خاطف النساء مهدي الله وزمن الانتحار الإلهي الشامل

السبت 2015/10/24

لعل الوصف الأدق الذي يمكن أن يطلق على الشيعة في لبنان في هذه المرحلة هو وصف الطائفة المخطوفة. لقد خطفت إيران شيعة لبنان، وأخفتهم في سراديب ولاية الفقيه المظلمة، ودفتهم أحياء في جحيم الموت دفاعا عن الأسد، ولم تسمح لهم حتى بكتابة وصاياهم الأخيرة.

حرمت إيران شيعة لبنان من أن يكونوا عربا بشكل خاص، ومسلمين بشكل عام، وجعلتهم كائنات لا هوية لهم خارج بنية الخطف. هكذا وبناء على نزعة التماهي بالمعتدي وأفعاله وإعادة إنتاجها، بات فعل الخطف محاولة يائسة لإنتاج ذات مأزومة تتماهى مع خاطفها وتردد تعاليمه.

ما قام به المدعو مهدي نزها الذي يطلق على نفسه أو يطلق عليه لقب “مهدي الله”، قياسا على واقع حماية الحزب الإلهي له، من خطف الفتاة السورية المتزوجة عبير الجاعور بقوة السلاح في قرية العين واقتيادها إلى قرية النبي عثمان، يعكس حال الوضع الشيعي الرازح تحت وطأة الخطف الإيراني.

لم تعد الذات الشيعية قادرة على أن تجد لنفسها نقطة ارتكاز تنطلق منها لإعادة تكوين صورتها، فقد غيّب الخطف الشرس معالمها وطمس تاريخها وقلب مفاهيمها وقطع صلاتها مع الوجود، فصار الوجود موتا هو الوجود الوحيد الممكن.

لعل أخطر ما كشف عنه خطف عبير هو ما شاع حول امتلاك هذا الخطف بنية عائلية حاضنة، تتألف من بعض أفراد أسرة مهدي ومن والدته بشكل خاص، حيث قيل إنها الشريك الأبرز له في تعنيف عبير وتعذيبها. كل هذا يعني أن خطاب المرأة قد اختفى تماما من الوسط الشيعي، وحل مكانه خطاب العنف السادي، الذي لا يقبل بغير العنف المتمادي بكل الأشكال، كمدخل لقراءة العالم ومقاربته. خطورة تغييب خطاب المرأة تكمن في أن هذا الخطاب هو خطاب تسويات بطبيعته، ويميل إلى التهدئة ونبذ العنف. إنه خطاب الأمهات اللواتي اجتهدت آلة الحزب العسكرية القمعية في إسكاته، ونبذه ومنعه من التعبير عن نفسه.

يتم تصميم نوع جديد من الأمهات اللواتي لا مشكلة لديهن في تعذيب الفتيات المخطوفات، وخصوصا السوريات منهن. هذا ليس مشهدا فرديا يقوم به مجرم وحيد له سجل حافل بالسوابق، بل هو سياق سيكولوجي بات سمة مقاربة الشيعة اللبنانيين للآخر القائمة على نسخ الاحتقار الإيراني لهم، وإعادة إنتاجه في صورة احتقار للذات والآخرين.

لا شك في هذا السياق أن مهدي لا يرى في عبير امرأة جميلة يريد الحصول عليها ولو بالقوة، لأن صورة المرأة لم تعد موجودة. كل الارتباطات المتعلقة بهذه الصورة قد ذبحت وشردت وسحلت وتم التمثيل بجثتها كذلك.

لو كان مهدي يستطيع النظر إلى عبير كامرأة لما كان خاطفا للنساء بالقوة. لو كان رجلا قابلا لاستقبال الحب والعطف وإرسالهما، لما كان على ما هو عليه.

لا يستطيع سوى أن يكون كائن التبخيس المر الذي يسعى إلى نشر فعل التبخيس وتعميمه على أجساد النساء المخطوفات. والدته التي تشاركه تعميم التبخيس وصبه على جسد عبير على هيئة تعذيب وتحقير تخضع للتوصيف نفسه. وفي هذا السياق الجهنمي يقول إن الطائفة الشيعية ذاهبة إلى انتحار شامل ومقصود لذاته وفي ذاته.

مهدي الله ينتحر بالخطف الذي يعلن استحالة حضور المرأة والأمان في حياته. والدته تنتحر بتعذيب عبير وإهانتها، وتسحب مع شعر عبير الذي قيل إنها شدتها به في الشارع إثر محاولتها الفرار، جثة أمومتها. حزب الله ينتحر برعايته لكل هذا الانتحار، حيث يخطئ كثيرا في الحساب إذا اعتقد أنه يستطيع التحكم بالبنية الانتحارية وتوجيهها في إطار محدد يستجيب لمتطلبات عبوديته لإيران. النزعة الانتحارية هي فعل دمار شامل لا يمكن لأحد التحكم فيه، لذا لن يكون مستغربا أن يكون الحزب وقادته ورئيسه على رأس قائمة أهدافها في مرحلة نعيش الآن على مشارفها.

كاتب لبناني

9