خالد يوسف أهمل السينما لأجل عيون السياسة

الأحد 2016/01/17
خالد يوسف: التأثير في الرأي العام

كان خالد يوسف مخرجا واعدا، يمكنه أن يضيف إلى التيار السائد في السينما المصرية، أي إلى الفيلم التقليدي، دون أن يصل بالطبع إلى التمرد على السائد والخروج عن تقاليده ليصنع سينما أخرى فنية كما كان أستاذه يوسف شاهين يفعل في سبعينات القرن الماضي مثلا.

لكن خالد يوسف (51 سنة) اختار لنفسه مبكرا وصفة سينمائية تجمع بين التجاري الميلودرامي، والواقعي الاجتماعي، والنقدي السياسي مع كثير من المشهّيات والمناظر المثيرة. إلا أن أسوأ ما في أفلام خالد يوسف، هو خطابها السياسي الساذج، وإصرار صاحبها على القيام بدور مزدوج يجمع بين الداعية السياسي والمخرج السينمائي، فالموقف السياسي النقدي المباشر أهم عنده من الرؤية الفنية التي لا تدعو إلى الفعل، ولا تجعل من الفيلم تحريضا على الفعل، ولا يصبح الفيلم هنا وسيلة، لتحقيق هدف سياسي ولو باللعب على العواطف والمشاعر، والإسهاب في الوصف على حساب التحليل.

لكن خالد يوسف مضى في طريقه الذي اختطه لنفسه من البداية، وهو طريق الداعية السينمائي والمحرض السياسي، تدفعه سيكولوجية الزعيم، لكونه ابن العمدة الذي رأس أيضا اتحاد الطلاب في الجامعة الإقليمية التي درس فيها، وعبر عن اتجاهه الناصري المعارض بوضوح سينمائيا، عندما وضع صورة صديقه السياسي الناصري حمدين صباحي، على جدران المدينة في فيلم "هي فوضى" مبشرا به كزعيم للمستقبل.

انتشى خالد يوسف كثيرا بفكرة أنه تلميذ يوسف شاهين، خاصة بعد أن أصبح شريكا له في فيلمه الأخير “هي فوضى” الذي يعدّ نوعا من الكباريه السياسي، كان مقبولا كثيرا في وقت ظهوره في 2008، فقد كانت مصر حبلى بثورة الغضب التي انفجرت بالفعل في أوائل 2011. وقد التحق بها خالد من البداية إلى درجة إهمال نشاطه الأصلي كمخرج سينمائي، بل وأصبح منذ الإطاحة بحكومة الإخوان المسلمين في 30 يونيو 2013، متفرغا تماما للعمل السياسي، وقد توقف عن أي دور معارض للنظام، بعد أن أصبح جزءا منه، فشارك في لجنة صياغة الدستور المصري الجديد، وأصبح أخيرا عضوا في البرلمان المصري الجديد.

هل سيصبح "كف القمر" عمليا، آخر أفلام خالد يوسف، أم أنه سيعود بين وقت وآخر، ليعبر سياسيا من خلال السينما، عما يعجز عن التعبير عنه تحت قبة البرلمان

مراهقة سينمائية

لن يمكنك أن تجد في الأفلام الأولى لخالد يوسف سوى مجموعة من الأفكار السياسية السطحية الساذجة التي تدور حول ثنائيات مألوفة، أكل عليها صناع الفيلم المصري التقليدي وشربوا منذ الأربعينات. ففيلمه الأول “العاصفة” (2000) مثلا، يكشف فيه ما يتصف به من مراهقة سينمائية بسبب ولعه الخاص بالإحالات البصرية التي يتصور أنها تثير مشاعر الجمهور.

يصور هذا الفيلم حيرة أم ممزقة بين ولديها، الأول ذهب للعمل كمهندس في العراق ثم جند في الجيش العراقي رغما عنه، وشارك في غزو الكويت (1990)، والثاني التحق بالقوات المصرية التي شاركت في تحالف تحرير الكويت، وكيف أصبح الاثنان على جبهتين متعارضتين، ويمكن نظريا ورمزيا، أن يقتل أحدهما الآخر، في إشارة ساذجة وغليظة لما آلت إليه أحوال العرب من تفكك، وكان يعبر عن ذلك بالعودة إلى مشاهد لمظاهرات اندلعت في الجامعات المصرية، مناهضة للحرب على العراق، لكن أساس الفيلم يدور حول شخصية الأم التي تريد أن تبدأ حياة جديدة، وأن ترتبط برجل أحبته، غير أنها مشغولة بتلك المأساة التي خلقها الوضع السياسي وانعكست على حياة أسرتها.

سيعود خالد يوسف إلى موضوع الحرب في العراق والغزو الأميركي في 2003 في فيلمه "حين ميسرة" (2007) عندما يستخدم الإحالات البصرية الساذجة ليصنع مقارنة بين اغتصاب البطلة ناهد (سمية الخشاب)، وبين الاعتداء على بغداد، كما يخلق مشابهة بصرية بين هجوم الشرطة المصرية على الحي العشوائي المليء بالبؤساء والمهمشين، وبين قصف بغداد، وهي مقارنات ساذجة، خارجة عن السياق.

وفي فيلمه التالي "الريس عمر حرب" (2008) الذي أعتبره أفضل أفلامه، يتخلص خالد يوسف من تلك الإحالات السياسية، بفضل سيناريو هاني فوزي المكتوب بمهارة وحرفية، والذي يطرح موضوعا ذا أبعاد فلسفية حول مفهوم الشر، وهل هناك استعداد فطري كامن لدى الإنسان للوقوع في حبائله، وكيف يبدو ارتباط الشر بالاستبداد والسيطرة، ثم كيف يتجلى هذا الشر في أشكال عديدة، وذلك في إطار الدوران حول جوهر فكرة فاوست الذي يبيع روحه للشيطان ميفستو، بشروط هذا الأخير بالطبع، لكي يتمكن من الاحتفاظ بالشباب إلى الأبد، لكنه في الفيلم يحاول طيلة الوقت، الإفلات من قبضة الشيطان والاحتفاظ بحريته، بل إنه يبدأ في تحدّي هذا الشيطان أيضا، ويحاول الإفلات منه بعد أن وقع في الحب.

"دكان شحاتة" دراما تشيكوفية أفسدها الإسقاط السياسي والرموز

شاهين وخالد والفوضى

وربما يكون الميل إلى الاستعراض والمبالغات الميلودرامية الساذجة وتصوير أجساد النساء العاريات، وراء تلك المشاهد التي تعتبر الأكثر ضعفا وتفككا في فيلم “هي فوضى” (2008) الذي اشترك فيه مع أستاذه يوسف شاهين، بل وزائدة أيضا عن الحاجة في الفيلم الذي يبرز الفساد السياسي والأخلاقي، ويصور القمع المباشر الذي تمارسه السلطة، وانتشار الرشوة والمحسوبية والغش وتزوير الانتخابات ورفض تداول السلطة. وفي الفيلم نرى السلطة تعتقل وتهدد، ومسؤولين حكوميين يمارسون الابتزاز والترويع ويتسترون على الجرائم ويقفزون فوق القانون، ومعارضين معتقلين بموجب قانون الطوارئ، ونرى كذلك تعذيبا وانتهاكا للحريات العامة يصلان إلى أقصى الدرجات.

ولكن هناك أيضا نوعا من المقاومة، من جانب القوى التي تنشد التغيير، وصولا إلى التعبير الجماعي عن الثورة في النهاية. وربما يكون الفيلم نوعا من النبوءة بما حدث في 2011، وهو ما رسخ اعتقاد خالد يوسف أنه يستطيع التأثير في الرأي العام، وربما يمكنه أيضا حشد الجماهير وتفجير الثورات.

الدكان والملكية

يروي فيلم "دكان شحاتة" (2009) قصة الصراع على الملكية بين ثلاثة من الأشقاء: ملكية دكان وملكية امرأة. الأشقاء الثلاثة أصغرهم شحاتة الذي كان الأقرب إلى نفس والده حجاج البواب، الذي يرحل بعد أن يخص ابنه الأثير إلى قلبه بالدكان، فيتآمر شقيقاه: سالم وطالب عليه، ويلفقان له تهمة يسجن بسببها ثم يخرج بعد سنوات لكي يبحث عنهما، ليس بغرض الانتقام، بل لرأب الصدع القائم بينه وبينهما، وتحقيق المصالحة، لكن الدماء تسيل لأن المصالحة بين الخير والشر مستحيلة، فتنتهي حياة شحاتة، لكونه لا يدرك عمق ما وقع من تغيير في المجتمع وفي الأسرة وفي الدنيا بأسرها.

المحور التراجيدي للفيلم يتركز حول علاقة حب بين شحاتة، والفتاة الحلوة بيسة، والتي يرغب في امتلاكها شقيق شحاتة سالم ويريد انتزاعها من شحاتة، ولكن بيسة لا تستسلم لسالم، فلا يصبح أمامه سوى أن ينالها بالاغتصاب، وفي محاولة للهرب من الزواج الذي أرغمت عليه تحاول الانتحار لكنها تنجو.

لن يمكنك أن تجد في الأفلام الأولى لخالد يوسف سوى مجموعة من الأفكار السياسية السطحية الساذجة التي تدور حول ثنائيات مألوفة

أراد خالد يوسف صنع عمل ملحمي أقرب إلى السيرة الشعبية لكنه لم يوفق، فالسيرة الشعبية أو الملحمة، لا تصنع في سياق سردي من هذا النوع أو على هذا النسق، بل يجب أن تروى في سياق له طابع واحد، وباستخدام الموسيقى والغناء بشكل مختلف تماما، دون انتقالات وقفزات بين الأزمنة، ودون إفراط في استخدام مشاهد الماضي، بل من الأفضل أن تسير الدراما دائما إلى الأمام، ومن المهم أن يتضح البعد الرمزي في الشخصية من البداية، وأن يتماثل المتفرج ويتوحد معه.

كف القمر

وفي فيلم "كف القمر" وهو آخر ما أخرجه خالد يوسف عام 2010، وقد عرض في أوائل 2011، ففيه يترك العنان لطغيان الرمز السياسي الذي يولع به كثيرا بحيث يصل أحيانا إلى حدّ الصراخ المباشر من خلال الحوار، وحشو الكثير من المبالغات الدرامية التي تجعل من معظم أفلامه بيانات سياسية احتجاجية مباشرة وضعيفة، لا تشهد على الظاهرة الاجتماعية المتدهورة بقدر ما تصبح جزءا منها.

من الواضح أن خالد يوسف لا يرغب في الخروج من دائرة اهتمامات شاهين السينمائية القديمة، أي بناء الشخصيات على أكثر من مستوى، الرمز والواقع، كما تبدّى في أفلام مثل “الاختيار” و”العصفور” و”عودة الابن الضال” و”اسكندرية ليه”، ولكن دون أن يملك أبدا القدرة على الوصول إلى تلك الشاعرية الغنائية التي كانت تتميز بها أفلام شاهين.

في هذا الفيلم نرى امرأة موشكة على الموت؛ عجوز من الصعيد المصري مرتبطة بالأرض، فقيرة إلى حدّ الجفاف، يتعرض بيتها لنهب اللصوص وهدمه فوق رأسها، غير أنها ترفض أن تغادر إلى المدينة حيث يعمل أولادها الخمسة الذين أصبحوا الآن رجالا بعدما تولت هي رعايتهم وتربيتهم بعد وفاة والدهم.

الفيلم يدور حول فكرة الأم التي تسعى إلى تحقيق الترابط بين الأبناء الخمسة، في حين يبحث كبيرهم عن ملذاته تارة، أو ينغمس في تجارة غير قانونية تارة أخرى بهدف جمع المال لكي يبني عمارة حديثة بالقاهرة، بينما يتجه ابن آخر إلى توزيع المخدرات، ويرتبط ثالث براقصة يشاركها الرقص في حفلات الزفاف، يريد أيضا أن يتزوجها رغم سوء سمعتها، وينتهي الجميع إلى الوقوع في مشاكل منها ما يفضي إلى السجن أو إلى الانفصال عن المرأة التي يحبها، وكل ما يقع لهم من مصائب يتسبب فيها شقيقهم الأكبر.

"الريس عمر حرب" أفضل أفلام خالد يوسف بسبب ابتعاده عن السياسة

لكن الشقيق الأكبر الآن يبحث عنهم واحدا واحدا، يريد أن يجمعهم معا قصد الذهاب لرؤية الأم التي أصبحت مشرفة على الموت بعد أن تدهورت حالتها الصحية، وأجريت لها عملية جراحية لبتر كف يدها بعد إصابته بالغرغرينا دلالة على تفكك الأبناء الخمسة الذين يجتمعون في كف اليد.

هنا يتأرجح السيناريو بين البعدين الواقعي والرمزي، فالأم، وهي شخصية محورية، ترتبط بالأرض والبلدة، دلالة على عمق صلتها بأصولها، لكنها في الوقت نفسه رمز لكيان أكبر قد يكون لمصر نفسها التي يتخلى عنها أبناؤها وقت حاجتها إليهم، وعندما يستفيقون أخيرا ويعودون إليها تكون قد ماتت.

ولكن الفيلم رغم نهايته الحزينة يحتفظ لمشاهديه بالأمل حينما يجعل الأبناء يعودون مجددا إلى التفاهم والانسجام الذي كان في الماضي، وكأن موت الأم ينبههم إلى ما كانوا غافلين عنه، ويعيدهم إلى طريق الصواب. وكلها بالطبع أفكار مكتوبة ومصممة مسبقا لخدمة هدف سياسي أيديولوجي يخدم الرسالة التي حلت محل تلك الموعظة الأخلاقية التي كانت سائدة في أفلام السينما المصرية في الخمسينات مثلا.

هل هي نهاية الطريق

يفتقد سيناريو فيلم “كف القمر” التركيز على الشخصيات الرئيسية في تناقضاتها، ويلجأ إلى العشرات من الشخصيات الأخرى الثانوية التي تشتت ذهن المتفرج وتنحرف بالفيلم عن مساره الطبيعي، ومن ناحية شكل السرد ينتقل من الزمن الحاضر إلى الماضي لكي يطلعنا على ما كان من تجاوزات الأخ الأكبر في حق أشقائه ولكن بطريقة الشرح الآلي البليد المليء بالاستطرادات وتكرار الفكرة، مع الفشل في تقديم شيء جديد دراميا من وراء كل قصة، يمكن أن تثري الشخصية.

وتعاني أجزاء الماضي من الإطالة والحوارات التي لا نهاية لها، واللجوء أحيانا إلى استعراض العضلات التقنية بتحريك الكاميرا داخل ديكورات صناعية وطبيعية ذات تضاريس معقدة وصعبة اعتمادا على وجود مدير تصوير كبير مثل رمسيس مرزوق يمكنه التوصل إلى حلول جيدة في توفير الضوء للمشهد.

ولكن هذه العضلات لا تنجح في انتشال الفيلم من الضعف الفني، فالانتقالات إلى الماضي مربكة كثيرا لنا كمشاهدين، فأنت لا تعرف الفرق بين الماضي والحاضر، كما أن الملامح الخارجية للشخصيات لا تتطور بل إن الإضاءة لا تتباين كثيرا، وكيف يمكن أن تتباين وأنت تصور في نفس الديكور وتريد أن توحي بالواقعية، وليس من ضمن طموحك كمخرج أصلا أن تقدم رؤيتك أنت للواقع ولو من خلال ضوء مختلف أو ألوان مغايرة تستخدم لتوليد مشاعر ما أو تمنح الفيلم إحساسا دراميا معينا؟

هل سيصبح “كف القمر” عمليا، آخر أفلام خالد يوسف، أم أنه سيعود بين وقت وآخر، ليعبر سياسيا من خلال السينما، عمّا يعجز عن التعبير عنه تحت قبة البرلمان.. من يدري؟

16