خالد الساعي ساحر الخط العربي الذي يجلب ابن مقلة إلى زماننا

مذهب الساعي تتعدد فيه الخطوط العربية لتصل إلى مئتي نوع وصنف كل منها قائم بذاته، ولذلك فهو يعد واحدا من أفضل عشرة خطاطين عالميين مارسوا أكبر قدر من الخطوط العربية.
الأحد 2018/04/29
فنان يؤمن أن الحروف أمّةٌ من الأمم

 “نهوند” و”صبا” و”حجاز” و”عجم” و”بيات” وغيرها، لم تعد أسماء مقامات موسيقية عربية وحسب، بل مقامات حروفية يطلقها الفنان التشكيلي والخطاط السوري خالد الساعي على حالات لوحاته، حين تلتوي حروف الخط الثلث صانعة كائنات نباتية جديدة تعرّش وسط اللوحات.

عرفت الساعي قبل سنوات بعيدة، أثناء الجامعة، كان طالبا نحيلا هادئا يشتغل على الشذرات السوداء التي يجمّعها من شجرات الجوز في فناء بيته، ليطحن المسحوق ويحوّله إلى أحبار للكتابة تروق للقصبة.

ومن ضفاف الفرات إلى ضفاف بردى حيث عاش الساعي طيلة سنوات إقامته في دمشق، كان النهر يجري في اللوحة مع الحروف. تجربة تتفوق على ذاتها كل مرة، بالكشف البطيء الذي يشبه عمل الكيميائي، وبالتجديد النسبي في تشريح الحرف وأبعاده وثناياه.

تراث الأسطوات الكبار

التوجه نحو اللون بالتوازي مع الحرف
التوجه نحو اللون بالتوازي مع الحرف

يتحدر الساعي من أسرة توارثت حرفة الخط عبر الأجيال. يقول “كان أجدادي من الخطاطين المميزين وكذلك والدي وإخوتي كلهم خطاطون، وعندما كان عمري أربع سنوات كنت أقلّد إخوتي دون أن أعرف أن ما أكتبه هو حرف الدال أو هو حرف السين أو الصاد، كنت فقط أمسك القصبة وأخط”.

درس في كلية الفنون الجميلة بدمشق وحصل على الماجستير. كان غائبا طيلة الوقت في ذلك العالم، عالم الحروف وموسيقاها البصرية.

ولم يكد يمضي وقت قصير على تخرّجه، حتى كان يعرض أعماله في معارض فردية في ميتشيغن في الولايات المتحدة الأميركية وفي معهد العالم العربي في باريس في فرنسا.

لقد كان بوسع الساعي أن ينهج نهج الخطاطين الكبار ويبقى في إطار الخط التقليدي المألوف، وهو علم قائم بحد ذاته له رواده ومتاحفه ومقتنوه في دول العالم، لكنه فضل التوجه نحو اللون بالتوازي مع الحرف. فأخذت تتشكل مع الزمن تجربة خاصة جدا لم يشهدها هذا الحقل في العصر الحديث وتجرأت على تطويع الخط العربي دون أن تهينه بكسره أو خدش تقاليده وقواعده المقدسة لدى الخطاطين، لكنها زجت به في عالم لوني جديد، متأثرا بالخطاط حامد الأموي والخطاط سامي أفندي وأحمد القرى حصاري ومحمد أمين. بهذه الروح أنجز الساعي جدارية كبرى على أحد أسوار أصيلة في المغرب، بجوار قصر الثقافة بالمدينة العتيقة “سماها سفينة” وقبلها كانت جداريتها في المكان ذاته بعنوان “ربيع الثورات”.

أفق ابن عربي المغاير

الساعي يتحدّر من أسرة توارثت حرفة الخط عبر الأجيال
الساعي يتحدّر من أسرة توارثت حرفة الخط عبر الأجيال

خلال مسيرته، حصل الساعي على الجائزة الأولى في الخط العربي المعاصر من البينالي الأول للخط في الوطن العربي في الشارقة في الإمارات العربية المتحدة. وحصل على الجائزة الأولى عن أسلوب خط الجلي الديواني من المسابقة الدولية السابعة للخط في إسطنبول بتركيا. ودرّس الخط العربي في جامعات عديدة في أنحاء العالم.

أعماله مقتناة في العديد من متاحف وبنوك الفن في العالم، مثل المتحف البريطاني، متحف دنفر، كولورادو الأميركية، متحف سان بيدرو في المكسيك، متحف الفن الحديث المغرب ومتحف الشارقة لفن الخط.

قبل سنوات كان الساعي يردد عبارة الشيخ محي الدين بن عربي، ويقول إن “الحرف العربي أمّةٌ من الأمم”. كان يؤمن بما قال ابن عربي “إن الحروف أمّة من الأمم، مخاطبون ومكلَّفون، وفيهم رُسُل من جنسهم، ولهم أسماء من حيث هم، ولا يعرف هذا إلا أهل الكشف من طريقنا، وعالم الحروف أفصح العالم لسانا وأوضحه بيانا». وعلى عكس المتوقع، فإن قرين القصبة والكتابة اليدوية لا يرى في التقنيات الحديثة والكمبيوتر تهديدا للخط العربي، بل إنه يعتبر أن الكمبيوتر قد قام بتنزيه الخط عن البشاعة. وحماه من الأيدي المستاهلة التي بات من الأهون لها أن تستعمل الكيبورد ليبقى الخط للأيدي الأنيقة العارفة.

يقول الساعي لـ“العرب” عن التكنولوجيا والفن إن “التقنية ستفتح أبوابا كثيرة للخط. التقنية اخترعها ويسيرها الإنسان وهي تختصر الزمن. إذ من غير المعقول أن أذهب للمدينة المجاورة على العربة أو الحصان عوضا عن القطار أو غيره. التقنية أيضا تفتح آفاقا جيدة إن كان خلفها فنان يسير ويدير العملية. معظم أعمال الفن الحديث تتجه إلى تقنيات الكمبيوتر أو الفيديو وغيرهما. وهي أفق مغاير ومهم لكنه ليس حصريا، ولا يهدد بل يساعد في الفن، من ناحية ما”.

“لوحتي في غليان مستمر” يقول. ويضيف إنها “لم تعد لوحة في بعض الأحيان، أصبحت منجزا جماليا، أو فنيا يحاكي الشعور والقلق والأفكار والطموح. الآن أعمل على مواءمة الحرف مع الطبيعة  في تجربة فريدة تمزج الخط مع الطبيعة والتصوير. وهناك بعض الأعمال التركيبية التي يمتزج فيها الفراغ والمادة مع الضوء واللون. التقنية فتحت لي باب البحث على مصراعيه على الصعيد الفكري قبل التقني، وفي هذا السياق، أقوم بالإعداد لمعرض عن طبيعة (اللوار) الفرنسية، ستكون تجربة فريدة عن الطبيعة والشعر، وستكون أعمالا تركيبة وفيديو وفوتوغرافا وخطا، وهذا سيكون في 2019”.

الحرف هو الهوية

الحرف هو الحضارة العربية وهو الهوية العربية. والخط مادة قابلة لاستيعاب كافة الحمولات والمعارف، في يقين الساعي، الذي يذكّرنا بما قاله بيكاسو عما يمتلكه الحرف العربي، حيث ينقل عنه الساعي أنه كان يردد دوما “أردت الوصول إلى أقصى نقطة في الرسم، فوجدت أن الحرف العربي قد سبقني إليها. ومنذ أمد بعيد”.

ويرى الحروفي السوري أن الخط الديواني على سبيل المثال، بوسعه أن يمنح ليونته ورقة حروفه بعدا رومانسيا مذهلا للعين. والكوفي بهندسته وصلابة تكوينه وزخرفته التي تجعله لغة معمارية. أما خط التعليق فهو خط رقيق خفيف بصريا، وهو خط الشعر والطيران.

في مذهبه تتعدد الخطوط العربية لتصل إلى مئتي نوع وصنف كل منها قائم بذاته. ولذلك فإن الساعي يعد واحدا من أفضل عشرة خطاطين عالميين اطلعوا، ومارسوا أكبر قدر من الخطوط العربية.

الخلق والابتكار

الساعي ابتكر أسلوبه الحروفي الخاص
الساعي ابتكر أسلوبه الحروفي الخاص

الباحثة الألمانيّة كارين أدريان فون روكس المتخصصة في الفنون الإسلاميّة والعربيّة المعاصرة، ألفت كتابا خاصا، رصدت فيه تجربة الساعي بإصغاء كبير إلى ما تقوله خطوطه.

تقول فون روكس إنه “لم يكن ممكنا ضمان الوضوح والجمال في الخط العربي إلا بتطوير منهج مناسب، وضع أسسه في القرن العاشر الوزير ابن مقلة، ثم قام ابن البواب بتجميل وتطوير قواعده الهندسيّة، إذ حدد حرف الألف بوصفه وحدة قياس تفرعت إلى ستة أساليب أساسيّة، أو ستة أقلام، انسلت منها أساليب أخرى”.

ترى فون روكس أن الساعي ابتكر أسلوبه الحروفي الخاص، وألقى نظرة من الخارج إلى الداخل. إلى ذاته، ومن تعرفه على ذاته، انتقل ليتشرب الحكمة فيبدع أولى لوحاته. تقول إنه ”لا يكتب حروفه وكلماته بخط مستقيم، وهو لا يُجمّعها في خط أفقي، كما هو سائد، بل يخطّها كما لو أنه في فضاء تخيلي. وحروفه إما متقاربة أو مرصوفة فوق أو تحت بعضها البعض: متعانقة، أو متواشجة على شكل متاهة، وتبدو أحيانا كأنها ترقص على وقع موسيقى، وفق إيقاع بطيء، أو جامحة. وتارة أخرى، تبقى معلقة في الفضاء، أو تنداح من أعلى الهاوية كما تنداح الشلالات”.

إنها نقطة التقاء رفيعة تلك التي يذهب إليها هذا الخطاط حاملا قصباته وكاغده المدهون بسوائله السرية. نقطة تصوف وموسيقى ونشوة. هكذا يبدو الحرف في لوحة الساعي الكبيرة الفضفاضة، ويبدو في حالات أخرى حين تصغر اللوحة لتصبح ورقة أو ملصقا أو غلاف كتاب.

يقول الساعي إن سبب استخدامه لخط الثلث في الجداريات كون “خط الثلث هو سيد الخطوط العربية وأصعبها، وهو أشدها مراسا، وإمكانياته على التعبير في البناء التشكيلي أعلى”.

في صحراء ليوا في الإمارات، كان على الساعي أن يفتتح ورشة للخط العربي في “قصر السراب”، ورشة تطوير الكلمات وتحويلها إلى صور راقصة، إلى جانب أعماله التي عرضها متحف الشارقة في المكان ذاته بجوار لوحات حروفية لخطاطين من الصين وبريطانيا وفرنسا.

تمكن الساعي من إدخال الخط العربي إلى أماكن جديدة لم يكن ليخطر لزوارها أن يروا حروفه فيها، فعرضت عليه دار “رولز رويس موتورز كارز دبي” الجمع بين التاريخ العريق للعلامة التجارية العملاقة وتجربة الساعي الحروفية، فقام برسم لوحة من الأكريليك والزيت بقياس 3×4 أمتار تبرز بريق رولز  رويس وفي الوقت ذاته سحر دوامة الحروف العربية الفاتنة.

لكن هذه المرة لم تكن الأولى التي تعاملت فيها رولز رويس مع الساعي الذي كان قد صنع لها عمله “روح السعادة” الذي يتوسّط مقرّها في دبي، وهو عملٌ فنيٌّ بارع يصوّر الرمز الشهير للعلامة،  مصنوعاً من الحروف في لوحة بحجم 320 ×420 سم.

مستقبل الحروفية

الساعي تمكن من إدخال الخط العربي إلى أماكن جديدة
الساعي تمكن من إدخال الخط العربي إلى أماكن جديدة

يزهو الساعي في حديثه لـ“العرب” بأنه قد زار معظم بقاع العالم “بفضل الحرف، من أميركا الجنوبية والأخرى وأوروبا وأفريقيا وبقية العالم”. يقول “في الفن ليس ثمة وصول مطلق. كلما تدرك ما تبغيه، تبدو وكأنك تشرف من على جبل لترى آفاقا أخرى وأسئلة أخرى. الحرف كما يقال حافة برزخ، لكنه شرك تقع في بعده الجمالي والدلالي، وبالتالي عليك الخوض فيهما يعني التبحر في علم جمال الحرف ورمزيته وبالتالي التعامل مع لغتين؛ لغة الجمال ولغة الدلال. الحرف أوصلني لمعرفة ثقافتي أكثر، لغتي وآلية تفكيري، وتقنيا دخلت في عوالم لم أكن أتصور التعرض لها والتعامل معها، كالتعاون بين فنون الأداء والحرف، كان يتحول الحرف لفن أداء لحظي بالتوازي مع الموسيقى ويصبح الحرف كائنا موجودا. الحرف عرّفني على العالم وعلى نفسي، علمني أن أكون منفتحا لكل صيغ الفن والجمال روحيا، ليتحقق السلام الداخلي عندي، لا بد وأن للحرف من دور في ذلك. التجربة الخطية كممارسة، هي أحد سبل التعامل مع جوهر الإنسان، أليس الحرف خطاباً يهدىء روع النفس؟الحرف إذا هو رفيقي وصنوي”.

 عمله الضخم “الثورة السورية” والذي تبلغ أبعاده 3×11 مترا، يراه الساعي بمثابة بانوراما تتحدث عن تلك الثورة الدامية، منذ بدايتها السلمية حتى مراحل القصف والتشريد واللجوء. عمل يصف الحب والحلم، ليصل إلى تداعيات الألم والمأساة والدمار.

عن بلاده تلك يقول الساعي إن هناك ما يقوم به الآن، ويضيف “اخترت اللون بالتوازي مع الخط. وهناك ما أخطط له وأعمل عليه على المدى البعيد. سيكون لدي معرض ضخم في متحف الفن الإسلامي (بيرغامون) ببرلين عن سوريا التاريخ والثقافة والصور، سيضم أكثر من 17 ألف صورة. وسأقوم باختيارات شعرية وأدبية وفلسفية عنها، وكله سيكون بلبوس اللوحة الخطية وسأعمد إلى تقنية الكولاج. الأرض السورية ملتقى حضارات وخزان ضخم للفكر والأدب والفن، وأنا أعمل على تشخيص ذلك، وسيكون عماد لوحتي الحرف وعناصر كثيرة أخرى سترفده”.

الخط العربي بوضع مقبول، كما يرى الساعي، لكنه وضع شائك، فتقنيا، هناك العديد من المهرجانات والفعاليات بشتى أنحاء العالم، وأيضا هناك وعي بدأ ينهض عن الاهتمام بهذا الفن، لكن معظم ذلك ضمن إطار تقليدي، والمستوى التنظيري والفكري ضعيف جدا، والأهم أنه ليست هناك مؤسسات جادة تعنى به بشكل كاف.

يعتقد الساعي أن “المجتمع منقسم على فكرة اللوحة الخطية الحديثة، فمنهم من يراها تنتمي للماضي وتتعلق بالدين وهم لا يفضلون ذلك، والمجتمع التركي خير دليل، فلا تجد خطاطا محدثا، فقط تجد التقليديين”.

ويختم بالقول “لكن الشيء الإيجابي بشكل عام، هو أن هناك أعدادا كبيرة تمارس هذا الفن، وهذا مؤشر جيد. في العالم غير الإسلامي تحصل بعض الفعاليات والأنشطة الكبيرة عن الخط العربي، ولأن الغرب سابق فكريا وتنظيميا، فهو يقدم أفكارا مختلفة ومهمة،  كمعرض ‘فن الكلمة’ الذي نظمه المتحف البريطاني، وهذا يعود بالخير على الحرف، أعني طريقة تفكير الفنان الخطاط، وأين يقع تصنيفيا في هذا العالم ومدى فاعليته”.

9