خالتي سعاد

هي قابلة تلد النساء على يديها، لكنها لم ترزق ببنين، وإن كانت بحكم هيبتها، قد تحصلت على أمومة افتراضية، فنوديت أم العبد، بينما لا عابد في البيت سواها.
الأحد 2019/03/24
إحياء لذكرى معمودية المسيح وإشراقته في نهر الأردن

كنت ألمس مياه النهر المقدّس للمرة الأولى. ذلك في نقطة العبور إلى الجهة الأخرى غربا، وهي موضع احتفال المواطنين الأرثوذكس بما يُسمى “عيد الغطّاس” إحياء لذكرى معمودية المسيح وإشراقته في نهر الأردن. فمع اتساع مجرى النهر، ينخفض منسوب المياه، لكي يفسح فتتشكل “مخاضة” يمر منها العابر، فلا يغمر الماء أكثر من نصف قامته. كنت يافعا في سن صغيرة، أجيد السباحة في بحر هائج، واستهين بمستصغر الموج، فما بالنا بنهر يجري ماؤه رقراقا. عبرت بكامل ملابسي وحقيبة الظهر، وقطعت أرض الوادي، ثم توغلت غربا في الجبال الجرداء، وقد حدث ما حدث، قبل أن أغيرّ وجهتي وتصبح رام الله مقصدي. فقد تذكرت أن فيها خالتي سعاد التي لم أرها من قبل ولا أعرف من مسالك الوصول إليها سوى أن زوجها فلان، صاحب محل في وسط المدينة.

مكتب تجاري ليس فيه بضاعة. تقدمت بحقيبتي من الجالس وراء طاولته، وتمثلت لغة رائقة شديدة التهذيب، وإن بدت عليّ وعثاء السفر وبعض كآبة المُنقلب. سألته: حضرتك السيد المحترم فلان؟ أجابني: “نعم أنا حضرة السيد فلان، أما المحترم، فهذه علمها عند الله”. كان الرجل صاحب دُعابة ونديم كأس، من وراء ظهر خالتي الحاجة سعاد، وهي صاحبة حافلة تنقل الحجيج وترافقهم في موسم الإحرام، فضلا عن كونها قابلة مدربة. قلت له: “أنا فلان، ابن أخت الحاجة أم العبد”. رد من فوره مع هز الرأس قائلا باندهاش: “أهو أنت؟” تأمل الرجل وعثائي واستطرد مع هز الرأس في اتجاه الشرق:”جاي من هناك؟”. وسرعان ما أشار إليَّ أن أتوارى في المساحة المغلقة وراءه. أجلسني فيها قائلا: “أنت هنا حتى تغيب الشمس”!.

كانت شقتها في البناية الأخيرة من بلدة البيرة، وهي وقتها قرية يقال إنها مدينة مُكمّلة لرام الله أو توأمها. والشقة تُطل على كوخ صغير، حلّت فيه إدارة البلدية، وقد أصبح الآن مكتبا للتاكسي!

قصدنا المنزل بعد الغسق. قدمني الظريف إلى خالتي الحاجة المتجهمة، فتهللت فرحا بي. فهي قابلة تلد النساء على يديها، لكنها لم ترزق ببنين، وإن كانت بحكم هيبتها، قد تحصلت على أمومة افتراضية، فنوديت أم العبد، بينما لا عابد في البيت سواها. مرت ثلاثة أيام، أظنها أدركت خلالها حقيقة أمري. ارتجلت لي رحلة إلى نابلس في حافلتها، وكانت الطريق تبدأ من أمام بيتها. بدأت تُعرّفني على القرى والبلدات والطرق الملتوية وتصف لي الناس الطيّبين. قالت لي: إذا اضطررت للتخفي، لن تعثر عليك كل جيوش الحرب. كانت الحاجة سعاد مزهوّة برحابة صدر الأرض وبأريحية الناس. تذكرت حديثها في ليلة اختفاء عمر أبوليلى، فترحّمت عليها ودعوت له!

24
مقالات ذات صلة