خالد منتصر: الأزهر تحول من العقل إلى النقل، وقياداته غير مقتنعة بالتجديد

فتح الكاتب المصري خالد منتصر، الذي تمت مقاضاته بسبب اتهامه بنشر الفجور لنشره لوحة فنية على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) لنحات إيطالي، النار على المسؤولين في مصر والمؤسسات الدينية متهما كلا منهما بالتقاعس عن تأدية الدور الحقيقي في محاربة التطرف وتجديد الخطاب الديني. وطالب خلال حوار مع “العرب” في مدينة الاسماعيلية (شرق القاهرة بنحو 200 كيلومتر) بأن تحدد الدولة هويتها ما إذا كانت دينية أم مدنية أولا ثم تحرر كافة مؤسساتها من التشدد الذي ضرب أركانها، كما دعا المصريين إلى اختيار أحد طريقين؛ طريق الحضارة أو طريق التخلف.
الجمعة 2017/11/17
خالد منتصر يرفض الوصاية الدينية على الفن والثقافة ومختلف مجالات الحياة

الإسماعيلية (مصر) – نشر الطبيب والإعلامي المصري خالد منتصر صورة منحوتة لتمثال "اغتصاب بروزربينا" عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. وأرفق الصورة بملاحظة " أي موضوع ممكن يبقي فن بس المهم التناول، حتى موضوع الاغتصاب البغيض الكريه صار منحوتة بديعة بسحر الفن ولمسته الغامضة".

لكن هذه الصورة التي نشرها منتصر على صفحته الشخصية لم تعجب الداعية الأزهري خالد الجندي، الذي هاجم منتصر، عبر برنامج يقدمه على إحدى الفضائيات المصرية الخاصة، باعتبار أن "التمثال العاري يحرض على الفسق والفجور" ووصل الأمر إلى حد المطالبة برفع قضية ضده، لأن منتصر حسب الجندي وعدد من شيوخ الأزهر، نشر “صورة جارحة وخادشة للحياء في الوقت الذي تحارب فيه الدولة التحرش…”، وفعلا إثر هذه الدعوة قام أحد المحامين برفع دعوى قضائية ضد منتصر اتهمه فيها بـ”نشر الفاحشة”.

وتحدث منتصر في حوار مع “العرب” بشأن هذا الموقف، مشيرا إلى أن “هذه الصورة ينشر مثلها آلاف المرات يوميا من دون أن يثار أي جدل بشأنها”، لكنه يرى “أن الخطورة هي الموقف الذي صدر من بعض الدعاة”.

وأضاف أن مشيرا إلى أن العالم اتفق على أن تمثال “اغتصاب بروزربينا” إبداع وتحفة فنية، ومن يرى فيه فجورا وخدشا للحياء فهو خطر على المجتمع.

يلخص هذا الجدل ما يعيشه المجتمع المصري، ومجتمعات عربية، من تضارب في الأفكار ووجهات النظر بين المثقف ورجل الدين، وأيضا، كما أشار منتصر، يكشف خطورة المنابر الإعلامية، في وقت قام فيه الأزهر بتعيين 50 من مشايخه للظهور في الإعلام.

وبينما توجه خالد منتصر عبر رؤيته الفنية إلى نخبة من متابعيه وأصدقائه في صفحته على فايسبوك، حول الجندي هذا الرأي الفني الخاص إلى قضية محل نقاش على فضائية مهما كان عدد مشاهديها فإنه من المؤكد أكبر من متابعي صفحة خالد منتصر وأكثر تنوعا، ليعيدنا هذا الجدل إلى جدل آخر أثير منذ ثلاث سنوات، مع دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى تجديد الخطاب الديني. وتوجه السيسي أساسا إلى المؤسسات الدينية، وعلى رأسها الأزهر، لتولي هذه المهمة. لكن هذه الدعوة وقفت عند حدود القول ولم تمر إلى الآن إلى مرحلة الفعل.

الحكومة المصرية تلجأ في شأن مراجعة مواضيع عديدة إلى المؤسسة الدينية في حين أن الأمر بعيد عن مسؤوليتها ونطاق بحثها

وعند طرح السؤال حول أسباب بقاء الحديث عن تجديد الخطاب الديني موسميا، نتذكره فقط مع كل عملية إرهابية كبرى تهز مصر أو إحدى دول العالم، تأتينا الإجابة مما دار بين خالد الجندي وخالد منتصر، والذي يأتي دعما لتأكيد عدد من المثقفين والمؤيدين لفكرة تجديد الخطاب الديني، ومنهم خالد منتصر، على أن عقلية الأزهر المحافظة غير مؤهلة لتجديد الخطاب الديني. ويلفت إلى أن ما أثار تعجبه من القضية هو موقف وزير الثقافة المصري حلمي النمنم الذي لم يعلق على الواقعة، رغم أنه كان يمكن أن توجه له نفس التهمة (نشر الفاحشة والفسوق) باعتباره المشرف على متحف محمود سعيد الذي به العشرات من اللوحات العارية، وكذلك وزير الآثار الذي يوجد تحت إدارته متحف الفن الحديث والمتحف الروماني وجداريات المعابد الفرعونية.

تحديد هوية الدولة

يلقي خالد منتصر اللوم على القيادة السياسية لعدم حسمها مسألة هوية الدولة المصرية، ما إذا كانت مدنية أم دينية قبل الخوض في مسألة التجديد بالأساس، ويرى أن السلطة تلجأ في مواضع عدة إلى المؤسسة الدينية في حين أن الأمر يكون بعيدا عن مسؤوليتها في حال كنا نتحدث عن هوية مدنية حديثة.

وضرب مثلا لجوء الرئيس المصري إلى الأزهر لحسم قراره بتوثيق الطلاق الشفوي مطلع العام الجاري، وهي مسألة ترتبط في البلدان المدنية الحديثة بالتشريعات والمؤسسات القانونية التي يكون الأمر -أو عدمه- مناطا بها، ولا دخل للمؤسسة الدينية في تلك المشكلة، وبالتالي فقد رفضت التوثيق اعتمادا على أن هذا لم يذكر في كتب الفقه.

هذا إلى جانب أنه ذكر العديد من الأدلة التي تثبت أن هناك اختلالا واضحا في تحديد هوية الدولة، على رأسها وجود لجنة للشؤون الدينية في البرلمان، ووجود خانة للديانة في بطاقة الهوية الشخصية، وعدم وجود نص قانوني يبيح عزل شيخ الأزهر أو يحدد مدة تواجده في منصبه، وازدواج التعليم بين حكومي مدني وآخر أزهري إسلامي متاح للطلاب المسلمين فقط، وبالتالي فهو يرى أن مصر ما زالت لم تكتسب صفات الدولة المدنية الحديثة التي يمكنها أن تتحرك بسلاسة في مسألة تجديد الفكر الديني.

العديد من شيوخ الأزهر الذين يظهرون على أنهم وسطيون يدعون إلى الزهد في وقت يربحون فيه الملايين نظير المتاجرة بالدين

البداية من الأزهر

قاد خالد منتصر، على مدار السنوات الماضية، العديد من الحملات الإعلامية من خلال سلسلة مقالات كتبها في عدد من الصحف المصرية الخاصة والحكومية، ضد عدد من قيادات الأزهر التي وصفها بأنها تتبني الفكر السلفي وتضغط باتجاه عدم التجديد بشكل عام، وهو ما نتجت عنه إقالة رئيس تحرير مجلة صوت الأزهر محمد عمارة في العام 2015، بعد أن أصدر كتيبا مع المجلة بعنوان “دراسات غربية تشهد للإسلام” طعن بين ثناياه في الديانة المسيحية.

ورغم أن غالبية النقد الذي يناله الأزهر من منتصر ارتبط أساسا بالتيار السلفي الذي يرى منتصر أنه يهيمن على الأوضاع داخل المؤسسة، إلا أنه أشار إلى أن هذا ليس فقط ما يعيق قيام الأزهر بأدواره.

ومن وجهة نظره، تراخي الأزهر لا يرتبط فقط بوجود قيادات غير مقتنعة بالتجديد، إنما أيضا برؤية عامة داخل المؤسسة تستخدم مبدأ النقل في مسألة التراث الديني وليس إعمال العقل، في ظل عدم وجود أفكار جديدة تتعامل مع القضايا الحديثة، ولذلك فهو يعتقد أن تغيير قيادة بأخرى لن يحل المشكلة في ظل لفظ المؤسسة الدينية لأي فكر جديد.

وأقرب مثال على ذلك ما حدث مع الشيخ سعدالدين الهلالي، الذي أكد منتصر أنه طرد من الأزهر بالرغم من أنه لم يتمرد على كتب الفقه، وكل ما في الأمر أنه قام بنقل كل ما فيها من آراء، مشيرا إلى أن المسألة تعدت احتكار كتب الفقه، وترتبط باحتكار فئة معينة لفهم معين من سيخرج عنه سيصبح مطرودا من هذه المؤسسة.

وفي ما يتعلق بتجديد الخطاب الديني، قال خالد منتصر إن المشكلة الحقيقية تكمن في فهم المعنيين بتجديد الخطاب لهذا المصطلح، فعلماء الأزهر يعتقدون أنه مجرد تغيير في آلية وطريقة هذا الخطاب، وأن التجديد يكون بشطب سطر في المنهج الدراسي أو تعديل صفحة، بعيدا عن الهدف الرئيسي الذي يكمن في تجديد الفكر القديم.

التجديد في الخطاب الديني لا يكون بشطب سطر في المنهج أو تعديل صفحة دون مراجعة الفكر القديم وتطويره وفق السياق الراهن

ولفت منتصر إلى أن العديد من شيوخ الأزهر الذين يظهرون على أنهم وسطيون يدعون إلى الزهد في وقت يربحون فيه الملايين نظير المتاجرة بالدين، قائلا “أنا لا أطالب بأن يكون رجل الدين متسولا ولكن أطالب بأن لا يتكسب من وراء الحديث (الموجه) عن الدين وأن لا تكون هناك مهنة اسمها رجل الدين، ففي تلك الحالة هو يدافع فقط عن مصالحه ولن يكون بحاجة إلى إعمال عقله للتجديد”.

وتحدث خالد منتصر عن العداوة بين المثقف ورجل الدين، مشيرا إلى أن الفنان (المثقف عموما) هو الأقدر على منافسة رجل الدين في إقناع الناس، لكنه يؤكد أن هذه العداوة هي عداوة مفتعلة كما أنها ليست قديمة بالحساب الزمني. ويوضح قائلا “في الحضارات القديمة كان هناك حل عبقري لتلك المعضلة ويتمثل في وجود الفن والدين في المعبد ذاته، وقد حدث ذلك عند الإغريق والفراعنة، إلا أن العداء بدأ منذ أن أصبحت للدين مؤسسة لها سنداتها ولها المستفيدون منها بشكل مباشر“.

المثقف النخبوي

ومع أن منتصر يرى أنه تفوق في معركة “المنحوتة الفنية” ضد خالد الجندي على مستوى حراك الشارع المصري ومن خلال وعي الشباب الذي تفاعل مع صفحته على فيسبوك، رافضا هذا المنهج مع الفنون، إلا أنه يعتبر أن مشكلة المثقفين الحقيقية تكمن في أنهم يخوضون تلك المعارك من دون أي سند اجتماعي أو سياسي يمثل ظهيرا قويا يمكن الاحتماء به. ولذلك لم يستثن المثقفين من التقصير في مسألة تجديد الفكر الديني، ويرى أنهم يتحملون نصيبا كبيرا جراء هذا التقصير لأن خطاب معظمهم يبدو متعاليا على الناس، كما أن أغلبهم لا يقرأون التراث كي يستعدوا لمثل هذه المعارك.

ويرى أن صوت المثقفين الخافت تسبب في تغذية المجتمع بالعديد من الأفكار المتشددة إلى درجة أن المتحدث الذي يطالب بوجود دولة علمانية حديثة يفهم عند كثيرين وكأنه يتحدث أو يطالب بدولة ملحدة، استنادا إلى جملة شهيرة ومقدسة عند رجال الدين وهي أن العلمانية تعني الإلحاد.

العلم والثقافة

يؤكد خالد منتصر، الذي يعمل أيضا رئيسا لقسم الأمراض الجلدية بالمركز الطبي لهيئة قناة السويس (شرق القاهرة)، على أن المثقفين المصريين أغفلوا المنهج العلمي في التفكير، وأجندة العلم هي التي تمنح الانتصار في تلك المعركة، لأن الدخول في نقاشات مختلفة بشأن تفسير نص ديني سيفضي إلى رد من قبل الطرف الآخر بوجود تفسير مضاد، وأن الجدال بالنصوص لن يفضي إلى أي تجديد في الفكر الديني.

في المقابل، يرى أن هناك العديد من الأمثلة على أن العلم ساهم في استحداث أفكار دينية جديدة، وضرب مثالا على ذلك تطوير أسلوب العلاج من فيروس سي، مؤكدا أنه قبل استحداث اليهودي المصري شينازي علاجا للشفاء من المرض كان هناك اعتقاد بأنه يمكن العلاج من خلال استخدام بول البعير استنادا إلى ما يقوله البعض من رجال الدين.

منتصر يشدد على أهمية وجود قناة تنويرية تتبع الرئيس المصري مباشرة يحتشد فيها المثقفون للتعبير عن آرائهم، وترميم قصور الثقافة والاهتمام بها وإنارتها

وعمل منتصر في العديد من المنصات الإعلامية ساهم من خلالها في الترويج لفكر يرى أن قضية التنوير ليست جذرية بالنسبة للعديد من المثقفين، وأنها تمثل حياةً أو موتا لحفنة قليلة منهم في مصر والبلدان العربية، وهو ما يزيد الأوضاع صعوبة على مستوى تجديد الأفكار القديمة.

ولدى منتصر العديد من المؤلفات التي حملت في أغلبها أفكارا تجديدية وعلمية بعيدا عن المعتقدات المجتمعية الراسخة في عقول غالبية المصريين منها “الختان والعنف ضد المرأة”، “الحب والجسد”، “الجنس تواصل لا تناسل”، “فوبيا العلم”، “وهم الإعجاز العلمي”، “بورتريهات بألوان الشجن”، “العلم بين المعمل والمسجد“.

ومثلما يواجه المصريين المسلمين بعلاتهم، يتحدث منتصر أيضا عن الأقباط المصريين وسلبياتهم، وكلاهما معني بتجديد الخطاب الديني لمواجهة التطرف. وحسب رأيه الأقباط يتعرضون للعديد من الانتهاكات نتيجة عدم التفرقة بين الدين والتدين، فالأول من وجهة نظره إلهي وسماوي ولا غبار عليه ويجب أن يوضع فوق الرؤوس، أما التدين فهو نتاج بشري ومن الممكن أن ينتقد بل من الواجب علينا نقده إذ أنه دائما ما يكون سببا في الفهم المغلوط للعديد من النصوص التي ينتج عنها العديد من المشكلات المتطرفة.

ووجه من خلال حواره مع “العرب”، مجموعة من الرسائل إلى الحكومة المصرية وطالبها بأن تعطي مساحة الحرية الكافية للمثقفين، بعد أن أصبحت كل أمانيهم ألا يقعوا تحت طائلة قانون ازدراء الأديان، والقوانين التي يعدها البرلمان حاليا وتستهدف تجريم إهانة الرموز تثبت أن هناك أفكارا هشة تحتاج إلى قوانين لحمايتها، مشددا على ضرورة أن يكون هناك حوار بين الأفكار.

وطالب الحكومة المصرية بأن تطبق أفكار مارتن لوثر مطلق عصر الإصلاح في أوروبا من خلال التواصل مع الشارع. ونبه إلى أهمية قرارات الرئيس التركي الراحل مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة التركية المدنية، مشددا على أهمية وجود قناة تنويرية تتبع الرئيس المصري مباشرة يحتشد فيها المثقفون للتعبير عن آرائهم، وترميم قصور الثقافة والاهتمام بها وإنارتها مرة أخرى باعتبارها المنقذ الأول للشباب من مستنقعات التطرف التي تحيط بهم.

12