خالد مجاور ثعلب سيناء القريب من الدوائر الأميركية

رئيس المخابرات الحربية يرى أن الأعداء في كل مكان يتغيرون والاستراتيجيات العسكرية تتبدل من زمن لآخر، ولا ثبات لعدو ما أو صديق ما في العلوم العسكرية الحديثة.
الأحد 2019/01/06
جنرال غير تقليدي

رغم التراجع الكبير في مُعدل العمليات المسلحة التي تقوم بها جماعات إرهابية في مصر على مدى العام، لا تزال تطل برأسها من وقت لآخر، ما يستوجب التعامل معها باستراتيجية مخابراتية متشابكة، لأن العنف الذي يمارس له امتدادات خارج الحدود، والمنطقة يعاد النظر في بعض صراعاتها العسكرية أملا في تسكينها.

ومصر اليوم تواجه تحديات صعبة على المستوى الأمني، بسبب الأوضاع المتدهورة، جنوبا في السودان، وغربا في ليبيا، فضلا عن استمرار حالة التوتر على مسرح الأحداث الأهم في شبه جزيرة سيناء والمنطقة المجاورة لقطاع غزة من جهة الشمال.

وترتبط  تلك التحديات الأمنية برصد البعض لحالة من الاحتقان المكتوم على المستوى الشعبي، بسبب صعوبة الأوضاع المعيشية، فضلا عن التوجه نحو محاولة تعديل الدستور المصري، بما يسمح بتمديد فترات ولاية رئيس الجمهورية. وكلها عوامل تستوجب التعاطي معها بحذر والمزيد من الحيطة، خوفا من انفجارها في وجه الجميع.

استراتيجية أمنية متحولة

رئيس المخابرات الحربية الجديد هادئ ومُنفتح ويمتلك حلولا أمنية وسياسية مبتكرة
رئيس المخابرات الحربية الجديد هادئ ومُنفتح ويمتلك حلولا أمنية وسياسية مبتكرة

تغيرت الاستراتيجية الأمنية في مصر، عقب ثورة 30 يونيو سنة 2013، وتقدم الدور المنوط القيام به من جانب جهاز المخابرات الحربية على كثير من الأجهزة الأمنية الأخرى، ثقة من القيادة السياسية في أدائه خلال الفترة التالية لثورة 25 يناير 2011، وتضاعف الاهتمام به ومتابعة أدائه، فضلا عن أن تجديد دمائه أصبح ضرورة لدى الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي كان رئيسا لهذا الجهاز إبان اندلاع ثورة يناير.

لم يكُن مفاجئا أن يتم مؤخرا تعيين اللواء خالد مجاور مديرا للمخابرات الحربية، خلفا للواء محمد الشحات الذي شغل المنصب لثلاث سنوات، فمُنذ تولي مجاور في سبتمبر الماضي منصب نائب مدير الجهاز، وهناك يقين عام بأن خطوته التالية ستكون إدارة الجهاز الأمني الأول في البلاد.

جرى اختياره منذ حوالي ثلاثة أشهر، وتم الإعلان عن ذلك رسميا في 23 ديسمبر، ومن عادة الأجهزة الأمنية اختيار رؤسائها قبل وقت من الكشف عن أسمائها للجمهور، وبعد القيام بترتيب الأوراق، وتجاوز عملية التسليم والتسلم بسلاسة.

يتفق الكثير من المراقبين على أن اختيار مجاور يبدو تطورا طبيعيا، لأنه كان يشغل منصب قائد الجيش الثاني، والذي يُمثل القوات الفعلية المُشتبكة مع قوى الإرهاب في مصر، وهو ما جرى مع اللواء الشحات نفسه، الذي خدم أولا كقائد للجيش الثاني، قبل أن توكل له مُهمة إدارة المخابرات الحربية.

رجل المهام الصعبة

تولى مجاور مسؤولية الجيش الميداني الثاني، ومركز قيادته يقع من مدينة الإسماعيلية لنحو ستة عشر شهرا، امتدت من أبريل 2017 إلى سبتمبر 2018، وصف خلالها بأنه ثعلب سيناء الشجاع، ورجلها القوي، لأنه لعب دورا هاما في نجاح العملية الشاملة في سيناء، التي استهدفت قطع دابر إرهاب من هناك، ونجح في تأمين المؤسسات الحيوية.

يوصف مُجاور القادم من خلفية متنوعة الخبرات والمراكز بأنه رجل المهام الصعبة، وتتسع علاقاته، على خلاف الكثير من العسكريين، لتشمل دبلوماسيين رفيعي المستوى، وممثلي شركات عالمية كبرى، وشخصيات عامة، وإعلاميين دوليين، ما رسّخ قناعة لدى المُتابعين بأن مهمة كبيرة ستوكل للجهاز السيادي الصارم، تستلزم وجود شخصية أوسع إدراكا، وأكثر انتشارا، وتحظى بثقة المجتمع الدولي والدبلوماسي للقيام بدور أكثر فاعلية.

لم يعد دور جهاز المخابرات الحربية في مصر قاصرا على المجال العسكري، حيث امتد لمتابعة الكثير من الأمور والقضايا التي يعتقد أنها تدخل في نطاق أعمال مدنية أو حتى اقتصادية.

 تولّي مجاور لمنصبه الجديد، في هذا التوقيت، يرتبط بتكثيف علاقات التعاون والتواصل مع الإدارة الأميركية، لأن الرجل نجح في نسج علاقة قوية مع مؤسسات رسمية عديدة في واشنطن واقترب من دوائرها المؤثرة، خلال فترة عمله كملحق عسكري هناك، ويؤخذ هذا الاختيار أحيانا كدليل على أن العلاقات بين مصر والولايات المتحدة سوف تشهد تطورات وتفاهمات إيجابية كبيرة الفترة المقبلة.

مرجح أن يلعب مجاور دورا مهما في زيادة وتيرة التعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة، بحكم خبراته الطويلة في التعامل مع الشؤون الأميركية، ومؤسسات مختلفة هناك، والرغبة المشتركة، بين واشنطن والقاهرة، في التقارب بشأن بعض الملفات التي تستوجب حسما، بما يعيدها إلى سخونتها التي كانت معروفة عنها.

اختيار مجاور يبدو تطورا طبيعيا، لأنه كان يشغل منصب قائد الجيش الثاني الذي يُمثل القوات الفعلية المُشتبكة مع قوى الإرهاب في مصر، وهو ما جرى مع سلفه اللواء محمد الشحات نفسه، الذي خدم أولا كقائد للجيش الثاني، قبل أن توكل له مُهمة إدارة المخابرات الحربية

ويحظى الجنرال المصري بثقة الرئيس عبدالفتاح السيسي، منذ أن أوكل له منصب الملحق العسكري المصري في واشنطن عام 2016، بعد أداء مُبهر قدمه الرجل في سيناء عندما عمل رئيسا لأركان الجيش الثاني.

لقد كان في واشنطن بمثابة سفير حقيقي لمصر، رغم وجود سفير تابع لوزارة الخارجية، هو السفير محمد رضا، نظرا إلى اهتمام معظم دوائر صنع القرار الأميركي بالتواصل معه للتعرف بشكل أكبر على دور المؤسسة العسكرية المصرية في مفاصل الحكم، ونقل رسائل استراتيجية إلى القاهرة.

في تلك الفترة تحديدا رسّخ الرجل ثقة السيسي فيه باعتباره واجهة مُتميزة، وكشف عن  قدرات كبيرة في الانفتاح على الُمجتمع الأميركي، والتواصل مع المؤسسات المختلفة، على المستوى العسكري والسياسي.

لم يكن غريبا أن يلتقي الرجل بهيئات اقتصادية كبرى، وشركات متعددة الجنسيات، ومراكز أبحاث ودراسات، وينجح في إبهارهم، باعتباره شخصية مُختلفة تماما عن العسكريين التقليديين. فهو يُجيد التحدث باللغة الإنكليزية، ويفهم طبيعة المُجتمعات الغربية، ويدرك طُرق التفكير لديها، ويتسع صدره لانتقادات عديدة توجه لسياسات مصر، ويرد عليها بهدوء ومن دون انفعال.

ومع الوقت أثبت مجاور قدرة لافتة في الحوار مع وسائل الإعلام الأميركية، والرد على ما يُثار فيها حول جماعة الإخوان والإرهاب، من خلال خبراته في العمل الميداني على أرض الواقع، وعقد اجتماعات كثيرة مع مُمثلي وسائل الإعلام الأميركية لتوضيح أمور قد تكون ملتبسة عند البعض في الشأن المصري.

يتصف مجاور، كسمة غالبية العسكريين في مصر، بالثبات الانفعالي والقدرة على التعامل مع المواقف الصعبة، فضلا عن الإخلاص والوفاء للجيش المصري كمؤسسة بعيدا عن الأشخاص، وهو ما كان يُكرره دوما أمام الناس، مؤكدا أنه لا يعبأ بالمناصب أو المواقع، وعلى استعداد لخدمة بلاده من أي مكان.

المعلومات هي السلاح

الحرب ضد الإرهاب يعتبرها مجاور أقسى وأصعب كثيرا من الحروب التقليدية، لأن قتال الإرهابيين وسط المدنيين أمر بالغ الصعوبة، خوفا على أرواح النساء والأطفال
الحرب ضد الإرهاب يعتبرها مجاور أقسى وأصعب كثيرا من الحروب التقليدية، لأن قتال الإرهابيين وسط المدنيين أمر بالغ الصعوبة، خوفا على أرواح النساء والأطفال

يقول مقربون منه إنه يتمتع بذكاء شديد وتواضع لافت مع ضيوفه، وقادر على إبهار من يلتقيهم للمرة الأولى، من خلال معلوماته ولباقته وحديثه الذي يبدو صادرا من القلب.

يرى أن المعلومات السلاح الأهم في الحرب، وتحسم مبكرا الكثير من المعارك، لذلك يُعد الرجل من أهم المُتابعين لكُل ما هو جديد في الأنظمة المعلوماتية الحديثة، ولا يمنعه ذلك من التواصل مع معارفه وأصدقائه عبر البريد الإلكتروني والتطبيقات التكنولوجية الحديثة.

في تصور العارفين به، أن تلك الصفات مُجتمعة أهلته للصعود بسرعة إلى إدارة أهم جهاز أمني في مصر، ويلعب دورا كبيرا في تقديرات المواقف على المستوى الداخلي والخارجي.

للرجل تاريخ يعرفه مَن خدموا معه، خاصة في سيناء، حيث عمل فيها لسنوات طويلة جعلته خبيرا بدروبها، ومُتماهيا مع أزماتها، ومدركا لمشكلات أهليها، لأنه بدأ العمل هناك مبكرا في ظل السيطرة الكاملة للجماعات الإرهابية على غالبية مناحي الحياة في وقت سابق.

التحديات الأمنية المصرية ترتبط برصد البعض لحالة من الاحتقان المكتوم على المستوى الشعبي، بسبب صعوبة الأوضاع المعيشية، فضلا عن التوجه نحو محاولة تعديل الدستور المصري، بما يسمح بتمديد فترات ولاية رئيس الجمهورية

شرح مجاور من قبل في إحدى محاضراته جانباً مما واجهته مصر في سيناء، فذكر أنه في نهايات عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك كانت سيناء مرتعا لأخطر مُجرمي العالم ليستوطن فيها مُجرمون كُثر، بخلاف جماعات الإرهاب، فقد تركتها الدولة تماما دون اهتمام أو تخطيط أو تنمية لتصبح بيئة خصبة لنمو جرائم عديدة، من دعارة ومخدرات وتجارة أعضاء بشرية وخطف وسطو، مؤكدا أن عدد الأنفاق السرية وصل إلى أكثر من أربعة آلاف نفق، تربط سيناء بالضفة الأخرى في غزة، لتسيير التجارة غير الشرعية بين الجانبين.

وصل الأمر بالمهربين والمستفيدين من تلك الأنفاق إلى أنهم كانوا يعيدون حفرها بسرعة مذهلة، إذا تعرضت للتدمير أو الإغلاق من الجانب المصري، الذي صب الفولاذ بعمق 20 مترا على الحدود لسد الأنفاق، وكانت المفاجأة أن مافيا الإجرام ثقبت بعض حوائط الفولاذ لتنفذ بسلعها وممنوعاتها وأسلحتها.

وحسب كلام مجاور، الذي تنقله عنه “العرب” مباشرة، فقد انتقلت أسلحة لا حصر لها إلى مصر، واستخدمت فيما بعد في دعم الجماعات التكفيرية، وتلغيم الطرق الرئيسية واستهداف كمائن متباينة للجيش.

الأعداء في كل مكان

نشاطه الكبير في واشنطن جعله يُعامل بمثابة سفير حقيقي لبلاده فيها، رغم وجود سفير تابع لوزارة الخارجية المصرية
نشاطه الكبير في واشنطن جعله يُعامل بمثابة سفير حقيقي لبلاده فيها، رغم وجود سفير تابع لوزارة الخارجية المصرية

مع الحرب ضد الإرهاب تم ضبط الكثير من الأسلحة مدوناً عليها “سرايا القدس” والكثير من القتلى والمضبوطين كانوا من الصومال ورومانيا والسودان، وجنسيات أخرى، سعوا إلى إعلان “ولاية سيناء” من مخابئهم، التي تتبعتها القوات المصرية فيما بعد، وقضت عليها.

حكى الرجل كيف صار لديه يقين بدموية وخسة وغدر جماعات التكفير في سيناء، عندما كانوا يختبئون وسط الأطفال والنساء، وبعضهم يستجير بالقوات المسلحة لإنقاذهم، فيسارع بعض الجنود نحوه لينفجر في وجوههم إلى أشلاء قاتلة.

يرى مجاور أن الأعداء في كل مكان يتغيرون، والاستراتيجيات العسكرية تتبدل من زمن لآخر، ولا ثبات لعدو ما أو صديق ما في العلوم العسكرية الحديثة.

يَعتبر الحرب ضد الإرهاب أقسى وأصعب كثيرا من الحروب التقليدية، لأن قتال الإرهابيين وسط المدنيين أمر بالغ الصعوبة، ويطلق هؤلاء الرصاص على جنود الجيش، ثم يختبئون في مجمعات سكنية، لا يُمكن الاقتراب منها خوفا على أرواح النساء والأطفال القاطنين فيها.

يُنسب إليه دور كبير في استهداف الجماعات التكفيرية، حيث وضع خطة لجمع المعلومات عن العناصر الإرهابية عبر السيطرة على اتصالات الإرهابيين، وتحديد أخطر العناصر وتصفيتها. كما أنه شارك في وضع خطة احتواء شامل للإرهاب، كانت أهم عناصرها عمل مشروعات تنموية اقتصادية، تشمل بناء مصانع ومستشفيات ومدارس جديدة، وتوفير فرص عمل متنوعة لأهالي سيناء.

استطاع مجاور تغيير ثقافات العديد من كوادر القوات المسلحة خلال عمله، وحفّزت شجاعته وإصراره على التصدي للإرهابيين، باعتبارهم أعداء للبشرية والوطن والإسلام، الضباط والجنود المصريين على التنافس في الخدمة بجواره في شبه جزيرة سيناء.

رغم كل مؤهلات الرجل الكبيرة، إلا أن ذلك لا يُمثل ضمانا لاستمراره في المقعد الجديد، الذي سبق أن شغله الرئيس عبدالفتاح السيسي، ومر به عسكريون مثل المشير عبدالحليم أبوغزالة وزير الدفاع المصري الأسبق، والمشير عبدالغني الجمسي رئيس عمليات حرب أكتوبر، وغيرهما.

يرجع ذلك إلى استراتيجية جديدة للجميع يتبعها الرئيس السيسي، مفادها سرعة تدوير المراكز الهامة داخل القوات المسلحة المصرية بمعدل أكبر كثيرا مما كان عليه في السابق، والشواهد على ذلك عديدة، ولاحت مُنذ الأيام الأولى لرئاسة السيسي للبلاد في يونيو 2014. ويرى البعض أن ذلك يرجع إلى تخوف القيادة السياسية من أن بقاء أحد القادة في مكان ما لفترة طويلة يساعده على كسب شعبية في موقعه، بما يؤهله لأن يصبح مركز قوة في المستقبل، لكن آخرين يرون أن تلك السياسة مردها الحقيقي ولع السيسي بضرورة محاسبة المقصرين بسياسة الإقالة أو النقل، وهو أمر ضروري في ظل الحرب التي تخوضها مصر ضد قوى الإرهاب.

8