خالد العبيدي أم وزارة الدفاع‎

السبت 2016/08/06

العراقي الذي اعتاد منذ الانقلاب العسكري على الملكية عام 1958 على صنع طواغيته وتوابيته، ماذا ينتظر أن يحدث بعد ما أدلى به وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي في جلسة استجوابه أمام مجلس النواب؟

ماذا حدث في ملفات الفساد والجرائم السابقة وآخرها تفجير الكرادة الذي راح ضحيته 300 مواطن بسبب الفساد؟ وماذا سيحدث بعد ذلك الاستجواب؟

ليس غريبا أن يتعرض وزير الدفاع الذي يقود حربا على تنظيم داعش للاستدعاء والاستجواب من قبل زمرة نيابية تخدم المصالح الإيرانية في العملية السياسية. وليس غريبا تعرضه إلى عمليات ابتزاز ومساومات من قبل رئيس البرلمان سليم الجبوري وعدد من النواب.

منْ هو سليم الجبوري، ولماذا وقع الاختيار عليه ليكون رئيسا لمؤسسة تشريعية كمجلس النواب؟ رغم أنه متهم بقضايا إرهاب، ولم تُتخذ إجراءات قضائية بحقه، ولم تمنع التهم التي وجهت إليه المحكمة الاتحادية العليا من المصادقة على عضويته في البرلمان. اختاره تحالف اتحاد القوى، المعروف كممثل سياسي لسنة العراق، للمنصب وهو الأصغر سنا والأقل خبرة ضمن معظم رؤساء الكتل التي تشكل منها التحالف. إذا كان تهديد قاسم سليماني لأسامة النجيفي، حسب ما جاء على لسان الثاني، قد منع قادة الكتل السنية من ترشيح النجيفي لرئاسة البرلمان، واشترط عليه الانضمام إلى التحالف بعدم اعتراضه على ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، فما هي أسباب ترشيح الجبوري للمنصب رغم أن عدد مقاعد كتلته لا يتجاوز الخمسة مقاعد؟

تساؤلات ستنتهي حتما بإيران وتدخلها في الشأن العراقي، إيران التي قصدها الجبوري في أول زيارة له خارج العراق بعد انتخابه رئيسا لمجلس النواب، وإيران التي أمر جنرالها قاسم سليماني، كما صرحت النائبة عالية نصيف، ببقاء الجبوري في منصبه، بعد توقيع 150 نائبا على طلب لإقالة الرئاسات الثلاث. أما باقي النواب الذين تعرض وزير الدفاع لابتزازهم ومساومتهم، فهم من المتهمين بالفساد والتحريض على العنف الطائفي ومنهم النائبة حنان الفتلاوي التي طالبت بقتل عدد من السنة مساوٍ لما يقتل من الشيعة.

لكن بعد ما تقدم من تساؤلات يبقى السؤال الأهم؛ هل كان الغرض من الضغوط التي تعرض لها خالد العبيدي من قبل نواب جناح نوري المالكي في البرلمان، والتهديد والابتزاز من قبل ممثل الحزب الإسلامي، الحصول على عمولات من عقود التسليح لوزارته، أم لإسقاطه في مستنقع الفساد الذي يمكّن نوري المالكي من اصطياد السياسيين السنة وابتزازهم لخدمة المصالح الإيرانية في العملية السياسية؟

منذ أن أجبرت أميركا التحالف الشيعي على التخلي عن وزارة الدفاع للمكون السني، ووزارة الدفاع تشكل قلقا مستمرا لإيران وأتباعها في العملية السياسية. لم تكن مؤهلات العبيدي المناسبة للمنصب، باعتراف أحمد الجلبي، وقدرته على إعادة بناء هيكلية الجيش على أسس وطنية لا طائفية، هما فقط ما يثير قلق أتباع الولي الفقيه في العملية السياسية، ، ولكن انتماءه إلى قائمة متحدون للإصلاح، المعروفة بموقفها المعارض للمالكي والمشروع الإيراني، رفع درجة الحذر منه وزاد من الاتهامات الموجهة إليه.

وبالفعل كان القلق الإيراني من خالد العبيدي في محله؛ فقد تمكن الرجل من خطف المؤسسة العسكرية من سياسة المحاصصة من خلال التنسيق مع أميركا وحوزة النجف بعد بوادر انفصالها عن حوزة قم ومشروع ولاية الفقيه. صار للمؤسسة العسكرية شيء من الاستقلالية يتعارض مع جهود سليماني والمالكي بجعل ميليشيات الحشد الشعبي التابعة لإيران بديلا عنها. الأداء المتميز للجيش العراقي في تحرير الأنبار من تنظيم داعش، فضح حقيقة دور الميليشيات كجناح عسكري لإيران في العراق، وحرمها من تحقيق أهدافها المرجوة من الحرب بعد إقصائها من المعارك. استدعاء وزارة الدفاع لقادة وضباط الجيش العراقي السابق للخدمة رفع المستوى النوعي للمعارك وأدى إلى تحرير المدن بسرعة ونجاح كبيرين. تحولت استعراضات العنف التي تقوم بها الميليشيات بحق المواطنين السنة في الأنبار إلى مصدر غضب للشيعة، بعد أن كانت رمزا للبطولات الطائفية. أسقط الجيش أسطورة داعش الإعلامية، وحرر الوعي الوطني عند الشيعة من الخوف والهرب باتجاه الطائفة والميليشيات التي تمثلها بحثا عن الحماية.

كلها أسباب أدت إلى زيادة ضغط إيران على الكتل التابعة لها في البرلمان للإسراع باستدعاء وزير الدفاع واستجوابه على أمل ثبوت الاتهامات الموجهة إليه وتعطيله عن مهماته، هي محاولات لخلق حالة من الإرباك في المؤسسة العسكرية تعيد للميليشيات هيبتها وتستدعي الحاجة لضرورة مشاركتها في معركة تحرير الموصل.

ما ستتخذه الحكومة العراقية من إجراءات بخصوص تصريحات وزير الدفاع، سيكون المؤشر على حجم التدخل الإيراني في الشأن العراقي بعد تحرير الأنبار، ومقياسا لما أنجزه حيدر العبادي وحوزة النجف لأجل منع استمرار ذوبان العراق في مشروع ولاية الفقيه.

كاتبة عراقية

9