خالد التونسي يرسم هيروغليفية الألوان ببهجة المرئيات

الفن التشكيلي هو عبارة عن وسيلة للتنفيس عن النفس وعمّا يخالج ذاكرة الفنان وميولاته الفنية، وهذا ما جعل الفنان التشكيلي المغربي خالد التونسي ينقل في لوحاته، التي قدمها مؤخرا في رواق النادرة وسط مدينة الرباط، سحر الطبيعة المغربية بصحرائها وهضابها وجبالها وبحرها.
الخميس 2016/03/10
طبقات كثيرة من اللون في مكان واحد

قدّم رواق “النادرة” مؤخرا وسط العاصمة المغربية الرباط في إطار “ليلة الأروقة” العاشرة، معرضا للفنان المغربي خالد التونسي، نقل خلالها رواد المعرض إلى حدود التهجي الفني بين هيروغليفية الألوان وبهجة تصورات الفنان للمرئيات.

كانت اللوحات تفيض عذوبة نقلت الزائر إلى الطبيعة المغربية المعطاء، والعيش في ربوعها، والتأمل في قوة تآلفها وروعة وجمال امتدادها بين أفق صحراوي وهضبة خضراء، وجبال كللها الثلج ببياضه، وبحر أزرق امتد على طـول الأفق. خمس وثلاثون لـوحـة جـديدة للفنان خالد التونسي عرضها في معـرضه الأخير، نقلت زائري المعرض إلى عالـم من الجمال تفردت به كل لوحة من لوحاته.

الفنان المغربي خالد التونسي أدلى بكلمة قصيرة عن طفولته وصباه، قال فيها “ولدت في مدينة الرباط، وترعرعـت في المدينـة العتيقة، ولعبت بين أحضان أسوارها، ودروبها، ومنازلها المتميزة بمعمارها، وهندستها التقليدية، وتشبعت بزخارف جدرانها وبيوتها”.

التونسي انتقل نقلة ذوقية ولونية في الكثير من لوحاته الأخيرة إلى التجريد، وإلى رسم اللوحة التي تنهل من فن الأرابيسك والزخرفة، ورسم المنمنمات، فالتجريد لديه في اللوحة مدروس حسب نسب اللون، والمساحة التي يشغلها كل شكل من الأشكال الهندسية التي يعمل على رسمها في كل جزء من لوحته، فنرى الألوان الدافئة كالأحمر، البرتقالي والأصفر، مخلوطة خلطا بديعا بنسب محددة، لتعطينا لون الصلصال، الذي حاكى به الفنان لون رمال الصحراء، وحجر الأسوار، التي تحيط بالمدن المغربية، كما في مدينة الرباط ومراكش وطنجة وأصيلة وغيرها من المدن المغربية.

خالد التونسي: ولدت في مدينة الرباط، ولعبت بين أحضان أسوارها، وتشبعت بزخارف جدرانها

تعامل التونسي كذلك مع الألوان الباردة كالأخضر والأزرق والبنفسجي ليجعل منها أشكالا تتمم الرؤية البصرية لألوانه الصلصالية، فهو حريص على التنويع في كل لوحة؛ الألوان الباردة يجعلها تمثل قبابا سماوية لطبيعته الصلصالية، مبرزا من خلالها مشاعره بضيق تلك المدن وأسوارها، وتأثير طبيعة مناخها الصحراوي على سكانها، الذين يشعرون بقساوة كل ذلك، لكنهم يتناغمون مع الطبيعة، ويصبرون على العيش فيها، والتمتع بأوقات الفرح القصيرة التي يصنعها وجودهم في ذلك المكان.

برع الفنان برسم عزلة ساكني الصحراء عن العالم الفسيح، وانفتاحهم على السماء، بسعة اللوحة، كمصدر وحيد للأمل والفرح المنتظر في حياتهم، فهم ينظرون إلى السحاب، وينتظرون فرجا آتيا من لازورد السماء، لكنهم أيضا لا يتوقفون عن مباهجهم الحياتية الصغيرة اليومية.

التونسي نقل من خلال لوحاته مشاعره الصوفية تجاه حياة الناس، وما يعيشه كفنان عبر اللون المعتم، وحركة الفرشاة المتكررة في مكان واحد، مما أعطى للكثير من الأشكال المرسومـة سمكا بـارزا في اللوحة، الأمر الذي جعلها تقتـرب مـن فن النحت، الـذي ميّـز أشكاله بالأبعاد الثلاثة المعروفة (الطول والعرض والسمـك)، والتجسيد بهذه الأبعاد يهدف إلى إظهار أشكال دالة، كمـا يشيـر الناقد المغـربي يونس بنعمروش إلى فن النحـت.

لقد حرص الفنان خالد التونسي على وضع طبقات كثيرة من اللون في مكان واحد، فلم تعد لوحته تمثل للناظر إليها طولا وعرضا فحسب، بل صار لها سمك أيضا، وبهذه التقنية تفنن التونسي في تجسيد أفكاره وهواجسه الفنية وخاصة إظهار غربة الإنسان وعزلته وعجزه، في الكثير من لوحات معرضه الأخير.

16