خالد حسيني يكتب اسم الأضحية على حجر

الأحد 2014/04/27
رواية خالد حسيني لا يمكن اعتبارها سيرة ذاتية

خالد حسيني، روائي أفغاني- أميركي، من مواليد 1965، تغزو رواياته الوقت الأطول لدى القراء، في مختلف القارات، وباللغات العالمية الأساسية، التي تمت ترجمتها إليها. فانتشار أعماله بهذه السرعة وبذلك الاتساع الجغرافي، يجعل صداها يتردد عبر المحيطات أيضاً، وهو ما يعلن عنه عنوان روايته الجديدة “وردّدت الجبال الصدى” الصادرة ترجمتها العربية عن دار “دال للنشر والتوزيع” بسوريا.

كان خالد حسيني قد أصدر روايتين، حازتا على اهتمام واسع ، قراءة ونقداً. كما احتلتا لفترة من الزمن، قائمة الكتب الأكثر مبيعا في العالم. تتميز الرواية الثالثة، عن سابقتيها، بالمساحة الأطول، ولعل هذه المساحة جاءت لتلبي البناء الذي اشتغل عليه خالد حسيني، فتعدد الشخصيات وتداخل وظائفها السردية والحوارية، وما شابه ذلك من تقنيات، كالمقابلات الصحفية، وتضمين المتن لتبادل الرسائل بين بعض الشخصيات، اقتضى مساحة أوسع لكتابة الرواية.

كما أن الزمن الذي استغرقته أحداث الرواية، مديد، ربما احتاجت الكتابة عنه، سردا روائيا أطول من روايتيه السابقتين حيث تتحرك أحداث الرواية، بشكل عام، من سنة1952، وحتى شتاء2010. وجاءت عناوين فصول الرواية التسعة، مستمدة من فصول السنة الأربعة.

ما استخلصه قراء الرواية، ونقادها، عن علاقة “وردّدت الجبال الصدى”، بالسيرة الذاتية للكاتب، يجد جانبا من تفسيره في اعتماد أسماء الفصول، فصولاً للرواية، لسنين متباعدة جداً، قبل ولادة خالد حسيني، وبعدها، وحين أصبح شابا ورجلا، وحاز على الشهادة الأكاديمية.


رمزية الغول


تطالعنا الرواية، من خلال أحداثها، على المراحل التي مرت بها أفغانستان، منذ ثلاثينات القرن العشرين، وحتى نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، دون أن تتحول إلى رواية تكتب التاريخ السياسي للبلاد.

بدأ السرد في الرواية، بحكاية عجيبة، سنجد احتمال توظيفها لفكرة ما في ثقافة الشخصيات الأساسية، التي بناها الكاتب في مسار الحدث الروائي، حيث نقرأ: “في قديم الزمان، عندما كان الغيلان والجن والعمالقة يعيشون على الأرض، كان مزارع اسمه بابا أيوب…” الذي انتهت سعادته على بساطتها، عندما هاجم القرية غول مخيف، واضطرّ صاحب البيت الذي يقترب منه، أن يختار تقديم أحد أبنائه له، قرباناً يفتدي به بقية أفراد العائلة.

رواية تصور النزاعات الإنسانية ولغز الوجود البشري والكاتب لم يحول روايته إلى تأريخ سياسي لأفغانستان

بابا أيوب، كان هو الذي اقترب الغول من باب بيته، ولا تجدي معه كل التوسلات، ولا إغلاق الأبواب والنوافذ.

وتنتهي الحكاية العجيبة، برضوخ بابا أيوب لتقديم القربان من بين أبنائه، بإجراء قرعة، يكتب فيها أسماء أبنائه، كل واحد على حجر صغير، ويضع الأحجار في كيس ويغلقه، ويطلب من امرأته تناول حجر، هو روح أحد أبنائهما. رفضت الزوجة، فتناول هو الحجر، وكانت المفاجأة باسم ابنه الأصغر قيس. وبأسى غامر سلَّمه للغول.


القربان


كأي أب، أنَّبه ضميره، فاتخذ قرارا بمطاردة الغول، ويعثر على مكانه، ويحاوره، ويتبين للأب أن قيس لم يأكله الغول، ولم يلحق به الأذى. وسمح الغول لبابا أيوب رؤية قيس، ومعه أطفال آخرون، من خلف زجاج لا يسمح بسماعهم ولا هم يسمعونه. فقرر العودة يائسا، لكن شبه مطمئن على ابنه قيس. وعلى الغول أن يقدِم له بلسم النسيان، فخاطبه قائلا: “خذ هذه، وأعطاه قارورة زجاجية صغيرة تحتوي على سائل غامق اللون، وطلب إليه أن يشربها في طريق عودته”. ليتبين في السرد اللاحق، أن وظيفة السائل الغامق هي نسيان بابا أيوب لما حدث، ومتابعة أيامه بحالة هادئة.

المنطق الذي قدمه الكاتب على لسان بابا أيوب، لتحمل فكرة تسليم ابنه للغول، صورته القول: “خسارة إصبع واحد لحماية كف اليد كله”.

هل أراد الكاتب، إسقاط تلك القصة الخرافية على واقع بلاده أفغانستان، حيث التدخلات الخارجية، السوفييتية، ثم الأميركية، فعلت فعلها، وقدمت تطورا للأمام في الحياة الأفغانية، خاصة بعد إلحاق الغرب، بقيادة أميركا الهزيمة بحركة طالبان؟


نيلا ونبي


الخرافة في الرواية ليست عبثاً، ولا هي دون وظيفة، وهو ما تشي به ملامح شخصيات الرواية. فـ”نيلا” هي أهم شخصية في الرواية، لمحمولها من الصفات الجسدية، والروحية، والفكرية، والإبداعية. وهي متداخلة العلاقات ببقية الشخصيات، سواء بعلاقاتها العاطفية مع عدد من الرجال، أولهم اسمه نبي، كان يعمل عند زوجها سليمان ، سائقاً عندما كانت في كابول.

شخصيات الرواية تنتمي للفئة المتوسطة وتحاكي رغباتها العالم الغربي ويشدها الارتباط بماضيها وأصولها الأفغانية

وعلى امتداد فصول الرواية، تحضر نيلا بقوة. تارة في مقابلة صحفية مع أحد الصحفيين الأوروبيين، وتارة أخرى على لسان ابنتها بالتبني، باري، وهي تطلع زوجها، مدرِب البيانو، بعد تحوله عن المسرح.

باستخدام تقنية المقابلة الصحفية، رسم الكاتب جانباً من شخصية نيلا، وكان قد هندس بدايات نيلا وهي متزوجة في أفغانستان.

في باريس كانت المقابلة الصحفية مع نيلا، وهي في الرابعة والأربعين. ومع هذا العمر المتقدم، لم تفقد جمالها كأنثى، ولم تتنازل عن شهواتها، ولا عن حقها بممارسة كل ما يسعدها.

جزء هام من شخصية نيلا تعرفنا عليه من نبي، سائق زوجها الأفغاني، إذ لم تكن تخفي عليه علاقتها برجال آخرين وهي على ذمة سليمان حداتي، ذي الجنسية الأفغانية الكاملة.

أما “نبي” فهو شخصية استمدت مكانتها من التحامها الكامل مع الواقع الأفغاني، ولم يتصل بالعالم الخارجي كبقية الشخصيات، إلا عبر حكايات نيلا عنه، وما يتصل بوظيفته كسائق لزوجها سليمان، الثري، الذي مات مبكراً في الرواية.

وبعشقه لنيلا زوجة “رب عمله” أخذ مكانا مرموقا في السرد. فسليمان وهو على فراش الموت نقل له كل ممتلكاته، وبدوره قام نبي بتقديم الأمكنة التي امتلكها لعمل المؤسسات الإنسانية التي كانت تسعى لتطور الشعب الأفغاني. والأهم أن نبي، قدَم توصيفاً دقيقاً لنيلا وهو يسرد نظرته لها ولسلوكها وجمالها، وما انتابه من فاجعة عندما فقدها دون أن يعرف أي عنوان لها، ولا حتى البلد الأوروبي الذي اتجهت إليه.

الخرافة في الرواية ليست عبثاً ولا هي دون وظيفة


فضاء عالمي


بين قارات ثلاث، آسيا، وأوروبا، وأميركا، تتحرك أحداث الرواية عبر تنقل شخصياتها، بغرض العمل، أو التحصيل العلمي، أو السياحة وحضور النشاطات الفنية، كالموسيقى، والمسرح، والشعر.

هذا الفضاء، وكأنه يحيل إلى مقارنة تثير النقد للواقع الشرقي، والأفغاني تحديداً. لكن شادباغ، البلدة الأفغانية القريبة من كابل، منها انطلقت أحداث الرواية، لتحلق إلى فضاءات عالمية. كانت بلدة مقهورة متخلفة، لا تعليم فيها، ولا ظهور للمرأة بشوارعها إلا ما ندر. هي في سنة 2010، كما جاء في الرواية صارت شادباغ الجديدة، مستوصفات، ودار توليد للحوامل، وبعض المكتبات، وشوارع جديدة وأبنية عالية. وتفتخر شادباغ بدور رجالات منها في مقاومة الغزو السوفييتي، تدل عليه ساحة زرع فيها نصب لرجل بقامة طويلة، وغطاء رأس أفغاني تقليدي، وعلى الكتف عُلِق قاذف صاروخي ” أر. بي .جي”.

فضاء الأحداث، الذي تحركت الشخصيات في عوالمه، ينسجم مع بنية تلك الشخصيات، التي تنتمي للفئة المتوسطة، أكاديمية، ومثقفة، تحاكي رغباتها العالم الغربي، ويشدها الارتباط بماضيها وأصولها للاهتمام بأفغانستان. وهو ما عبرت عن التداعيات، التي تدفقت، من ذاكرة قريبة بعيدة، كما هو حال باري، ذات الأصول الأفغانية من ناحية الأب.

وأغلب الظن أنها رواية لا يمكن اعتبارها سيرة ذاتية، وإن كانت التجربة ذاتية، واهتمامات المؤلف ببلاده التي غادرها طفلا صغيراً، تبدو آثارها في أكثر من فصل في الرواية.

14