خالد علي مصطفى صاحب "المعلقة الفلسطينية".. رحل في بغداد

الشاعر الفلسطيني الراحل يمتلك بعدا رؤيويا خاصا، جعلت من شعره يمتاز بفرادة لا يتوافر عليها متن الشعر الفلسطيني.
الخميس 2019/02/28
شاعر متفرد لم ينل حظه من النقاد

نعى عدد من الأدباء والكتّاب الفلسطينيين والعراقيين الشاعر والناقد الفلسطيني خالد علي مصطفى، الذي وافته المنية الثلاثاء في أحد مستشفيات بغداد، إثر عملية جراحية أجريت له.

ولد خالد علي مصطفى في قرية عين غزال القريبة من حيفا عام 1939، وحينما وقعت نكبة 1948 التجأت أسرته إلى العراق. أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية في البصرة، ثم التحق إلى كلية الآداب في جامعة بغداد، قسم اللغة العربية ليتخرج عام 1962. وواصل في ما بعد دراسته العليا ونال شهادة الدكتوراه، أثناء عمله أستاذا في الجامعة المستنصرية.

نشر الشاعر قصائده منذ نهاية الخمسينات، وعرف اسما بارزا في الشعر الفلسطيني المعاصر مع محمود درويش وسميح القاسم ومعين بسيسو وتوفيق زياد ومحمد القيسي وآخرين من شعراء الشتات. كما أنه من جيل شعراء الستينات المهم في الشعر العراقي، الذي يختلف عن جيل السياب والملائكة والبياتي في الحساسية، وفي تكوينه الثقافي، ومفهومه للحداثة والتحديث.

وهو إضافة إلى ذلك واحد من جماعة البيان الشعري الصادر عام 1969 الذي كتبه فاضل العزاوي، ووقعه سامي مهدي وفوزي كريم، ونُشر في العدد الأول من مجلة “الشعر 69”، واكتفى هو، بوصفه رابع شعراء البيان، بنشر نص شعري له. وقد عكس ذلك البيان المناخ الثقافي الذي كان سائدا في الستينات، ودعا إلى تأسيس رؤيا جديدة للشعر، ورسم أفق جديد لحداثة تتكئ كثيرا على المعرفة المستمدة من التراث الأدبي العربي، بشعره ونثره، إضافة إلى دور المثاقفة في تطوير الرؤيا والأداة. كما أن البيان عُدّ أول محاولة لوضع أساس صحيح لحرية الكتابة واستقلاليتها عن كل سلطة.

الشاعر عرف اسما بارزا في الشعر الفلسطيني المعاصر كما أنه من جيل شعراء الستينات المهم في الشعر العراقي
 

أصدر خالد علي مصطفى 6 مجموعات شعرية، هي “موتى على لائحة الانتظار”، “سفر بين الينابيع”، “البصرة- حيفا”، “المعلّقة الفلسطينية”، “غزل في الجحيم”، و”سوّرة الحب”. كما أصدر عددا من الكتب النقدية، منها “في الشعر الفلسطيني المعاصر”، و”شعراء البيان الشعري”.

ويرى بعض النقاد أن قصائد الشاعر مصطفى تمتلك بعدا رؤيويا خاصا، جعلت من شعره يمتاز بفرادة لا يتوافر عليها متن الشعر الفلسطيني، فهو شعر مكتنز بالإيحاءات التي تفضي إلى عدد لا يحصى من الدلالات المتنوعة، ومن ثم بقي بعيدا عن الجمل المباشرة والهتافية والاحتجاج التي تقتل روح الشعر. لذلك فإن فرادة نصه الشعري متأتية من هذا الحرص الشديد على ثراء الجملة الشعرية بأفق واسع من الدلالات الموحية، والاهتمام الخالص باللغة.

 يقول سامي مهدي في شهادة له عن خالد علي مصطفى وشعره إنه “شاعر مبدع مجتهد، مثقف، واسع الثقافة، عميقها، وهو معروف بطلاقة لسانه، وخصب حديثه، لم تغره السهولة ولا بهارج اللعبة، ولم يُعنَ بالادعاء، أو الاستعراض، ولا البحث عن الأضواء. إنه يكتب قصيدته ويتركها لنا، ولا يمنّ بها علينا، ولكن النقد لم يولِ شعره من الاهتمام ما يستحقه، ومن الدراسة ما هو جدير بها”.

ثراء الجملة الشعرية بأفق واسع من الدلالات الموحية
ثراء الجملة الشعرية بأفق واسع من الدلالات الموحية

تناول خالد علي مصطفى في كتابه “شعراء البيان الشعري”، الذي تضمن تمهيدا وأربعة فصول وعددا من الملاحق، التمثلات التكوينية لجيل الريادة الشعرية في دار المعلمين العالية في أواخر أربعينات القرن الماضي، وجيل “المغايرة الشعرية” في كلية الآداب في الخمسينات، وهو جيل بدأت لديه هواجس البحث عن ملامح أخرى للشعر في العراق، وتجاوز النزعات الرومانسية للروّاد، والانفتاح على فضاءات التجريب والتحديث.

ودرس في فصول الكتاب المرحلة الشعرية المبكرة، التي اعتبر “البيان الشعري” تعبيرا عنها، لثلاثة شعراء هم سامي مهدي وفاضل العزاوي وفوزي كريم، كما وقف على “القصيدة القصيرة” من خلال أنموذجها الذي كتبه سامي مهدي، بوصفه أحد كتّاب “البيان الشعري”، خاصة في قصائد ديوانه الأول “رماد الفجيعة”. ودرس كذلك تجربة فاضل العزاوي، من خلال مدخل عن المختلف الثقافي والأيديولوجي، الذي يمثله، كونه جاء من بيئة مختلفة فيها تعددية ثقافية، بيئة “جماعة كركوك” ذات النزعة التجريبية.

وأفرد فصلا لتجربة فوزي كريم، بوصفه القطب الرابع في كتابة البيان، وكونه شاطر الشعراء الآخرين في التعبير عن وعي جديد ومغاير للواقع، ولما هو سائد في الكتابة الشعرية، حيث وجد في لعبة الحلم مجاله الرحب للكشف عن أجواء ورؤى، لها نزعتها الدنيوية كما يسميها المؤلف.

من مواقف خالد علي مصطفى النقدية أنه سجّل مؤاخذات على محمود درويش وأدونيس وأنسي الحاج، فاعتبر أن ديوان درويش “سرير الغريبة” يبرز فيه الاتجاه الذاتي، فيما اتهم أدونيس بأنه شاعر أيديولوجي، رغم أنه شاعر كبير ومتواصل، ولا تفارقه روح الشباب والتجريب، ويقصد بذلك أنه ينطلق في شعره من وضع أيدولوجي قائم لديه ومستمر معه دون أن يستطيع مغادرته، ولذا جاء شعره ليس تعبيرا عن تحولات في الأيديولوجيا، بل عن تحولات في الأسلوب والتشكيل اللغوي. أما أنسي الحاج فلم يعد، حسب رأيه، يقول شيئا، خاصة في دواوينه الأخيرة، حيث أخذ يميل إلى ضرب من النثر التوراتي التقليدي.

15