خالد خوجة طبيب تحت ثلج السماء وثلج المواقف الدولية

الأحد 2015/01/11
خوجة يتولى رئاسة الائتلاف السوري المعارض بعد تداعيات كثيرة واجهت عمله

بينما كان الائتلاف يجري اقتراعه حول الرئيس الجديد، كانت العواصف الثلجية تقترب من مخيمات اللاجئين السوريين، وطائرات الأسد تلقي البراميل فوق حلب وإدلب والرقة ودير الزور، اليوم تغطي الثلوج المخيمات، وتزهق أرواح أطفال ينتظرون مخرجاً، بينما يبدأ رئيس الائتلاف خالد خوجة عمله الجديد من مفرق صعب، وقد عرف خوجة، النظام السوري عن كثب، وبوقت مبكّر جداً، حين تم اعتقاله وهو لم يزل مراهقاً، في بداية الثمانينات، مع موجة الاعتقالات التي طالت الجميع، إسلاميين وشيوعيين وبعثيين عراقيين وناصرين ومستقلين، ولكن الطيف المتمرّد اللافت حينها كان، النقابات المهنية، كنقابة المحامين والأطباء وغيرها.

خالد خوجة ولد في العام 1965، السنة التي ولد فيها بشار الأسد، وعاشت أسرته في دمشق، ودرس في مدارسها، وكان والده أحد من نشطوا سياسياً ضد نظام الأسد في نقابة الأطباء السوريين، ليقضي في الاعتقال أكثر من أربعة عشر عاماً، بينما تم اعتقال والدته لخمس سنوات، وكان نصيب خالد الابن الاعتقال لأربعة أشهر، خرج بعدها، ليعود إلى السجن خلال أقل من سنة، وليقضي فيه قرابة العامين، ولم توجّه إليه أي تهمة، سوى نشاط والده المعارض لنظام حافظ الأسد، فكان سجنه للضغط على أبيه وأسرته، ليخرج من جديد، ويتم تهريبه إلى مدينة أوباري الليبية في العام 1985، ليكمل تعليمه هناك ويحصل على الشهادة الثانوية، التي حرمه السجن من نيلها في سوريا، ثم انتقل إلى تركيا الثمانينات، والتحق بجامعة إسطنبول لدراسة العلوم السياسية، وبعدها واصل دراساته في الطب البشري في جامعة أزمير متخرجاً في العام 1994، حيث كان قد بدأ بالعمل في الاستثمارات الطبية وتأسيس المستشفيات وتطوير المجالات الطبية وإدارتها.


المناخ السوري


كانت هذه حال المجتمع السوري، المنفي أساساً خارج سوريا، لأسباب سياسية وأخرى اقتصادية وثالثة اجتماعية، حيث لم يتبق في سوريا في عهد الأسد الأب إلا الطبقة العاملة في القطاع العام ومن يعيش حولها، إضافة إلى الأرياف التي اكتفت بالقليل من أجل الحياة، وهذا ما يبرّر قدرتها على تحمّل ظروف المخيمات واللجوء أربع سنين متواصلة، فما كانت تعيشه في الداخل السوري ليس أفضل، وإن كان تحت ظل الاستقرار، استقرار مبني على الحاجة والدّين والقروض والفساد واللهاث اليومي.

فبرع كثيرون منهم في المنافي والمغتربات، ولكن ما أراده الأسد كان قد تحقق، حيت ابتعدوا عن السياسة وممارستها، واكتفوا بالبيانات والتعليقات على الأحداث والعمل على مستوى التنظيم الشحيح، الذي كاد يكون منعدماً.

حادثة جريدة شارلي إيبدو تستنفر أوروبا كلها للحديث عن برنامج مشترك لمحاربة الإرهاب، ويطمع الأسد أن يكون له نصيب من الكعكة، وإن قررت بعض الدول التعاون معه في الحرب على الإرهاب، فلن يكون لدى الائتلاف ورئيسه الكثير ليفعله أكثر من الإغاثة وشؤون اللاجئين


السوريون يعودون إلى الحياة العامة


بدءاً من موجة الربيع العربي، العفوية، تأخر السوريون في الاستجابة لنبض الشعوب العربية في تونس ومصر واليمن وليبيا، وكانت الحياة تمضي اعتيادية، لولا أن بدأ بعض الشباب بإيقاظ الشارع، وقدح شرر الانتفاضة كما لم يحصل من قبل في البلدان التي عرفت الربيع، فتم تحريك مشاعر الشعب عن قصد، وهزّ كيانه عبر النشاطات المدنية، دون تغطية إعلامية تذكر، وخاصة في الفترة التي قررت قناة الجزيرة عدم تغطية ما يحصل في سوريا من أحداث، وكأن سوريا لم تكن على كوكب الأرض.

من هؤلاء كان خالد خوجة، فأسس مع مجموعة سورية “منبر التضامن مع الشعب السوري”، في آذار ـ مارس 2011، الذي كان قد نشر إعلانه بشكل موسع معتبراً أن يوم 15 آذارـ مارس 2011، سيمثل “يوم الغضب” في سوريا، ويوم التحول بالنسبة إلى الشعب، في سعيه من أجل الحصول على حريته.

وفي أواخر العام 2011، كان خالد خوجة من المجموعة التي شكّلت المجلس الوطني السوري، أول جسم سياسي جامع لقوى الثورة السورية، وحين تم إعلان الائتلاف بعد عام من ذلك التاريخ كان خوجة أحد أعضائه المؤسسين له، ليشغل بعدها دور ممثل الائتلاف في تركيا التي عرفها جيداً بعد أن عاش فيها طويلاً، وخلال سنوات الانتفاضة السورية، كان خالد خوجة من القريبين جدا من العمل العسكري على الأرض، وكانت له أدوار عديدة في المساعدة على تسليح الجيش السوري الحر.


حرب الأطباء


يتولى خوجة رئاسة الائتلاف بعد تداعيات كثيرة واجهت عمل هذه المؤسسة، التي تشكلت برعاية دولية وعربية، لتكون منصة عمل للمعارضة السورية، ومنحت الكثير من الوعود في لحظة تأسيسها، لم ينفّذ منها سوى القليل، بينما بدا المشروع وكأنه كان خدعة دولية لشغل الثائرين السوريين بالنزاع الديمقراطي على السلطة والمواقع.

ولكن خوجة يعد بالعمل على توجيه الائتلاف نحو الداخل السوري، أكثر من التفاته إلى الخارج، حيث كانت مهمته كما يرى خوجة “جلب الاعتراف” وهذا تحقق نسبياً، ولكنه لم يترجم عملياً لخدمة السوريين، وتحقيق مطلبهم الأول ألا وهو “إسقاط نظام بشار الأسد”.

ليصبح الطبيب خالد خوجة بمواجهة صعوبات كثيرة لا تقتصر على الحرب ضد الطبيب الآخر بشار الأسد، في الوقت الذي تكثر فيه مخاوف السوريين من تغيرات في المواقف الدولية، سببها الإصرار الأميركي على إطالة عمر الصراع في سوريا، وعدم التدخل ضد الأسد، وعدم السماح بتسليح نوعي للجيش السوري، الذي صعدت بالتوازي معه تنظيمات متطرفة ساهمت أجهزة المخابرات السورية في صناعتها، سواء في النصرة أو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، مما استجلب تحالفاً عسكرياً دولياً للحرب ضدها.

وفي ظل خارطة مبادرات تطرح خلف بعضها البعض، للتوصل إلى الحل السياسي المنشود في سوريا، وفقاً لبيان جنيف 1، ولكن نظام الأسد، لم يقل يوماً واحداً بأنه يقبل الحل السياسي، بل واصل حديثه عن حربه على الإرهاب الإسلامي، واعتبر أن المعارضة السورية مجرد مجموعة من العملاء والخونة المرتبطين بالغرب الذي يطمح الأسد علناً إلى التحالف معه في الحرب ضد داعش.

خالد خوجة يصرّ على التأكيد على علاقة وثيقة مع السعودية والإمارات ومصر معتبرا أن تلك الدول تمثّل العمق الاستراتيجي الحقيقي للسوريين

يبدو قدوم خالد خوجة، حاسماً لعدد من الصراعات داخل الائتلاف، كادت أن تودي به إلى الانهيار، فهو تجمع سوري، لكنه قائم على التأثيرات الدولية في اتجاهات الكتل المشكّلة له، تأثّر ويتأثر بحرب المحاور في الإقليم، ورغم أن كثيرين يعتبرون خوجة مقرّبا من الإخوان المسلمين وتركيا، إلا أن المتابع لمسار الرجل وتصريحاته، يراه حريصاً على رسم خطوط علاقات واضحة مع كل من دول الخليج السعودية والإمارات وقطر من جهة، والمحافظة على رصيد من العلاقة مع الأتراك، والانفتاح على المصريين والمغرب العربي من جهة أخرى، الأمر الذي سيساعد الائتلاف على التنفّس خارج رئة الصراعات الداخلية في ما بين مكوناته، مستفيداً من الدعم السياسي لدول ذات ثقل في المنطقة.

وبالانتقال إلى السياسي، سيكون على خوجة المرور، مع فريقه الرئاسي الجديد، من خلال جملة التناقضات المحيطة بالملف السوري، وعدم إضاعة الوقت، لأنه يعرف جيداً أن كل دقيقة تمرّ تصبّ في صالح الأسد، وليس في صالح الشـعب.

بتثبيت حكومة الدكتور أحمد طعمة، وإغلاق التنافس على قيادة الائتلاف لستة أشهر قادمة، تدخل المعارضة السورية، طوراً من الاستقرار المؤقت، يتيح بالفعل كما هو واضح من البرنامج الذي أدلى به خالد خوجة، الالتفات إلى شؤون اللاجئين السوريين في المخيمات والمناطق التي ما زالت تحت سيطرة المعارضة، وليس تحت سلطة الأسد أو داعش.

وفي الوقت الذي تصعّد فيه دول الخليج، حربها النفطية، ضد إيران وروسيا، تهوي أسعار النفط، وتنهار بالتدريج قدرة داعمي الأسد على تقديم المزيد له، أو القدر السابق على الأقل، بينما تلعب السعودية في لبنان من خلال المصالحة ما بين الحريري ونصرالله، لدفع عجلة السياسة كبديل عن تدخل حزب الله في سوريا عسكرياً، وتفتتح سفارتها في بغداد، بعد أكثر من أربعة وعشرين عاماً من الإغلاق، بينما تتقدم المصالحة القطرية المصرية، لتعود مصر للعب دورها في الأمن القومي العربي، أوروبا تصاب في باريس بحادثة الاعتداء على جريدة شارلي إيبدو وقتل رسامي الكاريكاتير، وتستنفر القوى الأمنية والدبلوماسية في أوروبا كلها للحديث عن خطة أمنية مشتركة لمحاربة الإرهاب، بالتأكيد ستكون الولايات المتحدة طرفاً فيها، يطمع الأسد أن يكون له نصيب من كعكة شارلي إيبدو، وإن تبدّل الموقف الدولي وقرّرت بعض الدول التعاون مع نظام الأسد في الحرب على الإرهاب، فلن يكون لدى الائتلاف ورئيسه الكثير ليفعله، أكثر من الخدمة المدنية والإغاثية، لمعالجة شؤون الشمال السوري، بينما يسيطر الأسد على سوريا “الصغرى” كما سمّتها إسرائيل، وهي شريط يمتد من دمشق إلى حمص إلى الساحل السوري، بمساحة تقل إلى نسبة الثلث عن المساحة الإجمالية لسوريا، بينما تستمر الغارات على الثلثين بحثاً عن داعش وفلولها.

كانت التصريحات الأولى التي صدرت عن رئيس الائتلاف الجديد خالد خوجة، تتصل مباشرة بدعوته جبهة النصرة، التي أعلنت مبايعتها للقاعدة وأيمن الظواهري إلى خلع تلك المبايعة، وكان لافتاً اهتمام رئيس الائتلاف بهذا التفصيل، ليظهر وكأنه يعمل على تفكيك المشكلات في الساحة السورية، فحين تتخلى النصرة عن القاعدة، تبدأ بالتفكك، في الوقت الذي يبني فيه المجتمع الدولي بالتعاون مع أربع دول في الشرق الأوسط جيشاً موحداً للثورة السورية، في تركيا والأردن والسعودية وقطر، ستبدأ دوراتها وتدريباته الرسمية في آذار مارس القادم، مع أن كثيراً منها كان قد بدأ بالفعل قبل فترة ليست بالقصيرة.

سيكون على خوجة المرور مع فريقه الرئاسي الجديد من خلال جملة التناقضات المحيطة بالملف السوري، وعدم إضاعة الوقت لأنه يعرف جيداً أن كل دقيقة تمرّ تصبّ في صالح الأسد


وصفة أسوأ الاحتمالات


ينظر خالد خوجة إلى الواقع السوري الراكد، على حالة عدم الحسم بين المتصارعين، بمن فيهم تنظيم داعش، على أنها فرصة مواتية لإعادة ترتيب الأوراق، والتدهور المتوقّع، في أوضاع المعارضة السورية، لن يتجاوز انفتاح بعض الدول على نظام الأسد، الذي لم يعد يملك أكثر من كليومترات قليلة بعيداً عن قصر المهاجرين، حيث مكتب بشار الأسد وسكنه، بينما يسيطر على الأجواء بالطيران والقصف الصاروخي، وهو ما لا يعدّه الخبراء تفوقاً عسكريا، بقدر ما هو إمعان في تقاسم مناطق النفوذ، ولذلك فقد سارع خوجة إلى التصريح بالشكر والعرفان للملك عبدالله بن عبدالعزيز ملك السعودية، وقال إن مواقفه “كانت السند الرئيسي للشعب السوري الذي يواجه آلة الحرب الأسدية القميئة التي أهلكت الحرث والنسل السوريين، وجعل من الأزمة السورية حية وحاضرة في المحافل الدولية وفي ضمائر الشرفاء”.

وقال في حوار أجرته معه صحيفة عكاظ السعودية: “إن موقف الائتلاف يتمحور في استكمال الحوار السياسي من حيث انتهى وتحديدا من جنيف 2 باعتباره الإطار الأساسي للعمل السياسي ولا يمكن القبول بأي أطروحات لا تتناغم من جنيف 2”.


تفاوض لا حوار


يؤكّد خالد خوجة على أن موقف الائتلاف والمعارضة السورية، هو “الاستعداد للتفاوض مع نظام الأسد على بيان جنيف1، وتسليم السلطة، وتشكيل هيئة حكم انتقالية، وهو ما لا يمكن أن يطلق عليه تعبير”حوار”، الأمر الذي يجعل من العبث الموافقة على دعوة الروس إلى حوار بين النظام والمعارضة في موسكو”.

ليركّز جهوده المقبلة على مشروع بناء “منظومة عسكرية موحدة ستكون نواة حقيقية لمؤسسة العمل العسكري في سوريا وأحد أهم الدلائل على نجاح الثوار في الانتقال بالكتائب والألوية العسكرية من حالة الانتشار إلى مرحلة التنظيم والهيكلة والمؤسسة العسكرية، وهذا ما نسعى إليه في المرحلة القادمة لأننا نطمح إلى مؤسسة العمل العسكري وتوحيد المجالس العسكرية تحت وزارة الدفاع وانضواء جميع المجالس القروية وقيادات الجيش الحر تحت مظلة وزارة الدفاع”.

8