خالد المولد متطرف إسلامي يطالب بهدم قبر النبي

الأحد 2015/05/24
خالد المولد والحرب بالخنق والكلمات

لم يكن ظهوراً عادياً للموقوف السعودي خالد المولد، مع الإعلامي داود الشريان على شاشة الـ MBC، وهو المتهم بقضايا تتعلق بالإرهاب، فالفرصة الطويلة والمريحة التي أتاحها الشريان لضيفه، كانت هي بطل اللقاء وليس المولد ذاته، وقد كنا أمام حالة خاصة، تتجسد فيها مواصفات الجهادي متكامل الصفات، دون أن تخلو منها تضاريس حياتية تقود إلى الطريق التي سار عليها المولد في محطاته المختلفة.

شاب سعودي، من عامة الناس، ولد في مدينة مقدسة على بعد أمتار من قبر النبي، لوالد كان يعمل في سقاية الحجّاج وزوار المدينة المنورة، ليعمل مع والده في مهنة أقرب إلى الطقس الديني منها إلى الوظيفة، وليعبر من أنفاق المخدرات والجهاد، حتى يصل إلى قناعة تقول بضرورة هدم قبر النبي.

مرض نفسي أم ذهنية

لم يكن صعباً على الشريان أن يستضيف المولد، وهو سجين لدى السلطات السعودية، ولكن الصعوبة كانت في الحصول على سجين يتحدث بحرية، يمنحها لنفسه، دون خوف من المحاسبة، وهذا ما فعله المولد، فقد بدا مسترخياً تماماً، متمسكاً بقناعاته حول تكفير الدولة والمجتمع، مدعماً أفكاره بالعلل والأسانيد الدينية، ولم يتردد بالقول إنه يعتبر الشريان ذاته كافرا، وأنه يتوجب عليه أن يستتيبه أولاً، فإن تاب، كان بها، وإن لم يتب، توجب قتله بلا جدال، وحين سأله صاحب برنامج “الثامنة” الذي يهتم بقضايا المجتمع السعودي “وكيف ستقتلني؟” قال المولد “بالرصاص، أو بالسكين، أو بما تيسّر، وإن لم يتيسّر شيء فخنقاً”.

وقد أثار ظهور المولد على الشاشة خلال الأيام الماضية، جدلاً واسعاً في الساحة السعودية، ففريق من المعلقين اعتبره مجرد مريض نفسي يتحدث بلا حسابات، ولا حدود عقلية، بينما عدّه فريق آخر أخطر من مجرد مضطرب نفسياً، كما أكّد استشاري الطب النفسي السعودي طارق الحبيب في تغريدات له على موقع تويتر، والذي أضاف أن المولد “ليس مريضا نفسيا في تقييمه له وإن كانت حالته أخطر من المرض النفسي، ولذلك يجب عدم التعميم على فئة المتدينين بوصف التفكير المضطرب”. وأوضح الحبيب أن المولد يعاني من خلل في التفكير ويتبنى نسق التفكير المغلق الذي يعتقد الفكرة ثم يبحث عمّا يثبتها.

خالد المولد ينطلق من فكرة، هي خلاف ديني داخل كتب التراث، تقول إن المساجد لا يجب أن تحتوي على قبور، مستندا إلى آيات وأحاديث نبوية، ويصر على تطبيق تلك الفكرة على حالة قبر النبي في المدينة، فهو يعتبر أن وجود القبر داخل المسجد، كسر لتلك القاعدة الشرعية، وأن هذا الكسر كفر

تكفير المجتمع

حاول الشريان تقديم المتطرفين دينياً على أنهم حالات ذهانية غير مستقرة نفسيا، تشوبها تجارب تعاطٍ للمخدرات، كما في حالة المولد الذي دخن الحشيش وتاجر به لأكثر من عشر سنين متواصلة، قبل أن “يلتزم” كما قال في حديثه، ويقصد تحوّله إلى الفكر الجهادي، ولكن يتضح أن لدى المولد نسقا كاملا من التفكير، منسجما مع فكر القاعدة ومؤسسها أسامة بن لادن، فيما يتبين من حديثه أنه لم يتلق تعليماً كافياً أكثر من المرحلة المتوسطة، ولكنه يستخدم عبارات ثقيلة، تنم عن ثقافة واسعة في حقله، وليست مجرد سماعيات يحفظها المتدينون من التردد على جلسات المشايخ، سواء في تحليله لفكر القاعدة، أو مواكبته لمراحل تأسيسها وتطورها وصراعها مع العالم.

ليبقى السؤال الذي افتتح بوابته الشريان في حواره مع المولد، هل بالفعل ينطلق عناصر القاعدة وداعش من خلل نفسي؟ أم أن النمط الفكري الذي يتبعونه هو بحد ذاته يتطلب انخراطاً نفسياً قريباً من الاضطراب؟

ينطلق خالد المولد من فكرة، وهي خلاف ديني داخل كتب التراث، تقول إن المساجد لا يجب أن تحتوي على قبور، مستنداً إلى آيات وأحاديث نبوية، ويصرّ على تطبيق تلك الفكرة على حالة قبر النبي في المدينة، فهو يعتبر أن وجود القبر داخل المسجد، كسر لتلك القاعدة الشرعية، وأن هذا الكسر كفر، ولذلك فقد طالب عبر خطابات كثيرة وجهها لهيئة كبار العلماء السعوديين، وأمير المدينة المنورة، بأن يتم فصل القبر عن المسجد بجدار من الشمال إلى الجنوب، ولكن أحداً لم يستجب له، فقد وجدواً في حديثه تشدداً لا مبرر له، وعدواناً على حرمة نبي الإسلام وصاحبيه أبي بكر وعمر المدفونين إلى جواره، مستندين بدورهم إلى أن القبر لم يكن من المسجد، ولكن المسجد توسّع واحتوى القبور الثلاثة مع الزمن.

ومن هنا انطلق المولد إلى قناعة تفضي إلى من لم ينكر الكفر كافر، وبالتالي فكل من لم يمنع هذا المنكر (من وجهة نظر المولد) أو كل من صمت وقبل بوجوده كافر بدوره، إذن فالدولة ومؤسساتها كافرة، والمجتمع بأكمله كافر، حتى وصل الأمر بالشريان إلى سؤال المولد “هل ترى أن المسلمين كانوا كفرة من أيام عبدالملك بن مروان إذن وهو من أقر توسعة المسجد وضم القبور الثلاثة؟” فأجاب المولد “نعم، أنا وفقاً لهذا المسلم الوحيد في العالم”.

ولمّا لم يجد خالد المولد ما يفعله، كتب على ثوبه شتائم موجهة إلى السلطات السعودية، ونزل إلى المسجد النبوي وأخذ يتجول بين الناس، حتى تم إلقاء القبض عليه وأودع السجن.

الفتنة والقتل

القيمة الحقيقية لما قاله خالد المولد، ليست في آرائه الشخصية، ولا في مسيرة حياته، بل في الفكر الذي ينطلق منه، والذي قال عنه صراحة إنه فكر ينظر إلى حال المجتمعات الإسلامية اليوم على أنها مجتمعات فتنوية، وعليه فإن هذا يقتضي من القائمين على الأمر فيها، تدارك تلك الفتنة والعودة إلى الحق، أو الرضوخ لحكم الجهاد، والجهاد سيكون بالقتل، والذي هو مبرر بالنسبة إلى المولد فـ “الفتنة أشدّ من القتل”، ولذلك فقد ناشد خالد المولد العقلاء كي يتحركوا ويناصحوا الدولة، قبل أن يتم إعلان الجهاد ضد الدولة وحينها، كما قال، سيسيل الدم للرّكب.

ما الذي يعنيه تدارك الأمر؟ وكيف يتقاطع هذا مع مطلب تطبيق الشريعة الذي تعلنه جميع حركات الإسلام السياسي؟ وكيف يمكن ألا يكون الواقع المجتمعي فتنوياً من وجهة نظر الإسلاميين؟ كل تلك الأسئلة توضح مدى اختلال المعالجات الرسمية والنخبوية لظاهرة الإسلام السياسي اليوم، سواء بالقبضة الحديدية، أو بالسماح المطلق، أو بالالتفاف والتحالف غير المعلن من قبل بعض الأنظمة مع تلك الجماعات، إذ في كل الأحوال لن يقبل هؤلاء سوى بتطبيق الشريعة التي يعرفونها هم، والتي ترد مواصفاتها في كتب يرجعون إليها، وهنا يتساوى السنة والشيعة من المتطرفين، فالشريعة هي الشريعة، ولا فرق بين مذهب ومذهب في درجة الالتصاق بالأصول.

ظهور خالد المولد على الشاشة خلال الأيام الماضية، يثير جدلا واسعا في الساحة السعودية، ففريق من المعلقين يعتبره مجرد مريض نفسي يتحدث بلا حسابات، بينما يعده فريق آخر أخطر من مجرد مضطرب نفسيا، كما يؤكد استشاري الطب النفسي السعودي طارق الحبيب والذي يضيف أن المولد "ليس مريضا نفسيا، وإن كانت حالته أخطر من المرض النفسي"

تجديد الفكر الديني

ما دامت المعاهد الدينية والكليات الشرعية تدرس المنهاج ذاته وتدرّسه، الذي يتحدث عن ضرورة تطبيق الشريعة، وعن حاكمية المتغلب، وعن التكفير بأنواعه، فإن أعداد المؤمنين بهذا الفكر ستبقى تتزايد، دون أن تمكن معها الإحاطة بالأمر أمنياً، أو تحت شعار محاربة الإرهاب، فالضغط سيزيد من ردود الفعل لديهم، وهم أصلاً يتغذون على المظلومية، وهكذا ندخل في دائرة لا نهاية لها من العنف والعنف المضاد يشعل كل منهما فتيل الأخرى كل مرة.

وليس بغير دلالة قول خالد المولد إنه يعترف “بقيام الدولة السعودية وأنها من تدير الأمر لمواطنيها ودون جنسيتها لا أستطيع التحرك، ولكن أميركا تديرها من خلف الستار” وكذلك وصفه بلا عواطف لعلاقته مع ذويه “أنا مانع الزيارة عن أهلي، فلا ألتقيهم لأنهم كفار، ولو خرجت من السجن سأخرج للجهاد وسأبدأ من هنا”.

أمام مشهد خالد المولد وهو يتحدث مع داود الشريان، ومن حولهما حرائق داعش، وفلول تنظيم القاعدة، والإشكال الإخواني العصي على الحل في عقول قادة الإخوان، والمعالجات الأمنية والعسكرية للإرهاب، يغيب سؤال العقل عن أهم ما في الموضوع، ماذا عن تجديد الفكر الديني؟ وما هو دور العلماء اليوم؟ علماء الشريعة والحديث والسيرة والتاريخ والمجتمع والتنمية والأنثروبولوجيا ونظرية المعرفة وإلى آخر ما هناك من تخصصات تنقذ المشرق مما هو مقبل عليه، فإن كان من يحارب الإرهاب اليوم يظن أن العنف هو ما يخشاه الإسلاميون، فهو مخطئ، لأنهم يتطلعون إليه، ويتمنون العمل في مناخه، ويذللون في سبيله الميزانيات الكبيرة، وينظّرون لمرحلته الجهادية، ويعتبرونه فريضة أساسية من فرائض الإسلام، ويقولون إنهم مقصرون بحق دينهم إن لم يؤدوا تلك الفريضة، وما الجهاد الذي يرونه في عالم مستقرٍ سياسياً على مستوى الدول، سوى جهاد الداخل ومحاربة أنظمة الحكم داخل بلدانهم.

وكانت ثورات الربيع العربي قد أفرزت، حالة من الفراغ، سرعان ما ملأها الإسلام السياسي، لكنه أثبت فشله في إدارة الدولة، وبناء علاقات متوازنة مع بقية أطياف المجتمع، والسبب المباشر والوحيد هو العقل الإلغائي الذي يتضمنه الفكر الديني، والذي يغلق الدوائر، ولا يترك مجالاً للآخر المختلف، بل يسارع إلى اتهامه بالاختلاف، وينكر عليه اختلافه، ولا يطول به الوقت حتى يكفّره.

فالأمر كله إذن منوط بالعمل على تشذيب شجرة الفكر الديني من جديد، والتخلص من ثمارها القديمة التي لم تعد صالحة للحياة في الزمن الحديث، فالوقت لم يعد وقت غزو ولا فتوحات ولا هجرة ولا تكفير. فنقد الفكر الديني وتجديده ليس بالمهمة المستحيلة، وإن كانت شديدة الصعوبة في مناخ تزدري فيه الحكومات ذاتها التي تواجه مشكلة التطرف، كل أشكال الفكر والثقافة التحديثية، وتعتبرها تهديداً من نوع آخر، وفي مناخ يعيش فيه الإنسان ذاته في ظروف تنموية سيئة للغاية، تدفعه إلى تلقّف كل ما يشعره بأن له قيمة سواء في الأرض أو في السماء، في العالم الحالي أو في عالم ما بعد الموت.

لقاء داود الشريان مع خالد المولد، كان منعطفاً هاماً في التناول الإعلامي لظاهرة التطرف، وسيكون له إن أحسن الناس تلقي الكرة التي ألقاها الشريان في دقائق برنامجه، أثر بالغ في فتح الباب لمناقشة الفكر الديني بطرق مختلفة، ولا يفوت القارئ أن المشهد كان حواراً، وأن سبب نجاحه أنه قام على السؤال والجواب والجدل والنقاش بالكلمات وليس بالمدافع والرشاشات.

7