خالد الشعفار إماراتي يتصالح مع الغرائبية في الأفكار والأشكال

الأحد 2016/05/29
خالد الشعفار فنان يستوحي تصميماته من التراث العربي الأصيل

عمّان - موهبته وحبه للرسم والألوان دفعاه إلى اتّباع شغفه بعدما أتم دراسته لإدارة الأعمال. وبعد عمله في مجال التسويق لسنوات، انتقل إلى فن صناعة الأثاث اليدوي واستثمار مكونات البيئة سواء المحلية أو العالمية لتصميم أعمال فريدة ومبتكرة تعبّر عنه.

الإماراتي خالد الشعفار مصمم الأثاث الذي أبهر العالم بتصميمات الديكور المستوحاة من الطابع العربي، ومن خط " النخلة" المأخوذ من البيئة الإماراتية.

درس الشعفار تصميم الأثاث والتصميم الصناعي في كلية سانت مارتان للتصميم في لندن. كما درس في مركز المشغولات الخشبية الراقية في نيوزيلاندا لمدة سنتين. عرف خلالها طرق وأساليب توظيف واستثمار مكونات البيئة المحلية واستخدام الخامات الطبيعية في الأثاث بشكل إبداعي يحافظ على الهوية والتراث.

يدرك الشعفار نقاط القوة التي يمتلكها ويمتاز بها عن غيره، ما يجعل إنتاجه متميزا وساحرا، فهو يعبّر بالتصميم عن أحاسيسه ورؤاه، ويعتبر البساطة أعلى درجات الأناقة والجمال، مستحضرا روح التراث وعبق البيئة المحلية.

يستخدم كل التشكيلات الجمالية البارزة المنبثقة من الفلكلور، مثل شعر الماعز وألياف جوز الهند لتبطين الجدران الداخلية في المنازل، ورسم تشكيلات مبتكرة لأياد أنثوية مخضبة بالحناء للدلالة على الحضور الأنثوي القوي.

كرسي من اللؤلؤ

من ورشة الأهل بدأ الشاب خالد. ساعدته عائلته التي تعمل في مجال المقاولات، على تأسيس أستوديو خاص به، ليكون ورشته المتخصصة في تصنيع القطع، ومعرضاً يقدم فيه أعماله للزوار، وليتحول الأستوديو في العام 2012 إلى شركة خاصة تحمل اسم “كازا”.

تتجلى في التصاميم الداخلية للشعفار أجواء روحية خاصة تجذب الزائر والمقيم، تجمع بين علاقة الألفة والفضول والحنين وكأنه يعيد تدوير المعرفة والجمال، متخذا الفن معيارا للنقاء والأصالة.

"وهم اللؤلؤ" الكرسي الذي صممه الشعفار يعد من الأعمال البارزة التي قدمها، حيث استخدم في هذا الكرسي ما يقارب 9000 حبة من اللؤلؤ، في حبل يزيد طوله على 70 مترا. الأمر الذي جعل قيمته تصل إلى 900 ألف درهم

يعد “وهم اللؤلؤ” الكرسي الذي صممه الشعفار من الأعمال البارزة التي قدمها، حيث استخدم في هذا الكرسي ما يقارب 9000 حبة من اللؤلؤ، في حبل يزيد طوله على 70 مترا، الأمر الذي جعل قيمته تصل إلى 900 ألف درهم، هذا الكرسي الذي جسد من خلاله المصمم الإماراتي الازدحام في دبي، ويبرز تعلقه بالبيئة الإماراتية إذ يحرص خالد على منح أعماله ملامح بلاده.

هذا العمل الأبرز الذي عُرض في “أيام التصميم” الذي أقيم في إمارة دبي، وصفه الشعفار في إحدى لقاءاته الصحافية بكونه من القطع الأهم التي قدمها نظرا للجهد الذي بذله في تصنيعه. مشيرا إلى أنه يحتوي على 8856 قطعة من اللؤلؤ، علما أنه استلم 9000 حبة لؤلؤ، لكن لم يتم استخدامها جميعا، بسبب وجود بعض الحبات التي فيها عيوب أو كانت من النوع الرديء.

أكد الشعفار أن الوقت الأكبر الذي استلزمه تنفيذ الكرسي، كان في ثقب اللؤلؤ، وقد تم الحصول على اللؤلؤ مثقوبا من مزارع رأس الخيمة، حيث إن لديها الأجهزة الملائمة لذلك، وأضاف أن عملية إدخال اللؤلؤ في السلسلة أرهقته، حيث أن طولها يتجاوز 70 مترا، والسلك المعدني المغطى بالبلاستيك، وانقطاعه سبّب مشكلات، فقد اضطر إلى إعادة العمل مرتين أو ثلاثا.

وحول إمكانية استخدام الكرسي، قال الشعفار إنه قطعة فنية للاقتناء والاستثمار أكثر من كونها صالحة للاستخدام، معتبرا أن الكرسي يجسد دبي في وقت الازدحام، فكل سلسلة من اللؤلؤ تمثل خطا من السيارات في أوقات الازدحام، وحياة المدينة العالمية.

مثلث التصميم

يرتكز الشعفار في تصميماته على ثلاثة مقومات أساسية، أولها: الإبداع، من حيث الفكرة والناحية الجمالية للقطعة والمواد المستخدمة في صناعتها، وثانيها: أن تكون القطعة عملية بحيث يمكن استخدامها بأكثر من طريقة، ويصر على ذلك كونه يسعى إلى العالمية. وثالثها: وظيفة القطعة، بمعنى أن تكون هناك وظيفة لكل قطعة يصمّمها، حتى ولو كانت قطعة فنية.

الكرسي يجسد دبي في وقت الازدحام

ورغم عدم إمكانية تطبيق تلك المقوّمات على كل قطعة، إلا أن الشعفار يضطر في بعض الأحيان للتضحية بأحدها، ولكنه يعمل جاهدا على توفير عناصر هذا المثلث في تصميماته.

المصمم الذي بدأت أضواء الشهرة تلاحقه، يميل إلى تقديم تصميمات غريبة في شكلها، وقد قدم في هذا الجانب أكثر من قطعة أثارت التساؤلات، ورسمت علامات استفهام وتعجب. فالتصميمات الغريبة في نظره تجعل المشاهد يفكر ويحلل ويسرح بخياله للوصول إلى الغاية من هذا التصميم، ويتعرف إلى ثقافات الشعوب، ويبحث من أجل فهم الفكرة.

من تلك القطع الغريبة “المصيدة” وهي عبارة عن أرفف للكتب مع دمج القرقور، واستوحى فكرتها من وظيفة القرقور، وهي قطعة غريبة وفنية، مصنوعة من خشب الآش استخدم فيها القرقور الأصلي، وتشبه آلية عمل المصيدة آلية القرقور، فبمجرد وضع الكتب والأغراض بداخلها وإغلاق الرف، لا يمكن الوصول للقطع إلا بإعادة فتحها مرة أخرى، وبذلك تصبح قطعة فنية لها وظيفة مهمة.

“الأحصنة بلا رؤوس” من التصاميم المعروفة له، وهي قطعة كلاسيكية مصنوعة من الخشب، تحكي قصة أحصنة فازت بكأس دبي العالمي في سنوات ماضية، وتعاون الشعفار في تصميمها مع شركة “موسينييه” الفرنسية، وكان الغرض من هذا التصميم تمجيد قصة الأحصنة التي قضت، وتركت مجد النصر للخيول العربية في تاريخ سباقات الخيول في دولة الإمارات.

يختلف الشعفار مع الكثير من الناس الذين يمزجون بين الفن والتصميم، ويوضح الفرق بين الفن والتصميم بالقول، إن “فن التصميم يأخذ منحى مميزا وهو خاصية الاستخدام، فالفن بمجمله يحمل الكثير من الحساسية، ولكن فكرة وجوب إمكانية الاستخدام تحدّ أحيانا من العمل وتحدد الطول والعرض في القطعة.

يعد إنتاج قطع الأثاث من أبرز المصاعب التي تواجه مصمّمي الأثاث، ومعظمهم يعتمدون على الشركات التي تنتج لهم القطع الكبيرة بأعداد وفيرة. بينما عندما يقرر المصمم إنتاج نموذج من ابتكاره، من الممكن أن يتم تصليحه أو التعديل فيه أكثر من مرة.

ومن الممكن أن يعاد إنتاجه كاملا، مثلما يعمل الشعفار الذي يرى أن من لا يعمل بمفرده قد لا يتمكّن من إنتاج القطعة النموذج، إذ تبدو غير متمتعة بالمواصفات التي ترضي المصمم بعد تنفيذها، أما كلفة إنتاج القطع فيعتبرها الشعفار عالية، وامتلاكه لورشة عمل خاصة خفف عنه التكاليف العالية التي يدفعها المصممون لإنتاج نماذجهم الخاصة.

البحث عن المصمم

المواد الرئيسة التي تدخل في تنفيذ قطع الأثاث، يرى الشعفار أنها ليست متوافرة للمصمم في السوق المحلية، بالإضافة إلى أن الدراسة ليست موجودة أيضاً. وهو يسعى لبحث إمكانية إنشاء تخصص خاص لصناعة وتصميم الأثاث في الإمارات، وإن تحقق طموحه فإنه سيؤدي إلى نتائج جيدة، كما حصل في تنظيم “أيام التصميم-دبي” ذلك المعرض الذي جمع مجموعة كبيرة من الذين تحملوا المغامرة وقدموا أعمالهم في دبي، إذ قدّم المعرض المصممين المحترفين إلى جانب أعمال المبتدئين.

يصف الشعفار المعرض بالخطوة المهمة لأنها تضع المبتدئ في نصف الحوار وليس على الهامش، الأمر الذي يوجد لديه التحدي لتقديم الأفضل، ويؤكد الشعفار أن الاستثمار في التصميم ممكن تماما كأيّ قطعة فنية، مضيفاً أنه على المقتني ألا يشتري إلا بعد أن يقوم بالبحث عن الفنان، وإذا ما كانت قد اقتنت أعماله بعض المعارض والمزادات فستكون إشارة إلى كونه سيصبح مهما في المستقبل.

مجد النصر للخيول العربية في تاريخ سباقات الخيول في دولة الإمارات

أبرز التحديات التي تواجه الشعفار كما يعبر عنها في منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي، هي تقبل السوق العالمي لعلامة تجارية إماراتية، والمواد الخام المتاحة في الوطن العربي محدودة، إذ ليس لدى الإمارات العربية المتحدة مراكز متخصصة لتقديم الجديد في مواد الخام التي تستخدم في صناعة الأثاث.

يقول “نحن بحاجة إلى مختبر المواد لتزويد المصممين بالمواد الجديدة المستخدمة، وأتمنى أن ينضم مصممون إماراتيون لهذا القطاع لنكون صوتا واحدا وليس للمنافسة، بل تكون تصاميمنا منافسة للمصممين العالميين، خاصة أنه لا يوجد أيّ تشجيع للمصمم الإماراتي للمشاركة في المعارض، وأصواتنا ليست مسموعة، فمنظمو المعارض همهم الرئيسي الجانب التجاري”.

تحديات الخيال

الشعفار من مهووسي تجميع القطع الفنية، حيث بدأها منذ عمله في مجال التسويق والإدارة، أي قبل دخوله عالم الأثاث بسنوات عديدة، حيث استطاع اقتناء حوالي 50 قطعة فنية من دول عدة في أنحاء العالم، من أسبانيا وفرنسا وأميركا وغيرها.

لا يمل من التشديد على ضرورة أن يعمل الجيل الجديد من المصممين على نهل المعرفة والخبرة من الجامعات، مركزاً على القطع المنفردة الصغيرة، ويتّبع المدرسة العصرية، مع اهتمام واضح بالملامح التراثية المحلية وتقديمها بصيغة عصرية متجددة.

شارك الشعفار في العديد من المعارض العالمية، أبرزها في طوكيو وبرلين وباريس ولندن وميلان، وهي عواصم عالمية مختصة بالتصميم، إضافة إلى المعارض الخليجية والعربية والمحلية. ومن خلال المحاضرات والدورات يشجع الشعفار الشباب الذي يملك الموهبة والرغبة الكبيرتين في التصميم، فيما يعتبره البعض مثالاً لهم وهذا يجعلهم أكثر إصراراً للتغلب على التحديات التي تواجههم.

كما يحرص على الإجابة عن أسئلة الطلبة التي تصله عبر الإيميل، محاولا أن يكون مرشدا لهم، فهو ينصحهم دوما بالقول “إن تصنيع الأثاث بحاجة إلى مشقة والعمل في ورش، وشغف التصميم لا بد أن تلازمه دراسة وخبرة ولا تكون مجرد صيحة يتوجه لها الشباب حتى لا يقع في مجال التكرار والروتين”.

امتياز الشعفار عن غيره يكمن في تصميماته التي تظهر روح التراث إذ يقول “لا شيء يميز المصمم أكثر من تراثه وثقافته المحلية. خصوصا وأن تراثنا لم يتم تداوله سابقا في مجال التصميم، وبيئتنا المحلية كنز، وبحر مملوء بالدرر، ولدينا موروث كبير يمكن تطويعه في مجال التصميم. في مجال البيئة المحلية، لديّ خطان هما خط النخلة، والخط العربي، وأشعر بالفخر حين تعبّر تصميماتي عنّي كمصمم إماراتي، وهذه في نظري رسالة مهمة، فوجودي في هذا المجال يفرض عليّ أن أساهم في وضع ملامح للتصميم المحلي”.

10