خالد خريس أردني محاط برؤى صحرائه

بساطة رسوم الفنان التشكيلي الأردني توحي بخفة ممكنة غير أن المرء ما أن يقترب منها حتى يكتشف أنها عميقة بطريقة تدعو إلى الحيرة.
الأحد 2019/11/10
رسام الأشياء في أفولها

ما لا نعرفه عن البدوي قدرته على التأمل العميق في اللاشيء. تلك مهارة تتطلب تقنية عالية في الإنصات إلى الأصوات الخفيضة. فكيف إذا كان القصد من الإنصات إنتاج صور يمكنها أن تري ما لا لا يُرى.

تجربة الأردني خالد خريس يمكن اختزالها في المسافة التي تفصل بين البدوي والصورة. وهي مسافة فرضت من خلالها الصورة تقنياتها غير أن البداوة لم تكن مستعدة للقبول بالصلح النهائي لذلك يمكن اعتبار فن خريس قطيعة مؤقتة مع بيئته التي رسم من أجلها.

يعرف خريس أن لا نظير له على الساحة التشكيلية الأردنية لذلك فإنه يرسم ما يراه مناسبا لمخيلته. وهي مخيلة تكونت من مزيج من التأثيرات. 

ما تعلمه في إسبانيا من تقنيات النظر واللعب بالمساحة أهاده إلى ثقافته التأملية وجعله يتعمق في حقيقة مخزونه البصري الذي يستمد قوته من الثقة بما لا يُرى كونه جزءا من عالم حقيقي.

تجربة خريس يمكن اختزالها في المسافة التي تفصل بين البدوي والصورة. وهي مسافة فرضت من خلالها الصورة تقنياتها غير أن البداوة لم تكن مستعدة للقبول بذلك الصلح النهائي

ذلك ساعده على استخراج مفرداته كما لو أنه يستعيرها من أشباح وقفوا إلى جانبه وهو يقاوم الرموز والإشارات والعلامات المتاحة التي دأب الرسامون من حوله على إلصاقها على سطوح لوحاتهم.

عالم خريس لا يستدرج معاني بعينها بل يفيض بسحر تلك المعاني من غير أن يعتبرها هدفا له. وهو في ذلك يفلت من قبضة المعنى وفي الوقت نفسه ينقب بحثا عن أسباب جاذبيته، التي هي استثناء بالنسبة لعملية النظر.

يرسم خريس كما لو أنه عائد من رحلة في أعماق كون خفي يعرض بضاعته التي لا تذكر بشيء سبق لنا أن عرفناه أو سمعنا عنه. تلك غواية يمارسها مثلما يفعل الساحر الذي لا يرغب في الإفصاح عن بضاعته الأصلية حين يكتفي بتأثيرات حيله الماكرة.

خريس ينسينا مصادره الجمالية حين يضع لقاه أمام أبصارنا كما لو أنه اخترعها لتوه. رغبته المثالية في أن نقتنع بأنها ابنة لحظة الرسم الخاطفة وهي ليست كذلك بالتأكيد.

إنه يرسم ما رآه وعاشه في الوقت نفسه. هو في ذلك يخلص إلى تجربته الروحية والدرس الذي تعلمه من الفن في الوقت نفسه. إنه فنان يراقب المسافة التي تفصله عن مصادره البصرية. وهي مصادر واقعية ولكن لا يمكن التأكد من واقعيتها. غير أن ما يطمئنه شعوره بأن كل شيء في رسومه يمت إلى الحقيقة بصلة.

ما قبل الرسم وما بعده

عالم يفيض بسحر المعاني
عالم يفيض بسحر المعاني 

ولد خريس في الكرك عام 1955. درس الرسم والحفر الطباعي في جامعة سات جوردي بإسبانيا ثم حصل على شهادة الدكتوراه في فلسفة وتاريخ الفن من جامعة برشلونة عام 1993.

قام بتدريس الرسم في معهد الفنون الجميلة كما تولى رئاسة قسم التصميم الداخلي في جامعة البتراء. سبق له أن عمل في دارة الفنون مسؤولا ثقافيا وهو يدير منذ سنوات المتحف الوطني الأردني للفنون. أقام ثمانية عشر معرضا شخصيا في الأردن وإسبانيا والنرويج. وآخر معارضه كان بعنوان “ذاكرة المطر” أقامه في قاعة نبض 2019.

وكما يبدو لي فإن ذلك المعرض يمثل خلاصة تجربته بعد عقود من الرسم. وهي تجربة تميل إلى الرسم الصافي. ذلك النوع الفني الذي يغلب عليه طابع الحذف، كما لو أن كثيرا من التفاصيل ينبغي أن تُزال. وهي مهمة شاقة، يتطلب القيام بها الإحاطة الشكلية بكل العناصر التي يتشكل منها المشهد تدريجيا كما لو أنه لم يكن موجودا من قبل الرسم. تلك واقعة لا تقول الحقيقة كلها.

فالرسام يمارس نوعا من “التأويل البصري” وهي عملية معقدة يسعى الرسام من خلالها إلى الاهتداء إلى مواقع السحر الكامنة في المشهد الذي يسعى إلى أن يحيطه بعنايته. لا يبقي على شيء من ذلك المشهد في مكانه حين يحرك عناصره باحثا عن المكان الذي تختبئ فيه ذاكرته. وهو إذا يتخذ من المطر رمزا لما يفعل فلأنه يعرف أن المطر لا ذاكرة له. ذلك ما يفتح الطرق واسعة أمام الرسم باعتباره فعلا يقع خارج الوصف. وهو ما ينهي العلاقة التأثيرية بالمشهد لتبدأ علاقة جديدة يركز الرسام فيها على فعل الخلق.

ما قبل الرسم وما بعده. هناك طبقات من السطوح التي لا يبقي بعضها أثرا للبعض الآخر هي ما تشير إلى المسافة التي تفصل بين عالمين يفصل بينهما الرسم من غير أن يقصد القيام بذلك. وإذا كان الرسم يقوم بأداء دور محايد فلأن الرسام قد خطط إلى الوصول إلى صفاء لغته التي تهبه نوعا من الاطمئنان إلى مصيره.

تأشيرة دخول إلى الخفاء

كل شيء في رسوم خريس  يمت إلى الحقيقة
كل شيء في رسوم خريس  يمت إلى الحقيقة 

ما بين مرحلتي ما قبل الرسم وما بعده تتطور لغة خريس لتتخلص من كل ما علق بها من علامات وإشارات ورموز المشهد الطبيعي. ما يُرسم لن يكون بالضرورة ما يُرى. 

تعلم خريس أن يقتفي الأثر. وهو فعل يجيده البدو وحدهم. ولكن ما الذي يستفيده الرسام من القيام بذلك الفعل؟ أعتقد أنه لا يقتفي أثر الآخر بل أثره الشخصي. وهو ما يجعل من الرسم بحثا في خبايا الذات. “لقد كنت هناك. وهذا ما أراه. ولكنني لم أعد هناك وهذا ما أعيشه” ذلك لا يعني أن الرسام يعيش في شخصيتين بل أنه عالق بين زمنين.

ما يشهد عليه الفنان من تطور علاقته بالأشياء هو دليل على قدرته على اكتشاف خبايا ذاته التي صارت تتماهى مع الأشياء وهي تبتعد. يرى الرسام أن لديه القدرة على التقاط أثره الشخصي في حياة صار الآخرون يدخلون إليها مثل ضيوف متأخرين. أعتقد أن الرسام صار يجد أن من واجبه أن يمحو آثار أولئك الضيوف ليحتفي بأثره الشخصي.

ولأن الرسام لا يمارس دور المشاهد فإنه يرفض الكثير من العروض المغرية التي تتيح له أن يرسم حياته باعتباره جزءا من الجمع. الرسم يغنيه عن تلك الشبهات. إنه الشخص الآخر الذي يغادر موقعه الاجتماعي ليكون فردا هو بمثابة جمع. لن يكون أثره هناك دائما بل سيرافقه ذلك الأثر أينما مضى. إنه علامته وهو تأشيرة دخوله إلى عالمه الشخصي. 

المسافر وحيدا

خريس يمارس نوعا من “التأويل البصري”
خريس يمارس نوعا من “التأويل البصري” 

“رسام روحاني” كما لو أنه باحث في علم الأرواح. لن يكون ذلك الوصف ملائما. فخريس لا ينكر واقعيته. كما أن لوحاته لا تزال تشكل امتدادا لما يُرى. هناك وقائع يحولها إلى أفكار بسبب غلبة الطابع الفني كما أن هناك أفكارا قد تحولت إلى وقائع بحكم التجربة المعيشة. في الجانبين هناك ما يُبصر وما يُسمع وما يُشم وما يُلمس. تشترك الحواس كلها في تأليف حكاية مغامرة شاء الرسام أن يصنع لها فضاء تحلق فيه.

سيُقال إنها الروح. ولكنها تسمية مضللة بالنسبة لرسام يؤمن أن الرسم فعل مادي. “تلك هي ثمرة العيش المباشر” سيقول خريس كما لو أنه يحلم. لقد حلم حياته بجزئيها. الجزء الذي عاشه والجزء الذي حلمه ومزج بين الإثنين فكان عالمه الذي يتشبه بخيال مسافر لا يعرف متى يحط رحاله. إنه المسافر وحيدا وسط جوقة أصوات باحثا عن صوته.

خريس هو رسام ذلك الصوت الذي تم إنقاذه بمعجزة.

بساطة رسومه توحي بخفة ممكنة غير أن المرء ما أن يقترب منها حتى يكتشف أنها عميقة بطريقة تدعو إلى الحيرة.

خريس

 

9