خالد النبوي: ناشط سياسي واجتماعي في عباءة فنان مشاغب

النجم المصري يواصل رحلته الفنية محليا وعالميا عبر سلم أخلاقي ثابت يمنعه من قبول أدوار تخالف قناعاته الشخصية وتوجهاته السياسية.
الثلاثاء 2019/12/03
أعمال تتعدى حدود الزمن

لا يستطيع بعض الممثلين عزل اختياراتهم الفنية عن قناعاتهم الذاتية وميولهم الفكرية. يضعون معادلات للقبول لا تتضمن أطرافها الربح المادي، لكن تمتد لتشمل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يتصدى لها السيناريو والدور المغاير للأعمال السابقة، حتى لا يحصروا أنفسهم في بوتقة أداء واحدة.

الفنان المصري خالد النبوي، من ذلك الطراز. فهو يواصل رحلته الفنية محليا وعالميا عبر سلم أخلاقي ثابت يمنعه من قبول أدوار تخالف قناعاته الشخصية وتوجهاته السياسية التي تعتبر الفن مرآة عاكسة للواقع ومشكلات الناس وآلامهم، وليس مجالا للإمتاع والتسلية.

ممالك النار

"ممالك النار" أحدث تجاربه الدرامية يقدم فيها النبوي شخصية طومان باي متجاوزاً السيرة الذاتية إلى التعمق في نشأة الدولة العثمانية والانتهاكات التي ارتكبتها
"ممالك النار" أحدث تجاربه الدرامية يقدم فيها النبوي شخصية طومان باي متجاوزاً السيرة الذاتية إلى التعمق في نشأة الدولة العثمانية والانتهاكات التي ارتكبتها

على مدار رحلته الفنية التي تقترب من ثلاثين عاما، لم يكرر النبوي دورا. لتتنوع شخصياته، سواء محلية أو خارجية بين البطل الطامح إلى التغيير، أو الشرير الذي يحاربه، والشاب الحالم بمستقبل أفضل أو الهارب إلى الخارج لإثبات الذات، والرومانسي الذي يذوق مرارة الحب، وجميعها تمتد تحت مظلة عريضة من الأبعاد السياسية.

وفي أحدث تجاربه الدرامية “ممالك النار” يسير النبوي على سياق فني ينتهجه منذ انطلاقته الفنية مطلع التسعينات، فشخصية طومان باي التي يقدمها تأتي في سياق درامي يتعدى السيرة الذاتية لآخر السلاطين المماليك بمصر إلى التعمق في فكرة مغايرة عن نشأة الدولة العثمانية، والانتهاكات التي ارتكبتها في حق الشعوب التي خضعت لولايتها.

يمنح المسلسل الذي تعرضه فضائية “أم.بي.سي” و”نيتفلكس” بالتزامن، مساحات للفنان للمشاركة في عمل يحلم بسمات مغايرة عن الدراما التاريخية التي شارك فيها من ناحية الشكل والإخراج، وحتى طبيعة الدور عن شخصية معقدة وجدت نفسها تقود جيشا منكسرا وشعبا منقسما، أمام عدو أكبر عددا وعتادا، حتى نهايتها المأساوية معلقة على باب زويلة الشهير في قلب القاهرة.

من ذلك الوعي، يتبنى النبوي تعريفا يختلف به مع الكثير من الممثلين في هذا الزمن، بأن الفن ضمير الشعوب ووظيفته المنطقية الدخول إلى الحياة الاجتماعية والتغلغل في تفاصيلها، فأي عمل يجب أن يتضمن مشكلة حياتية أو هدفا يؤهلها لتتجسد في السينما.

في فيلمه الجديد “يوم وليلة” المقرر عرضه جماهيريا قبل نهاية العام الجاري وقد شارك في مهرجاني “الدار البيضاء” بالمغرب و”مالمو للسينما” بالسويد، يجسد مشكلات الفقر والعشوائية والتطرف انطلاقا من أحداث ليلة واحدة تزامنت مع الاحتفال بمولد السيدة زينب.

تمثل القضايا الشبابية معيارا رئيسا في انتقاء أعماله، فهو يعتبر الشباب ضحايا مناخ من البيروقراطية يقتل الإبداع، لذلك يتناول في أعماله قضايا البطالة وفقدان الأمل والتفكك الأسري. وربما كانت تلك القناعة سببا لقبوله المشاركة في مسلسل كوميدي لا تتماشى معطياته معه كممثل جاد، بعنوان “تشينو كافيه”، لكنه تصدى للكثير من مشاكل الأجيال الجديدة العاطفية والاقتصادية.

ممثل وناشط سياسي

لا يخفي الفنان القادم من محافظة الدقهلية بدلتا مصر ميوله الفكرية كغيره من الفنانين، ففي خضم ثورة 25 يناير 2011 كان بين النشطاء في ميدان التحرير حالفا قسم الثورة على منصته الرئيسية، وطالب النظام المصري آنذاك بالرحيل حقنا للدماء ومنح الفرصة لوجوه جديدة، وفي يونيو 2013 شارك في تحركات إزاحة جماعة الإخوان من السلطة دفاعا عن قيم الحرية والمدنية.

كان النبوي أكثر ذكاء برفضه اعتلاء الموجة الثورية فنيا، مثلما حاول الكثير من زملائه وتورطوا في أعمال سينمائية متسرعة ضعيفة السيناريو والإخراج، سعيا للحاق بركب التغيير السياسي، وقد رفض عرضا لتجسيد فيلم عن الناشط السياسي وائل غنيم الذي تصدر الواجهة الإعلامية حينها، رغم الصداقة التي جمعته به، بحجة انشغاله الفني.

تلك القناعات السياسية تجعله في منطقة متوازنة بين توجهات الحكومة والأجيال الجديدة على حد سواء، فلا يزال مقتنعا بأن التطرف خطر في كافة أشكاله، فاليسار السياسي يخدم اليمين المتطرف، ولم يغير توصيفه لثورة 25 يناير بأنها الحدث الأسمى في تاريخ مصر وانتقاد محاولات تشويهها دون الانجرار إلى تحديد هوية محددة، لكنه في الوقت ذاته يدافع عن مؤسسات الدولة الوطنية وجهودها ضد الإرهاب ويدعم مبادراتها المتعددة.

النبوي ابن دلتا مصر لا يخفي ميوله الفكرية مثل غيره، ففي ثورة 25 يناير كان بين النشطاء في ميدان التحرير، وفي يونيو 2013 شارك في تحركات إزاحة جماعة الإخوان، وهو اليوم يعتز بعمله الجديد وتجسيده شخصية السادات
النبوي ابن دلتا مصر لا يخفي ميوله الفكرية مثل غيره، ففي ثورة 25 يناير كان بين النشطاء في ميدان التحرير، وفي يونيو 2013 شارك في تحركات إزاحة جماعة الإخوان، وهو اليوم يعتز بعمله الجديد وتجسيده شخصية السادات

يمكن توصيف النبوي أيضا كناشط اجتماعي بتبنيه حملات صحية واقتصادية وأخلاقية على حد سواء، مثل حملة التبرع بالدم لصالح مستشفيات الهلال الأحمر، وتدشين حملة لمواجهة التحرش الجنسي عبر فيلم قصير كتبه وأخرجه وأنتجه وقدمه كهدية للقنوات الفضائية، والترويج لحملة “ساندوا السياحة” من الخارج ودعا خلالها الغرب إلى زيارة البلاد لإنقاذ 5 ملايين مصري يقتاتون على صناعتها.

واليوم تتلاقي أفكار النبوي مع رؤية الدولة المصرية في الاهتمام بالمرأة كمصدر للأمن القومي ودعم المعيلات والغارمات، حتى أنه ترأس لجنة جائزة المتحررات من الأمية للنسخة الأخيرة، التي تهدف إلى تطوير وتحسين مستوى المعيشة للسيدات اللاتي تخلصن من الجهل وأسرهن، وتمكينهن من إقامة مشروعات صغيرة.

تُولي أعمال النبوي عناية خاصة لملف “الهجرة”، بنوعيها الشرعي وغير الشرعي، عبر أفكار ومنطلقات متباينة في كل مرة، ففي مسلسل “ابن موت” يحقق في مافيا رحلات الهجرة غير الشرعية وأساليبها. وفي فيلم “تايه في أميركا” استكشف دوافع هروب العقول والحالمين بحياة أفضل، وفي فيلم “عمر 2000” عبر عنها بقصة فتاة تفتقد والديها المسافرين للعمل بالخارج، ويكشف الصراع بين إشكالية الترابط الأسري مع الفقر أم التفكك مع حضور الأموال.

انطلاقة قوية

وتلعب البدايات الفنية للممثل دورا في حسم قناعاته الخاصة، فأول أعمال النبوي كانت عن الفساد والظلم الاجتماعي في فيلم “المواطن مصري” مع المخرج صلاح أبوسيف، رائد السينما الواقعية بمصر، وكان يعتبر مهمة السينما رؤية الواقع والنفاذ بالبصر والبصيرة في أعماقه، لإدراك جذور الظاهرة وعدم الاكتفاء برصد ملامحها الخارجية فقط.

اختمرت تجربته الفنية مع إيمان المخرج يوسف شاهين بموهبته فقدمه بطلا في فيلم “المهاجر” الذي لم يعرض إلا بحكم قضائي لاقتراب أحداثه من قصة النبي يوسف، وحصل عن دوره على جائزة أفضل ممثل في مهرجان يوهانسبرغ للسينما، ثم أعاد تقديمه في فيلم “المصير” عن سيرة ابن رشد، ليحصل على جائزة أفضل ممثل مساعد من المهرجان القومي للسينما.

يعتبر التعلم عنصرا رئيسيا في تجربته، فأسرته متوسطة الحال اقتصدت في كل شيء إلا في الإنفاق على التعليم، وكانت أول هدية تلقاها رواية “الأم” لمسكيم غوركي عن كفاح العمال إزاء البورجوازيين، ليحمل حتى الآن قدرا من الأفكار القومية تتنازع مع توجهه الليبرالي، من شاكلة لماذا تكون أميركا الأمل للشباب، ولماذا لا يكوّن للمصريين جنة أحلامهم الخاصة، ولماذا لا يهتمون بالإنتاج فيكون قرارهم نابعا من الداخل؟

تنوع التجارب الفنية للنبوي وإتقانه الإنكليزية يعززان دوما فرص مشاركته في أعمال عالمية، فبرز في “مملكة السماء” لريدلي سكوت، وفي “لعبة عادلة” مع النجمة ناعومي واتس
تنوع التجارب الفنية للنبوي وإتقانه الإنكليزية يعززان دوما فرص مشاركته في أعمال عالمية

يحاول النبوي دائما البعد عن جلد الذات بتحاشي مشاهدة الأفلام التي شارك فيها خوفا من الإحباط حال مشاهدته الأخطاء التي ارتكبها في الأداء، فلم يرض عن جميع أدواره باستثناء “داوود باشا” الذي قدمه في مسلسل حديث “الصباح والمساء” عن طبيب تعلم بالخارج وعاد ليتخلى عن حياة القصر وزوجته ذات الأصل التركي، ويفضل عليها خادمة زنجية يعيش معها داخل بيت متواضع.

عشق داوود باشا لكونه قريب الشبه بجزء من حياته، فالفنان الذي ينشر صورا قديمة له في مقتبل العمر على كباري النيل يأكل الفول مع تعليقات مستمرة تظهر تعلقه بالماضي، لا يختلف عن داوود الذي يحن دائما للحارة الشعبية التي يتحرر فيها من مدنيته وزيه ويرجع إلى طبيعة نشأته البسيطة، فيرتدي الجلباب ويهجر آداب المائدة الغربية ويأكل بشراهة الفلافل والعدس والبصل الأخضر على الأرض

لم يخرج من عباءة نشأته في مدينة المنصورة التي غرست فيه حب الأعمال التاريخية، فدائما يتطرق إلى حياته في منزل جدته الملاصق لدار ابن لقمان التي أسر فيها الملك لويس التاسع ملك فرنسا قبل ثمانية قرون، ومدرسته التي حملت اسم شجرة الدر، وسيرة والده الضابط بالجيش الذي شارك في حرب 1967 ومعارك الاستنزاف قبل أن يصاب في العمود الفقري.

لا يضع حسبة الأموال كثيرا في اعتباراته فوق الإعجاب بالدور المحك؛ لقد وقع على عقد حديث “الصباح والمساء” دون كتابة أي مقابل مالي، وفضل العمل في مسلسل “بوابة الحلواني” بمقابل 600 دولار في التسعينات على فيلم سينمائي بأربعة أضعاف المبلغ، لتقديره قيمة عمل تاريخي يعالج مرحلة حكم الخديوي إسماعيل لمصر والحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في حينه .

تجارب عالمية

تنوع التجارب الفنية للنبوي وإتقانه الإنكليزية عززا من فرص مشاركته في أعمال عالمية، ليصبح مستشارا لصلاح الدين الأيوبي في فيلم “مملكة السماء” للمخرج ريدلي سكوت، وشابا عربيا يصل أميركا قبل يوم واحد من أحداث 11 سبتمبر في “المواطن” معبرا عن معاناة المسلمين بوجه عام بعدها، وعالم فيزياء عراقيا في فيلم “لعبة عادلة” الذي وجه انتقادات لاذعة لزيف ادعاءات الإدارة الأميركية بخصوص البرنامج النووي العراقي.

لكن النبوي يبدو أكثر اعتزازا بتقديمه دور الرئيس المصري الراحل أنور السادات في مسرحية “كامب ديفيد”، عن كواليس اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، أمام المخضرم رون ريفكين بأحد مسارح واشنطن، وأعاد تقديمها في كاليفورنيا .

يقول إنه لا يبحث عن العالمية التي أصبحت كلمة دارجة يتم تداولها خارج سياقها، فهو ينقب فقط عن دور جيد، ولم يوافق في البداية على “كامب ديفيد” لعدم وجود تشابه شكلي مع الشخصية، لكنه اقتنع بعدما عرف أنها معتمدة على مذكرات الرئيس جيمي كارتر وعالجها الكاتب لورانس رايت، ووجدها فكرة سانحة لتقديم تصوير للعرب كمحبين للسلام وداعمين له.

فكرة سانحة لتقديم تصوير للعرب كمحبين للسلام
فكرة سانحة لتقديم تصوير للعرب كمحبين للسلام

يواجه النبوي علاقة ملتبسة مع الإعلام يحكمها المضمون، فيؤكد على دور الصحافة في تنمية المجتمعات إذا أتيحت لها مساحة كافية من حرية التعبير، وكتب سلسلة من المقالات في صحف محلية انتقد فيها أزمات سياسية وقانونية عدة، وفي الوقت ذاته كان دائم الهجوم على برامج “التوك شو” التي تقدم مضمونا من وجهة نظره يعزز الكراهية.

ربما ينبع موقفه من “الميديا” لتجاهلها التركيز على أعماله كغيره من الفنانين، فرغم تعرضه خلال تصوير مسلسل “واحة الغروب” لكسر في الفقرة الثالثة واستكماله العمل في الحلقات الأخيرة بمخدر موضعي قبل سفره إلى الخارج للعلاج، لم تتطرق الصحف إلى الحادثة إلا بعد عامين من عرض العمل ومن منطق نقدي لطبيعة أدائه في الحلقات الأخيرة. وهو يحمل قدرا كبيرا من تقدير الذات، يُفهم كثيرا على أنه غرور مع الأزمات التي يثيرها حول وضع اسمه على الأعمال، إذ سبب مشكلة في عرض فيلم “الديلر” لوضع اسم أحمد السقا بجانبه وطالب بحذف اسمه تماما، وكررها في “واحة الغروب” مع منة شلبي ليتم العرض دون اسميهما قبل الوصول إلى اتفاق على كتابة اسم البطلة في البداية والنبوي في النهاية.

لا يحمل علاقة جيدة مع شباك التذاكر أيضا، فالكثير من أعماله لم تحقق إيرادات جيدة، ما يهدد قدراته على الحفاظ على البطولة المطلقة، حتى تجربة مسلسله عن الدكتور مصطفى محمود لم تجد منذ خمس سنوات من يمولها. ولا يبالي بإشكاليات الإنتاج وإنما يفكر فقط في كيفية تقديم عمله، وكانت تلك النظرة وراء قبوله مسلسل “واحة الغروب” من الوهلة الأولى، بعدما داعبت رواية بهاء طاهر الحائزة على جائزة البوكر خياله لتجسيد شخصية ضابط مصري رفض الخيانة وتحمل نتيجة دفاعه عن ثورة أحمد عرابي بنقلته إلى واحة سيوة في الصحراء الغربية.

يحمل هذا الفنان المصري جزءا من عقلية الفنانين الكبار الذين تعامل معهم في تجاربه الأولى، مثل عمر الشريف وعزت العلايلي ونور الشريف في السينما والدراما، في اختيار أعمال تتعدى حدود الزمن لتظل خالدة، ويسير على نصائح سعد أردش المسرحي الكبير في وضع حدود بين دور الممثل والمخرج، فلا يعترض على التوجيهات حتى ولو كان غير مقتنع بها. لكنه يعاني وهو الذي قدم قرابة الأربعين عملا فنيا، من إشكاليات أبناء الريف الأزلية في الابتعاد عن الأضواء واللقاءات التليفزيونية وإبعاد حياته الخاصة عن الواجهة، محتفظا بقدر من الخجل والتلعثم في لحظات التكريم والثناء، ليعيش بشخصيتين إحداهما منطلقة وحاضرة ذهنيا على الشاشة، والثانية قليلة الكلام ومنزوية في العالم الحقيقي.

13