على المئات من الصور الفوتوغرافية لمبدعين من أجيال وتيارات متباينة.

الجائزة الأولى للقطة ميدان طلعت حرب بالقاهرة، بعدسة الفنان حازم خالد محمود
الجائزة الأولى للقطة ميدان طلعت حرب بالقاهرة، بعدسة الفنان حازم خالد محمود

يأتي المعرض حصادا لمسابقة فنية في الفوتوغرافيا تدور حول تصوير “المباني التراثية” في مصر بلقطات احترافية بعدسة الكاميرا، وشارك في المسابقة 330 فنانا قدّموا 900 صورة لبوابات وبنايات ومنشآت معمارية عديدة في القاهرة وسائر المحافظات المصرية، تنتمي إلى عصور مختلفة.

التزمت الأعمال المشاركة، خصوصا الفئة المتميزة التي حصدت جوائز المسابقة وشهادات التقدير، بالأهداف التي أوضحها جهاز التنسيق الحضاري من وراء هذا الحدث الفني، ومنها الحرص على الحس الإنساني وروح الحياة في تصوير المنشآت المعمارية، وتعميق الانتماء بالبحث في شواهد مصر التراثية لإحياء هذه الكنوز وإعادة صياغتها بصريًّا برؤى ومقترحات مغايرة مبتكرة، للحد من فوضى وعشوائية الحاضر الراهن.

يدور المعرض حول ثيمة “التراث”، وهو يختلف عن “الأثر”، وفق ما يوضحه المهندس محمد أبوسعدة رئيس مجلس إدارة التنسيق الحضاري، فالمباني التراثية (مجال المعرض) هي المنشآت ذات الطراز المعماري المتميز من وحدات مجمعة أو منفردة، التي تعكس سمات حقبة زمنية معينة أو عمارة تلقائية تعبّر عن بيئة محلية أو تتسم بالندرة والتفرد.

تندرج في هذا الإطار المنشآت المرتبطة بالتاريخ القومي أو بالأحداث والشخصيات التاريخية أو التي تعدّ من المزارات السياحية المتميزة بقيمتها الفنية، وتحوي هذه المنشآت تفاصيل فنية دقيقة وحسّا إنسانيّا رفيعا، هو الجانب الأهم الذي يجتهد الفنانون في إبرازه وتصويره. أما الآثار المعمارية، فلها مدلول مختلف، إذ تعني العقارات التي أنتجتها الحضارات المتعاقبة، حتى ما قبل مئة عام، والتي لها له قيمة أو أهمية تاريخية بحد ذاتها، بوصفها من تجليات ومظاهر الحياة بمصر.

مدخل إحدى غرف فندق "أدرير أميلال" في واحة سيوة بكاميرا الفنانة دينا المهدي
مدخل إحدى غرف فندق "أدرير أميلال" في واحة سيوة بكاميرا الفنانة دينا المهدي

ويعدّ الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، من الأجهزة الحكومية المصرية، وتأسس في 2001، ويتبع وزارة الثقافة، ويُعنى بتنظيم أعمال هدم المباني والمنشآت غير الآيلة للسقوط والحفاظ على التراث المعماري، ومن اختصاصاته تحقيق القيم الجمالية للأبنية والفراغات العمرانية والأثرية، ومراعاة النسيج البصري للمدن والقرى وكافة المناطق الحضارية للدولة، والعمل على إزالة التشوهات الحالية.

جاء “معرض تراثي” منفتحا على سائر الفئات العمرية والاتجاهات الفنية، فلا توجد شروط ومحددات للاشتراك سوى الالتزام بالصيغة العامة التي تدور حول تصوير البوابات والبنايات والأحياء التراثية، وإبراز تجلياتها السحرية ومظاهر الحياة فيها، ولقاء الماضي والحاضر، دون أي نصوص مكتوبة، لتكون الصورة وحدها هي المعبّرة عن المشهد والرؤية الفنية.

من الأعمال اللافتة في المعرض لقطة تجسد مدخل فندق قصر الباويطي التراثي في منطقة الواحات البحرية بصحراء مصر الغربية، بعدسة عبدالحميد طاحون، فيكاد يستشعر الرائي أنفاس البشر في داخل البيت الحجري القديم، المطلي بالألوان الحية، ومن خلفه تسمو أفرع النخيل الخضراء في طريقها صوب السماء.

تناولت أعمال عدّة القاهرة التاريخية، خصوصا منطقة الجمالية وحي الحسين وشارع المعز لدين الله الفاطمي، وأبدع الفنانون في التقاط مفارقات التقاء الماضي المتجسد في البنايات التراثية، والحاضر المتمثل في البشر البسطاء ذوي الملابس التقليدية وأغطية الرأس، والأطفال المطلين من خلف المشربيات.

تجليات الروح الشعبية النابضة في شارع المعز التراثي منحت الفنان مصطفى الشربجي شهادة تقديرية عن عمله في ذلك المكان، كما جسد محمد فتحي مظاهر تفيض بالخصوبة، حيث الحوانيت العتيقة والحرف التقليدية في درب قرمز بحي الجمالية.

اللقطة الفائزة بالجائزة الثالثة لقصر الأمير يوسف كمال في المطرية، بعدسة الحسيني عبدالعزيز
اللقطة الفائزة بالجائزة الثالثة لقصر الأمير يوسف كمال في المطرية، بعدسة الحسيني عبدالعزيز

من جهتها، رصدت كاميرا منار مصطفى ببراعة طفلا يطل من المشربية في منطقة الدرب الأحمر بالقاهرة التاريخية، ولمس الفنان إسلام المنشاوي تعانق الماضي والحاضر في شارع المعز، وبدت الحوائط والجدران التراثية في حوار مع المارة الذين يرتدون العباءات والطرابيش.

وبلقطة تمثّل ميدان طلعت حرب التاريخي الشهير في وسط القاهرة استحق الفنان حازم خالد محمود الجائزة الأولى، ففي “الكادر” الموسّع تظهر جميع معالم الميدان وبناياته التراثية، وتمثال طلعت حرب الذي يتلقى أشعة الإشراق المنحدرة من وجه الشمس.

وبتصويره مصلحة الشهر العقاري التراثية في ميدان المنشية بالإسكندرية نال المصور فادي قدسي الجائزة الثانية، ونال الحسيني عبدالعزيز الجائزة الثالثة عن لقطة لقصر الأمير يوسف كمال في حي المطرية، ويعكس هذان العملان فخامة المعمار وجمالياته في الماضي، وتتكشف التفاصيل الثرية في البنايات الحضارية، على عكس الأبنية المعاصرة المحيطة.

هذه السمات المعمارية القديمة التي تعكس مناخا نهضويّا متكاملا، تجسدها كاميرا الفنان مصطفى الحسيني، التي التقطت صورة بارعة لقصر شامبليون في قلب مدينة القاهرة، كما يحيل إليها باب عتيق في منزل تراثي في مدينة المنيا رصدته بحساسية فائقة عدسة الفنان أحمد راضي.

ويتجلى المعمار التراثي في مدخل إحدى غرف فندق “أدرير أميلال” في واحة سيوة بعدسة الفنانة دينا المهدي، وتعيد كاميرا الفنان محمد كمال قراءة تراسينا عمارات الحي الإفرنجي في مدينة بورسعيد على ضفاف قناة السويس.

معرض “تراثي 3” للصور الفوتوغرافية، إبحار شفيف عبر الزمان والمكان، تعود خلاله الكاميرا بصيد ثمين من خرائط مصر الأصيلة المزدهرة؛ معماريّا وحضاريّا وإنسانيّا، تلك الخرائط التي صارت مفتقدة في العصر الحديث، الذي أفسدته الفوضى والضوضاء وجارت عليه العشوائيات والإدارة السيئة.

مدخل لفندق قصر الباويطي في "الواحات البحرية"، بعدسة المصور عبدالحميد طاحون
مدخل لفندق قصر الباويطي في "الواحات البحرية"، بعدسة المصور عبدالحميد طاحون

 

14