خالد النجار يشعل السراج ويتقدم الراعي

الأحد 2014/03/30
محاورات مع كتاب عالميين تفتح عالما جديدا للنجار

منذ أيام قليلة صدر للشاعر التونسي المعروف خالد النجار كتاب جديد يحمل عنوان: “سراج الرعاة: حوارات مع كتاب عالميين”. بهذا الاصدار الجميل والمثقف والمترع بالأفكار يكون شاعرنا التونسي قد قدم خدمة جليلة للحركة الأدبية العربية المعاصرة من جهة، وللأدب الغربي العالمي من جهة أخرى. والحق يقال هو أن كتاب “سراج الرعاة” لخالد النجار قد تسلل إلى عقلي وقلبي معا، وهو من بين أجمل الكتب التي قرأتها في حياتي.

في هذا الكتاب يقدم لنا الشاعر خالد النجار عالما شفافا وعميقا ومؤسسا على أسئلة الحياة والألم والغربة والدهشة وليس على تلك الأسئلة الأكاديمية الجافة والميتة. في هذا الكتاب يحاور خالد النجار الشعر بالشعر والفكرة بحركة الألم، وهو في ذلك يحاول أن يعيد للحياة ما فقدته من الدهشة ومن الجمال الفتّان.

ينقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام، فالقسم الأول هو المقدمة التي كتبها الشاعر النجار، والقسم الثاني قد خصصه للحوارات التي أجراها هو بنفسه مع أدباء وشعراء ومفكرين عالميين أمثال ألبرتو مورافيا، يانيس ريتسوس، رولان غسبار، إيتل عدنان، برنار مازو، وإدوارد سعيد وغيرهم كثير.

أما القسم الثالث فقد كرسه للحوارات التي ترجمها عن اللغات الأجنبية وهي قد أجريت من طرف آخرين مع كل من الشاعر الفرنسي الحائز على جائزة نوبل سان جون بيرس، والمفكر هرمن هيدغر ابن الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، والروائي التركي الكردي المعروف كمال يشار.
ألبرتو مورافيا يعترف: أخذنا الديمقراطية عن العرب

بالنسبة إلى الشاعر خالد النجار فإن الحوارات التي يتضمنها كتابه هذا وخاصة تلك التي أجراها هو بنفسه ليست مجرد مناقشات مع الأدباء والمفكرين حول نشاطهم الفكري والإبداعي بل فإنها تعني له السفر المزدوج والرحلة في ذاته هو كما يراها في الآخر، والرحلة في الآخر كما يراه هو في نفسه.


صوت الغريب


يخبرنا الشاعر خالد النجار أن هذه الحوارات هي استماع عميق إلى صوت الغريب الذي يوجد فيه وفي الآخرين معا. وعن سؤاله: لماذا الحوار مع هؤلاء الشعراء والأدباء والمفكرين يجيب خالد النجار قائلا: “لأنه في الحوار ثمة نبض الحيـــاة وقد تنقدح فكرة لم تخطر على بال المُحاوِر والمحاوَر.

حوارات هي استماع عميق إلى صوت الغريب

ولأن الكلمة الحية هي الكلمة المنطوقة المسموعة، فهي في السياق اليومي والحقيقي بين الناس والذي هو أصل وجودها “، ثم يضيف مبرزا أن الحوار الشفوي مع كبار الشعراء والأدباء والمفكرين يدخل ضمن إطار التقاليد التي أسست للآداب والفلسفات العظيمة عبر التاريخ البشري: ” ولا ننسى أن كل النصوص التأسيسية في تاريخ آداب الأمم كانت شفوية: من ملحمة هوميروس إلى حوارات سقراط إلى أشعار العرب الجاهليين.. انبثقت كلها من الحياة اليومية ومن إنشاد الشاعر الأعمى في السفينة أو من محاورات ساحة Lagora -الأغورة - أو في سوق عكاظ”.

أقدّم هنا بعض الأفكار التي يمتلئ بها كتاب “سراج الرعاة ” بالتركيز على بعض ما جاء في حوارين مهمين عن العرب والثقافة العربية لكل من الروائي الإيطالي الشهير ألبرتو مورافيا والشاعر اليوناني البارز يانيس ريتسوس وقد أعود مرة أخرى إلى حوارات أخرى لأقدم عنها لمحة.


الديمقراطية عن العرب


في الحديث الذي أجراه خالد النجار مع الروائي الإيطالي العالمي ألبرتو مورافيا قال له هذا الأخير عن الثقافة العربية بأنها “ثقافة عظيمة تشهد تحولا وتغيرا كبيرين، إنها تعيش الانتقال، هذه الثقافة المتوسطية الشرقية التي كان لها تأثير كبير في الماضي حتى على إيطاليا. والشيئان الأساسيان في هذه الثقافة العربية اليوم هما: أولا: أنها تعيش انتقالا من ثقافة زراعية، حرفية تقليدية إلى ثقافة حديثة صناعية.ثانيا: ظاهرة البترول الذي يلعب دورا مهما في حياة العرب اليوم”.

ومن جهة أخرى فإن ألبرتو مورافيا يقترح على الشاعر خالد النجار أن تنخرط الثقافة العربية في حوار جدي وعميق مع النموذج الصناعي الغربي، وفي هذا السياق تحديدا يعترف الروائي مورافيا بأن “هناك جوانب مقبولة من الغرب وهناك أشياء مهمة، الديمقراطية لا بد من أخذها عن الغرب رغم أن أصلها من العرب، فلقد جاءتنا نحن في عصر النهضة من العرب، ثم أعتقد أننا ماضون إلى حاضرة كونية وإن كانت ستأخذ وقتا، والثقافات القومية تمضي نحو الاضمحلال”.

الشعر العربي

يانيس ريتسوس: الشعر العربي حيوي ومسكون بالحرية

و في حواره مع الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس المعاصر تمكّن الشاعر خالد النجار من استدراجه إلى التحدث بتلقائية عن علاقته بالشعر العربي الذي قال عنه: “الشعر الذي قرأته للعرب مهم وفيه اندفاع قوي نحو الحرية وبوسائل تعبيرية متقدمة جدا.

ما قرأته هنا وهناك مترجما إلى الفرنسية أو الإنكليزية أعطاني الإحساس بأن الشاعر العربي قد حافظ أكثر من زميله الغربي على التواصل المباشر والحسي مع الطبيعة: مع الأشجار والأرض، والغيوم، والأوراق والنوافذ والشوارع، وله علاقة كلية بالألوان والأشكال والموسيقى، من هنا تنبثق إنسانية هذا الشعر، من تعلقه بالجمال الحسي والجسدي لأن وسيلة أيّ شاعر في تواصله مع الزمن والأبدية إنما هو الحب، لأن الحب ملك الشعر الذي ليس له ملك سواه”.

12