خارطة للغات الهند المعترف بها والمنسية

لا يجب الاستخفاف بلغة أي مجتمع إنساني مهما اعتبرت غير مهمة، فما بالكم باللغات الصغرى نسبيا في مجتمع متعدد الإثنيات؟ أن نزدريها بوعي ليس جريمة فحسب، بل علامة على جهل من ينظر إليها بازدراء ولو من دون قصد، وتعد الهند من أكثر بلدان العالم ثراء لغويا من حيث تعدد اللغات واللهجات، لكن هذا الثراء يعكس أيضا مشاكل عديدة تسيء إلى الحياة المجتمعية في الهند، من قبيل الاعتراف والتجاهل اللذين يميزان بين اللهجات واللغات والأعراق، التي منها من يُعترف بها ومنها ما يتمّ تجاهلها.
الجمعة 2015/08/28
الهند ثراء لغوي كبير مرده اختلاف الأعراق والإثنيات

يؤكد الروائي والكاتب البنغالي قوبال هالدر في كتابه “لغات الهند” الصادر عن مشروع كلمة للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة وترجمه بكيل علي الولص، أن منطقة شبه القارة الآسيوية غابة فعلية للغات، ويلفت إلى أن المسح اللغوي الذي أجري خلال الحقبة البريطانية، تم التوصل إلى أن هناك 179 لغة و566 لهجة في هذه المنطقة، أما التقييم الذي أجرته الحكومة الهندية ونشر عام 1965 فقد وصل إلى ما مجموعه 1652 لغة أمًّا، بالرغم من أن 530 منها تظهر عدم انتمائها إلى مجموعة لغوية، إضافة إلى أن 105 لغات غير هندية، وهذا الحصر متعلق ـطبقا لـ”قوبال”ـ بأعداد الناطقين بهذه اللغات الأمّ، أي البشر، وهو ليس وصفا لتلك اللغات.

حقائق اللغة

يقول قوبال “من بين ما يسمى 179 لغة هناك 116 لغة قبائلية متفرقة من العائلة الصينيةـ التيبتية، والتي نجد أنفسنا ملزمين بتسميتها “باللهجات الفرعية” وسيتم احتسابها بالطبع. لكن هذه اللغات قليلة جدا من حيث عدد المتكلمين وللأغراض التجارية والثقافية، بحيث تعتبر عمليا عديمة الأهمية في مجرى النشاط العام في مجتمع الهند الواسع المترامي”.

ويؤكد أن هناك قرابة 24 أو 25 لغة أخرى تنتمي إلى العائلات الدراويدية والأستراليةـ الآسيوية وهي تعتبر قليلة الأهمية عمليا لنفس الأسباب. بعض هذه اللغات تحظى بأهمية في أقاليمها بلا ريب، مثل السنتالية، فليس من المستحيل أن تكسب أهمية أكبر كلما ازدادت تطورا، ومن الضروري أن تحظى بهذه الفرصة. لكنها عند الحكم عليها على أساس كثير من العوامل، لا يبدو أن ظهورها في الوقت الحاضر سيكون أمرا يسيرا.

الكتاب ليس بحثا أو تحليلا بل يستهدف تقديم الحقائق العامة المتعلقة بمجموع لغات الهند إلى القارئ العام

يتوزع المتكلمون بمثل هذه اللغات بين الولايات مثل بيهار والبنغال “الغربي” وأورييسا، إلخ… ولا يستطيع المرء أن يتدبر أموره دون أن يتحدث أو يتعلم لغة رئيسية أخرى في ولايته المعنية أو ولاية أخرى مجاورة، ويستحيل معرفة ما كان سيحدث لو أن ولاية سنتالية مستقلة ظهرت إلى الوجود. لذا مهما تكن حسابات اللغويين فإن عدد اللغات في شبه القارة الهندية على العموم ليس كبيرا جدا في الواقع”.

الكتاب يستهدف -طبقا لـ”قوبال”- تقديم الحقائق العامة المتعلقة بمجموع لغات الهند إلى القارئ العام، وليس متخصصا في المادة المعرفية بعلوم اللغة، أي أنه ليس بحثا أو تحليلا. ففي شبه قارة جنوب آسيا وفي وقتنا الحاضر يتداخل عدد من اللغة لكن لكل لغة على حدة مرحلة نشوء مبتكرة “لقد اجتازت هذه اللغات جميعا طرقا من الهدم والبناء، وطرقا لهجرات قامت بها تلك الأعراق المختلفة أثناء بحثها عن الطعام وجاءت للاستقرار في شبه قارة جنوب آسيا، إنها في الأصل لغات على شفير الانقراض للشعب الزنجاني (شبيه بالزنوج) ولغة المجموعة الأستراليانية ولغات الدراويديين واللغات الهنديةـ الآرية المشتقة أو المستخلصة من عائلة اللغة الهنديةـ الأوروبية، وعائلة اللغة التيبتيةـ الصينية الخاصة بالمجتمع المغولي”.

بين الاعتراف والتجاهل

ويعترف دستور الهند بسبع عشرة لغة إلى جانب الإنكليزية والسنسكريتية وهي: الأسامية والبنغالية والغرجراتية والهندية والكنادا والكشميرية والكونكانية والماليالام، والمانيبورية والماراثية والنيبالية والأورية والبنجابية والتاميلية والتيلوفو والأوردية وأخيرا السندية في سنة 1992.

قوبال هالدر يدخل بنا غابة اللغات

ويلفت قوبال إلى أن السنسكريتية هي إحدى لغات شبه القارة، ولكن من يتكلمون بها في الوقت الحاضر قليلون جدا، أما الإنكليزية فهي اللغة الأم لكثير من الشعوب وكذلك الصينية، لكن الإنكليزية والصينية ليستا لغتين هنديتي المنشأ، إلا أنه وقع الاعتراف بالإنكليزية كلغة عالمية كبرى إلى جانب اللغات الأربع عشرة المعتمدة سابقا في الدستور، ويجب احتساب عدد قليل من اللغات الهندية الأخرى كالنيبالية والميثيلية، فقد تم تأليف الأدب بهاتين اللغتين، كما أن هناك الأدب الشعبي الزاخر في اللغة البهوجبورية، فهل يمكننا إقصاؤها؟

تم قبول الميثيلية في نظام التعليم بولاية بيهار، ولكن لم يتمّ قبول البهوجبورية. “الراجستانية” أيضا لم تحظ بالاعتراف الكافي حتى الآن، رغم أنها تحتل مكانا في النقاش المتعلق باللغات الهندية.

وتحتل لهجات ولغات القبائل أيضا حيّزا بطبيعة الحال. وسيتمّ الاعتراف بلغات شعوب القاررو، الميزو، السنتالي، والأورون. ولكن البروفيسور الراحل سونيتي كومار شترجي كان يرى أن هناك فعلا خمس عشرة لغة كبرى في الهند ومن ضمنها السندية والنيبالية. وهذه حقيقة نستطيع الاعتراف بها حتى لو وضع الفرد نصب عينيه الصورة الكاملة للغات الموجودة في الهند.

ويوضح قوبال أن لغات شبه قارة جنوب آسيا، نشأت في الأساس من أربع عائلات لغوية، كما أن عدد اللغات الواقعة خارج هذه العائلات قليل نسبيا وأقل شأنا. وأسماء هذه العائلات هي العائلة الأوسترية “الأستراليةـ الآسيوية” أو العائلة “الشرقية”، وثانيا العائلة “الصينيةـ التيبتية “التي يتحدثها الشعب المنغولي، وثالثها العائلة “الدراويدية”، وأخيرا العائلة “الهنديةـ الآرية”.

ويضيف الكاتب أنه تمت تسمية عائلات اللغات الهندية تبعا لأسماء المجموعات العرقية “الإثنية”. في الأساس تعرف كل لغة باسم الفصيل المتصل بالمجموعة العرقية التي تتكلمها أي أن اللغة فرع من تلك المجموعة. وذلك بطبيعة الأمر مبني على اعتبارات تاريخية، لكن يبدو من غير المحتمل أن تشكل “الهنديةـ الآرية” عرقا مميزا. أضف إلى ذلك أنه لا توجد أساسا مجموعة عرقية نقية في العالم، والحقيقة المسلم بها هي أنه ليس كل الناطقين باللغات الهنديةـ الآرية في الوقت الحاضر في أقل تقدير أفرادا من العرق “الهندي- الآري”.

لغات شبه قارة جنوب آسيا، نشأت في الأساس من أربع عائلات لغوية، وعدد اللغات خارج هذه العائلات قليل نسبيا
ويرى قوبال أنه بغض النظر عن شعوب الجماعات الأستراليانية والكيريتية، هناك نسبة معتبرة من الهنود تدين بالإسلام وتنطق بالأوردية، وقد ظلت هذه الجماعة، أي المجموعة الساميةـ الحامية، حاضرة كجماعة حاكمة في الهند لفترة طويلة تقارب الألف عام، ونتيجة لذلك أصبح تطورها وثراؤها اللغوي مصهورين ليس في حياتهم فحسب، إنما في ما يعرف بطريقة الهندوس في الحياة بالهند أيضا حتى وإن قوبل ذلك بالإنكار. أي ما يتعلق بالممارسات الغذائية ونواهي الطعام، والكلمات المستخدمة المعتادة والثقافة والتقاليد والعادات، فإن هناك الموسيقى والفن والثقافة وأفكارا لا حصر لها، قد رسخت ذاتها في كل من شمال الهند وجنوبه، ولا يمكن إنكار وجودها. هذه المجموعة محترسة دوما من العيش المتجاور مع الهندية، والهندوس، والهندوستان بسبب مركزها المهدد والوعي الحاد بذاتها.

ويؤكد الكاتب أنه لو اختفت معظم اللغات ولم تبق إلا لغة أو لغتان كبريان فإن ذلك سيلائم الجموع الهائلة في المجتمع الهندي وحكامه أيضا. لكن لا يمكن تحقيق هذه الملاءمة بالقوة العمياء ولا يمكن السماح بتحقيقها على هذه الشاكلة.

ويوضح “لدينا الإيضاح الجلي على هذا وهو اللغة الهندية. تتألف المنطقة الناطقة بالهندية إجمالا من أتاربرادش وماديابرادش، لكن من حيث الممارسة ولدوافع تجارية فإن أبناء بيهار وراجستان ومهاراشترا وقوجرات والبنجاب وهريانا، يعتبرون الهندية لغتهم الخاصة أيضا، متى وكيفما احتاجوا إلى ذلك”.

15