خالد بن بندر.. رجل "المدرعات" في جبهة "الإمارة"

الأحد 2013/11/17
الأمير خالد بن بندر يريد تنويع الحياة في مستقبل العاصمة

من سلاح المدرعات إلى الإمارة.. من اللباس العسكري إلى بشت الإدارة.. ليس معتادا أن يتولى إمارة العاصمة السعودية الرياض، أمير من الصفوف الخلفية، وليس معتادا أن يكون أميرها بعيدا عن أبناء الملك المؤسس للكيان السعودي الملك عبدالعزيز .

خالد بن بندر.. لم يكن يعرف هذا الاسم في المملكة العربية السعودية سوى العسكريين، أما اليوم، فهو العلم الأبرز، كونه يتسنّم هرم إمارة العاصمة، ولم يتوقع السعوديون أن يكون خليفة أمير الرياض الراحل سطام بن عبدالعزيز سوى أمير تسلط عليه الأضواء ويُعرف بالأمر الخدمي القيادي في النواحي المدنية، لكن جاءت كل التوقعات خاطئة، فحملته رياح مختلفة لأن يكون هو المرشح القوي بدعم العاهل السعودي.

قدم من ميدان القوات البرية السعودية، ليدخل معتركا مختلفا في إمارة غالب من تولاها يصعد نجمه نحو أفق الديوان الملكي السعودي، والوزارات السيادية، جاء في شباط- فبراير من العام الماضي خالعا بذلته العسكرية المرصعة بنجوم رتبة (فريق) ومنصب نائب قائد القوات البرية ليكون في مواجهة الإمارة، التي تعد ثاني أكبر إمارة في المملكة بعد منطقة مكة المكرمة.

كان في سيرته العسكرية قائدا من نوع خاص، يتعامل بقوة الإنسانية مع مرؤوسيه من عامة العسكريين، وخاض كقائد صغير كتيبة الهجوم المدرع في حرب تحرير الكويت 1991 ويتعامل بقوة الحزم مع كل ما يهدد الأمن القومي السعودي.

قاد تفوق السعودية في مراحل عديدة من مسيرتها الدفاعية، ونال ثقة صانع كيان الجيش السعودي قوي التسليح الأمير سلطان بن عبدالعزيز، لينطلق متجاوزا رتبا عسكرية عديدة، ويرأس لجان صفقات التسلح مع روسيا وفرنسا والصين والسويد خلال العقود الماضية.

في بروزه الأهم، كان المشرف العام على مسرح العمليات في حرب السعودية الصغرى مع المتمردين الحوثيين اليمنيين على الحدود السعودية الجنوبية، خلال العام 2009 وفي وقت كان متوقعا أن يكون أمراء المناطق الحدودية في المملكة من العسكريين على غـــرار أمير جــازان محمد بن ناصر الذي جاء من ذات المنصب العسكري السابق لأمير الرياض الحالي خالد بن بندر.

جاء من طائرة عسكرية إلى الإمارة، إثر تغييرات عديدة حملتها وزارة الدفاع السعودية لاعتبارات وتنظيمات ومنهجية جديدة، فهبط بمظلته نحو كرسي كبير جدا يرافقه نجل العاهل السعودي، الأمير تركي بن عبدالله، الطيار الحربي ليكون سنده وبين يديه مستقبل العاصمة وفق ما يخطط له صناع القرار الكبار في المملكة.


تحديات وقتية


في ثمانية أشهر فقط، بزغ نجم الأمير إداريا، فألغى كل الجيوش القديمة داخل إمارة الرياض، مقتربا من جميع المحافظات واعدا بتنميتها، وواعدا بإكمال بعض القصور في بضعة محافظات تجاوزها سيل التنمية السعودي.

جاء للإمارة العاصمية، التي فتحت عليه تحديات وقتية يحاول إنهاءها بطريقة العسكري الحازم، الصامت قولا والمنجز فعلا، لكن حجم الأحداث المستجدة زرع فيه قوة الحضور ومعاقبة المتساهلين، في منطقة يعيش فيها ثلث سكان المملكة، وتقبع فيها أكبر نسبة من الوافدين من جنسيات عديدة.

جاء ليكمل صناعة التنمية في العاصمة، بعد عقود عديدة من إمارة عمه ولي العهد الحالي الأمير سلمان في إمارة الرياض التي تعرف به ويُعرف من خلالها، فحمل توقيع أكبر مشروع للنقل العام في المملكة "ميترو الرياض" بأكثر من 25 مليار دولار.

سعى الأمير في إمارته إلى انتهاج أسلوب مختلف في التعامل مع أبناء المنطقة، فخصص لهم مجلسا أسبوعيا تحضره وسائل الإعلام، يكون على رأس المتواجدين فيه مسؤولو القطاعات الخدمية، متحدثين في مكاشفة "المجلس المفتوح" عن واقع ومستقبل مدينة الأحلام السعودية المبنية على بلقع لا يحييها سوى المال.

إمارة الرياض في "قصر الحكم" الشهير وسط الرياض التاريخية، لا يلمع بريقها سوى في احتفالات أعيادها، وبعض مناشطها، حيث يسعى الأمير الجديد إلى صناعتها كمدينة للمعارض والمؤتمرات، وقبلة جديدة للخدمات الصحية الخاصة والمتخصصة.

يريد الأمير تنويع الحياة في مستقبل العاصمة، ومقتربا مما يريده أهلها، آخذا من إدارته للمدينة صيغ حكم أخيه الأمير فيصل في إمارة منطقة القصيم، التي تعرف عادة بتشدد التدين فيها، وخروج بعض رجال الدين السلفيين منها.

يزيد في زياراته السرية لبعض مواقع المشاريع، ساعيا كذلك في تحقيق أهداف استراتيجية المكان العاصمي لتخفيض أعداد الهجرة، نحو المدينة الأسرع نموا في الشرق الأوسط سكانيا، نحو المدن الصغرى حول مدينة الرياض.

ويسعى في حكمه المنطلق بين الإرث المكاني للعاصمة، والمكانة التي تحتلها، إلى جعل الشباب وقود المدينة الحيوي، مخالفا طريقة الاتباع في الحكم المحلي الذي تعيشه مدينة تموج باختلاف الخريطة القبلية والحاوية لأكبر عدد من الجامعات الحكومية والأهلية، والمسيطرة على السوق المحلي في الرغبة الوظيفية.

الشغب في حي منفوحة التاريخي حرّك الكثير من القرارات بعد تزايد الخسائر المادية وما صاحبها من جرائم عديدة جعلت بعضا من هذه العمالة يتحصن داخل الأبنية السكنية، في واحدة من حرب الشوارع غير المعتادة في السعودية


"شغب منفوحة"


تتابعت الأحداث، واختلف في تأثيرها، فجاء الحدث السعودي الحالي، المقلق للشارع السعودي بعموم أطيافه، بعد حملات "تصحيح أوضاع العمالة المخالفة" التي أفرزت بعد انتهائها خروج بعض العمالة مجهولة الهوية، كان غالبها من الجنسية الأثيوبية التي امتهنت الإقامة بصورة مخالفة للأنظمة داخل المملكة، وأحدثِ بعض الجماعات منها ما يعرف مصطلحا بـ"شغب منفوحة". الشغب في حي منفوحة التاريخي حرّك الكثير من القرارات بعد تزايد الخسائر المادية وما صاحبها من جرائم عديدة جعلت بعضا من هذه العمالة يتحصن داخل الأبنية السكنية، في واحدة من حرب الشوارع غير المعتادة في السعودية.

تحدّي المواجهة حمله الأمير خالد بن بندر، ليكون على رأس مديري العمليات في الموقع، متحكّما في القوات الأمنية التي تقبع تحت سيطرته داخل المدينة، فأصدر الأمر العاجل بإعطاء مهلة غير محدودة لتسليم المخالفين أنفسهم لترحيلهم عن السعودية دون أية عقوبات وتأمين خروجهم.

فامتلأت دور الإيواء بعد أمره بأكثر من 19 ألف مخالف من الجنسين، في محاولة لتطبيب جروح السنين الطويلة إثر تزايد ألم مخالفي نظام الإقامة والعمل في المملكة، ولا يزال الأمير في خندق مكتبه موجها لرسم استراتيجية معركة التطهير من آثار حروب الشوارع المتزايدة في أحياء الرياض العشوائية والممتلئة بقنابل الجرائم من بعض أفراد كان لهم تأثير دائم على أمن العاصمة.

تحرك الأمير لمواجهة التحدي برفقة قوة أمنية لا تتجاوز عدد المخالفين الذين بادروا لتسليم أنفسهم بغية الأمان والتأمين على مستقبلهم، حلم بعضهم بالعودة إلى دياره، وهم من حاول التمسك بالأرض لنيل عيشة اقتصادية ممتلئة في عموم السعودية عبر مهن بسيطة تليق بهم.

وتعامل الأمير عبر أفراد رجال إمارته بطريقة العيون المتفتحة، للداخل والخارج، متمسّكا بقرار الدولة في تصحيح وضع العمالة، وإبعاد المخالفين منها معتبرا أن ذلك "حق سيادي" للحفاظ على الأمن القومي، محاولا عبر أجنحة حكمه الإعلامية توضيح الموقف المحلي والحكومي بعدم الإساءة للمخالفين والإحسان إليهم حتى مغادرة البلاد. ففتحت له وزارة المالية بعض فائضها لإحسان الإيواء للمخالفين بأكثر من عشرين مليون ريال، ذهب غالبها لتجهيز مقرات الإيواء، إضافة إلى توفير المعيشة لهم حتى مغادرتهم، والتي يترتب عليها تدقيق الخروج لمعرفة من يحملون سجلات إجرامية كانت مثار البحث والتحري.

ورغم ذلك، يجابه الأمير بضغط من بعض تيارات داخل المدينة، خاصة من بعض السكان المجاورين للأحياء المقامة فيها أروقة المعيشة الأخيرة للمخالفين، إذ يرون أن أمر التساهل معهم يحفز من خالف من الطيف العمالي الكبير الذي تشير التوقعات إلى تجاوزه الـ (200 ألف) مخالف إلى القيام بأزمات إجرامية عديدة ستشد القوس نحو آلام ستوجع المدينة من جديد.

ذلك الخروج في العاصمة، خطط الأمير خالد لمجابهته بأسلوب "الحسنى" رغم امتداد خطورته إلى بعض المدن السعودية خاصة في جدة ومكة الممتلئتين بالعدد الكبير من مخالفي نظام الإقامة، لكنه يعي أن ذلك التنظيم المتبع أهون بكثير من مجابهته بالقوة داخل صفوف جماعات تحمل الكثافة العديدة.

9