خالد بن صالح: الكاتب الجزائري مصيره الإقصاء والتهميش

الأربعاء 2014/03/12
خالد بن صالح: أكتب لأن قطار الحلم توقف في محطة خاوية

في تلك المسافة الغامضة التي يتقاطع فيها النص والضوء والصوت والصورة ولانهائية المخيلة، وضع الجزائري خالد بن صالح الشعر، راصدا تحوّلاته، ومستخلصا مقترحات تأسيسية تصلح لبلورة تجربته الشعرية. جريدة “العرب” حاولت في حوارها مع هذا الشاعر الوقوف على بعض ميزات كتابته ومواقفه من الفعل الثقافي بالجزائر.

بدأ خالد بن صالح رساما، ثم ابتعد فجأة عن احتراف الرسم لأسباب غامضة حتى يجعل من الكتابة الشعرية قرارا حياتيا، خاصة بعد اطلاعه على أعداد من مجلة “شعر” ومختارات لرامبو وأزهار الشرّ لبودلير بلغتها الأصلية، أحب كلَّ أشعار ابن عربي وأبي نواس مرورا بأبي تمّام والحمداني.


احتفالية الموت


يلاحظ في ديوانه “مئة وعشرون مترا عن البيت” ذلك الحضور القوي للموت والمكان، المكان الطبيعي، في مداراته الواسعة، ولا سيما في وعورته، فهل يمكن اعتبار المكان رافدا من روافد حساسيته الشعرية، في هذا الصدد يقول: «ملاحظة مهمة، الموت هو التيمة الأساسية لكتابي الثاني “مئة وعشرون مترا عن البيت”، حيث أقمت احتفالية للموت كما كتب الشاعر والناقد سليم بوفنداسة، على مسافة لا تعدُّها الخطى أو الأمتار كما جاء في العنوان المفخخ، إنّما تمضي بالحياة في اتجاه معاكس، نحو اقتراف المزيد من الحياة، إن كان هذا متاحا ولو عند حافة القبر، من هنا تعدّدت الأمكنة التي شكّلت محطات يومية وأخرى داخل الحلم وبين ثناياه.

لعلّ بلدتي “الديس″ احتضنت مشاكسات البدايات ولم تزل تصنع هوّة في الأعماق تدفعني إلى ردمها بالكلمات والقصائد.. أهمّ مكان ربما هو ذلك الذي ظلّ عالقا بسبب استحالته، أو الخوف من قطع المسافة إليه، أو لانغلاق الأبواب المفضية إلى جزئياته.

المكان المشتهى كمقهى للشعراء الراحلين مثلا، كرسي في حديقة عامة يعتاد على رفقائك من كتب وأصدقاء ولقاءات عابرة.. بيتٌ يتجرّد من جدرانه.. سريرٌ يترنّح كزورقٍ في بحر متلاطم الرغبات، أو غرفة تقشّر سقف مطالبها ولم تزل تحتفظ بنافذة، بجرعة من الأوكسجين والاستمرار في المحاولة».

الشعر الجيد لا يخاطب أحدا والأعمال الفنية ظواهر غير فعالة تاريخيا، وبلا نتائج عملية، وهذا موطن عظمتها

وعن الدور الذي يلعبه الشعر اليوم وكيف يحدد خالد هذه العلاقة ، يقول: «لا يهمُّ أيُّ دور يلعبه الشعر اليوم، قلتها مرّة وأكررها على لسان الشاعر الألماني غوتفريد بن “الشعر الجيد لا يخاطب أحدا والأعمال الفنية ظواهر غير فعالة تاريخيا، وبلا نتائج عملية. وهذا موطن عظمتها”.

أنا أكتب لأنَّ قطار الحلم توقف في محطة خاوية، وجدتني وحيدا وبلا أمل، أكتب لأن هذه اللحظة الفارقة في تاريخ الأشخاص، والأوطان، هي ما يدفعك للتساؤل عن معرفتك العميقة بذاتك، هل أنتَ حقيقة ما أنت عليه؟ سؤال الكتابة هو سؤال الذات، لا أنتظر إجابات، أحاول فقط ردم تلك الهوة بداخلي، مواجهة هذا النقص بنقص أجمل، والمضي في طريق المجهول بجوع لا ينتهي للكتب، للحرية، للشغف والتجريب. كشاعر وجزائري وأكتب بالعربية، هناك عطب ما أصابني والكثيرين، يصعبُ إصلاحه، لهذا أكتب».


كتابة الهامش


لكن في الشعر العربي الحديث، كل كتاب يمثل تجربة خاصة مخالفة للتي سبقتها، هل هذه المحاولات هي جزء من الخوف في الوقوع في نمط معين، مؤطر؟ كيف يفهم خالد التجربة الشعرية؟، يتابع بن صالح: «في جعبتي لحدّ الآن كتابان ومخطوط، شعرياً أرى تجربتي القصيرة جدا على اتساق تامّ بملامح البدايات، بمنطلقات الكتابة في حدّ ذاتها، مع الحياة حين تتقمص اليومي والهامشي والعابر والجدير بالحرية والإبداع، لا أتشبّث كثيرا بعبارة تجربة مخالفة لما سبقتها، إنّما أنحاز لتبني رؤية وفق مرجعيات تشكل محدّدات تقييمي للنص، من دهشة ومفارقة ولعب.

اللّعب بجدية إن صحّ التعبير هو ما يمنحني هذه القدرة على تجاوز الهيّن، والضعيف في مواطن الكتاب الأول مثلا، مقارنة بالثاني وهكذا، محاولة إخراج القصيدة من ثوب اللغة إلى الشعرية الخالصة، دون التخلي عن الملمح.

تعدّد الأمكنة شكّل محطات يومية داخل الحلم وبين ثناياه

صحيح النزق وحده لا يكفي، ولكن النص الذكي وحده أيضا لا يمنحُ الكلمات روحا غائبة، شخصيا أشتغل على تيمة الكتاب الواحد، كتحدّ أراهن بقصيدة النثر عليه، المرأة كلوحة غير مكتملة في “سعال ملائكة متعبين” الموت في تعدد صوره، في “مائة وعشرون مترا عن البيت” وهناك عدّة موضوعات يمكن للشاعر أن يشيّد بها قلاعه الهشة التي يعجز عن هدمها الزمن كما يقول الخيام».


نهاية الكاتب

هل ما يزال خالد مسكونا بالهاجس التجريبي اللغوي في نصه الشعري؟ وما هي الحدود التي يلتزم بها في هذا الاتجاه؟، يجيبنا قائلا: «التجريب اللغوي كما أشرت في الإجابة عن السؤال السابق منحى مهمّ للشاعر، أنا مع الاشتغال على النص، مع تحريك وتدمير السائد من المفاهيم الجاهزة، اختراق المناطق الملغمة في اللغة دون حذر مع الاحتفاظ بتلك الروح، بمكوناتها التي أزرعها في أرض أخرى، دون أن تفقد جيناتها، في الجزائر بقي الشعراء على مسافة ليست بالقصيرة مع قصيدة النثر، وحتى الذين كتبوها، وقعوا في شرك اللغة التي لم تتخلّص من أعباء النص المساهم في عالم وقع في فخ البين بين، ولم يستطع إنتاج لغته الخاصة، بعيدا عن المجانية والغموض والقصائد العاطفية إن صحّ القول، هذا لا يلغي وطبعا يستثني بعض التجارب التي لم تستطع الصمود، أمام آلة القتل ومن بعدها آلة الإقصاء وصعوبات النشر وما إلى ذلك من أسباب نهاية الكاتب».


سؤال التبعية


هل لعب الشعر الأجنبي أيّ دور في صوغ عالم خالد الشعري؟ أم أنه يجيء من شعر عربي خالص، في هذا الصدد يقول: «عالمي كما صرّحت سابقا متعدّد المرجعيات، هناك قصائد بحدّ ذاتها شكلت هوسا بالكتابة وتجارب شعرية حياتية منحت نصي الكثير.هناك السينما والتلفزيون والموسيقى.. سأعود لأقول إنني بدأت الكتابة بعد أن تجاوزت ربع القرن، بعد أن قرأت بالفرنسية والعربية ما طالته يداي الصغيرتان من كتب كانت شحيحة في البيت، كثيرة وممنوعة عند الجيران، مسروقة ومخبأة تحت الثياب من بيوت الأصدقاء.. جئت من خلفية تشكيلية دون مظلة أي كاتب بذاته، دون محاولة للتقليد أو الوقوع في شرك الهالة. شاعر ضلّ الطريق إلى الكتابة، ربما أنا هكذا.. مؤمن أنّ مثل هذه الأشياء لا تأتي صدفة وإن تأخر وقتها، مؤمن أيضا على حدّ قول رامبو “سيبقى هذا السُّم في عروقنا”».

احتضنت مشاكسات البدايات ولم تزل تصنع هوة في الأعماق تدفعني إلى ردمها بالكلمات والقصائد

ويضيف قوله: «سؤال التبعية لا يشكلّ لي هاجسا إبداعيا وأعتقد أن الكاتب الموهوب المواظب المشتغل على قصيدته، يستطيع أن يشكل طرفا مستقلاّ في نفس مستوى التلقي مع الكاتب الغربي، أقول هذا بتحفظّ ليس كبيرا وإنما لعدم معرفتنا نحن بذواتنا، لا أدري إن كان السياق مناسبا ولكن قصائدي بعد الترجمة إلى الفرنسية والإيطالية لقيت اهتماما من طرف الآخر الغربي بشكل غريب..

هذا أنا بكل شوائبي الإبداعية فما بالك بأسماء عربية هي الآن في لغات أخرى تعيش وتصنع الدهشة.. المثقف العربي ليس بحاجة إلى قضايا كبرى، واهتمامات تتجاوزه ليثبت قدراته، تكفي تفاصيل بعينها، التراث جزء من ذلك ولكنه ليس كلّ شيء، بعيدا عن التقديس والتدنيس أو المحاباة والمغالاة، هناك ومضة تولد من ذاتها لحظة الكتابة، هي نحن بكلّ ما نحمل من تصدعات ومفارقات». وعن المشهد الشعري في الجزائر، يقول بن صالح: «المشهد الشعري في الجزائر يلخص كالتالي: الكلّ يكتبون، ولكن كما يقول بوكوفكسي “لا أحدَ أبدا يجد ضالّتَه”.. مشهد متعثِّر، متردّد، متردّ في الكثير من حالاته، يقتات من فتاته، ومثلما فيه شعراء أكفاء فيه الأشباه ممن يخترقون جدران الصمت من حين إلى حين ليبعثروا بنشازهم مقاطع المعزوفة الموسيقية البطيئة».

15