خالد الفضائي

شخوص الفنان خالد الحجار تدرك تماما أنها تختلف عن بعضها البعض في صميم وحدتها الوجودية وإحساسها بالفراغ البدائي وتعاملها معه.
الجمعة 2018/09/07
لوحة من أعمال الفنان خالد الحجار

ليست بمخلوقات من كوكب غير كوكب الأرض تلك التي يرسمها الفنان السوري خالد الحجار في أعماله، وإن كانت تشبهها في الكثير من ملامحها الخارجية، أقله على مستوى الخيال.

من هذه السمات تبرز في لوحاته العيون المشدوهة والأطراف المطاولة والمنسدلة والنحول البارز الذي يرافقه طول شاهق، كذلك شكل الرأس المطاول وغياب الشعر، أو ظهوره بشكل يشبه أي شيء إلاّ الشعر.

أما الملامح الداخلية لتلك الكائنات وخلافا للسمات الخارجية التي يطلقها الفنان طولا وعرضا في فضاء لوحاته، فهي تتشارك مع الأجواء اللونية والعناصر المؤلفة الأخرى للتأكيد على أن هذه الكائنات، هي حتما، من هذا العالم وإنسانية بكل ما تعني الكلمة من معنى.

لا بل تكمن المفارقة أن الشخوص الأقرب إلى الهيئات البشرية العادية نسبيا هي الأبعد عن “الإنسانية” والأقرب إلى المخلوقات المُتخايلة، وتلك التي نشاهدها في أفلام الرعب أو الخيال العلمي، نذكر منها تلك التي تملك شعرا طويلا أو منبوشاً أو ترتدي جلابيب عادية بتدرجات لون التراب، أو تلك النسوة اللواتي يظهرن كأنهن متبرجات بظلال الكحل الملون على أجفانهنّ، ظلال تنحدر في لوحاته الأخرى الأكثر إنسانية إلى أسفل العين لكي تشكل هالات سوداء عنيفة تحيل إلى قلة النوم أو كثرة القلق والملل.

يقول الفنان الذي انتقل من عالم الإعلان والاتصالات البصرية، إلى فن التشكيل واصفا مخلوقاته “بدأت تجربة جديدة راقت لفكري وأخذت تتسلل بالتدريج بعد أن قرّرت تحييد التصميم، ليكون مشروعي مع الرسم مختلفا تماما.. أسعى من خلاله إلى الأبدية وسبر أغوار الروح بكل تناقضاتها، فقد يكون ذلك مرتبطا بما يحدث من مستجدات حولنا”.

قد يكون ذلك مرتبطا بشكل أو بآخر، وكما يقول الفنان، بما يحدث من حوله من حروب وهجرات قسرية، ولكن أكثر ما يميز الحجار عن غيره من الفنانين الذين دخلوا إلى التشكيل من باب تظهير الآلام الإنسانية، ونذكر على سبيل المثال الفنان السوري سبهان آدم ومخلوقاته المشوّهة، أكثر ما يميّزه أنه عكف على تظهير مفهوم الشعور الأقصى بالملل وانعدام الحس بالأمان كمشاعر مرتبطة ارتباطا عضويا بحالة الإنسان الأولى منذ فجر التاريخ.

حالة “أصلية” حاضرة في داخله بغض النظر عن المؤثرات الخارجية كالأزمات والحروب، لذلك ربما يعمّ جوّ من الهدوء البدائي/الأصلي في لوحاته التي تبدو للوهلة الأولى غرائبية، بينما هي في قرارتها وجودية/نفسية.

ويجسد خالد الحجار في لوحاته اعترافا بهذه الخاصية الإنسانية التي أصبح فيها حتى الشقاء الجسدي غير مؤلم للعيان من خلال أجساد كائناته اللينة التي تملك قدرة هائلة على الالتواء حتى التكوّر التام، إنه نوع من التكيّف، لا بل التماس الشجاعة مع ما يجعله كائنا يلوكه الملل الوجودي ويحضّه في آن واحد على الوصول إلى اكتشافات كبرى واختراعات متواصلة.

وما يذكي هذا السياق في التفكّر أمام لوحات التشكيلي السوري أن كائنه إنسان لا ينتمي إلى عرق واحد من الأعراق أو لمرحلة عمرية محددة، كما أن شخوصه ليست بأنثوية أو رجولية في معظم اللوحات، هي كائنات بشرية بلا أقنعة، احتضنت الملل بعد أن اكتشفت أنه جوهري، وعانقت العزلة بعد أن أبصرته حقيقة لا يمكن تجاهلها أو تزينها بما يخفيها.

شخوص الفنان خالد الحجار تدرك تماما أنها تختلف عن بعضها البعض في صميم وحدتها الوجودية وإحساسها بالفراغ البدائي وتعاملها معه، هي لا تحتاج وصفات علاجية ولا إلى زيارة الملاهي، ولا تحتاج إلى جلسات ومؤتمرات حوار ثقافات وفك نزاعات لتسحب فتيل تلك الفروقات أو الشعور بعدم الانتماء إلاّ للفراغ.

خالد الحجار هو فنان فضائي بامتياز ومشغله الفني يحتدم بما يعجّ به فراغ الداخل البشري.

17