خالد صدقة شاعر يعرف أماكن الفخاخ ولا يؤمن بالغابة

لم يعد المنتج الفني، ومنذ بدايات الحداثة، يمتلك أي هالة تكسبه أصالته، فبعد ظهور المدن بشكلها الحديث والصناعات الثقافيّة، لم يعد من السهل على العمل الفني أن يتجاوز الصيغة الاستهلاكية وهو ما يتجلى في اللغة التي لم تعد منابعها حكرا على أحد ليختفي بذلك الحد الفاصل بين ما هو يومي وما هو شعري، وهذا التلاشي للحدود فتح الباب أمام اللغة المتداولة كي تؤسس لجماليتها وتبحث عمّا قد يكون ضد الشعري وما يبتعد عن الحساسية الاعتيادية للشعر، لنقرأ نصوصا تتيح لكاتبها أن يكون “شاعرا” كونه خارج أي تصنيف.
الاثنين 2016/10/17
الغابة ليست مسرح الشاعر (لوحة للفنان جون برامبيلت)

يبني الشاعر الأردني الفلسطيني خالد صدقة في ديوانه الجديد الموسوم بـ”كلهم يركضون خلفك: الصياد والغزالة والغابة”، عوالم من النزق والتفاصيل اليومية الروتينيّة التي تتكرر حد التهاب الرأس، لنراه بعدها يعيّن نفسه شاعرا/ ملكا، مملكته سيارته وفندقه وحبيبات ضائعات، أما الكتابة فتظل مجرد تمارين ضد الذاكرة للحفاظ على الخيال، الذي يتلاشى أمام أول انقطاع للمياه أو نفاد للسجائر، إذ يقول “في الحقیقة أنا لا أكتب، أنا ألعب فقط، ولم آخذ الكتابة یوما على محمل الجدّ”. وانطلاقا من هذا الاعتراف بإمكاننا أن نقارب بين تجربة صدقة، التي تسعى إلى الارتقاء باليومي اعتمادا على روتينه الاستمنائي/التكراري وبين سطوة أسماء الإعلام الشهيرة التي نقرأها في الديوان، لنبدو وكأننا في فضاء الشاعر الخاص.

أفخاخ للقارئ

الديوان محكوم ببناء حكائي نراه يراوح بين فضاءات يومية لا تترك للمخيلة مجالا لملء الفراغات في الفضاء

يضبط الديوان، الصادر حديثا عن دار “الأهلية للنشر والتوزيع”، كبنية حكاية من نوع ما، أفعالا روتينية ورّطت الشاعر في الكتابة، لتبدو رفاهية الكتابة وكأن الشعر وليد هذا الفراغ، فهو أرق ليلي جعله يَقتصِد في سجائره أو يمشي في الشوارع أو يتأمل البحر، ويستحضر في رأسه موتى وأحياء أو حبيبات يبني لهن عوالم خاصة لا تشبه عوالمه التي لم يبق فيها من أثر الحبيبة إلا وجهها الذي يتلاشى وقطعة من ثيابها نستها في سيارته، إذ يتأمّلها وهو يحاول ضبط حرارة المياه لغسل وجهه.

يراوح هذا البناء الحكائي بين فضاءات يوميّة لا تترك للمخيّلة مجالا لملء الفراغات في الفضاء، حيث أنها صدقة يحكمنا بعوالمه، إذ يقول “صرت أعرف أماكن كل الفخاخ/ ولم أعد أؤمن بالغابة”، إذ نراه يبني غابته وفخاخه الخاصة ليوقعنا فيها، وهي أشبه بجنازير تشدّ الرقبة لا للقتل بل لمتعة تأمّل تسارع نفس الضحيّة، كذئب سقط ذكره من عنوان الديوان.

الصيغة المتعلقة بالوضعيات الجسديّة، نراها تتجلى في مورفولوجيا بعض النصوص، إذ يتشكلّ النص بصريا أمامنا، كأن ينحدر حين الحديث عن الغرق أشبه بكاليغراف، أو نراه فقرات متراصة تتكرر فيها العبارات وكأننا نقرأ ما يفكر فيه، وهو أشبه بمن يقرأ المحاكمات العقلية لأحدهم، إذ نبتعد عن الشعر هنا لنقرأ ما يشبه الهلوسات التي تسبق الشعر.

عوالم من النزق والتفاصيل اليومية

تتلاشى عملية الاختيار لما سيوضع على الورق لنقرأ دماغا مفتوحة، وهذه التسارعات في النبض التي نراها مكشوفة أمامنا تأخذ أحيانا شكل الاختناق، لنرى الإيقاع متسارعا لا لطلب النفس بل للتدخين، حيث هناك إدمانات وتفاصيل صدقة تحضر أمامنا على الورق، فهو لم يعد ضحية الذئب فقط بل هو هدف يريد الجميع اقتناصه، لنجده إثر ذلك يداري ما تبقى لديه، و”يلعب” بالشعر بانتظار أن يَقتل أو يُفتل، إذ نقرأ “بالإضافةِ إلى طعمِ الفودكا السيء/ فأنا أفكر جدیّا بالنزولِ من السیارة وقتل السائق الذي یقف ورائي الآن/حبیبتي مشغولةٌ الآن ولا تردُّ على الهاتف/هذا لا یزعجني، لیس هذا ما یزعجني تحدیدا/أرید أن أكتبَ/أفكِّر في رَكْن السَّیارة على جانب الطریق لأكتب”.

تلاشي الغرابة

اللغة في ديوان صدقة شديدة الألفة، فهي تشبه الأحاديث اليومية وكأننا قادرون على توقع ما سيقال، فالأخير (الكاتب) تجرّأ وبذل جهدا في كتابة ما نفكّر على الورق بوصفه شعرا. التناصات مع الشعر العالمي بل ومهاجمته أحيانا، نراها تحمل في داخلها صيغة الهزء لا الانتقاد أو الاستفادة، ويرتبط ذلك بالعوالم الشعريّة التي يبنيها الشاعر لنفسه، أشبه بمن يحطم صورة المرآة عن ذاته، ليعيد لملمة الفتات مكونا “صورته”، فادعاء “الشعر” يحضر بشدة في الديوان.

الشاعر وإثر علاقة الضد مع العالم يطلق على نفسه صفة الشاعر، لا من موقف انتهاكي لما هو حوله بل نتيجة للنزق، ذلك الذي قد يصل به إلى حد القتل والتأفف ممّن حوله، فهو لا يبحث عن قضايا الشعر نفسه أو ما حوله، بل إنه يريد فقط لماء الصنبور أن يسخن أو أن ينسى وجه حبيبته أو يتذكر لقاءاته معها، هو حبيس غرفته أو سيارته التي قد يشطح به الخيال لتتحول إلى فضاء للحب.

كتابة القصيدة عند صدقة ليست عملية بناء أو بحث في سبيل التأسيس للمعنى، هي انتظار وأرق، فالشعر يراوده وقد يغيب عنه لأشهر ثم يأتيه، ويتنقل بين مكان وآخر منتظرا أن تهبط القصيدة، وهذه الصيغة الاعترافية للشعر تحمل معها شعائر خاصة، كالقهوة التي يفرد لها نصا ويدعو الجميع إلى احتسائها، أو الفودكا التي أيضا يتمناها للجميع، وهذه الصيغة في الممارسة الشعريّة تجعل القصيدة محكومة بالمزاج، لا بالشعر ذاته، كأن الممارسة الشعرية هي ما بقي للشاعر بعد الخذلان الذي يحيط به، محاولا تحويل شظاياه وروتينه إلى شعر.

14