خالص جلبي جراح الأوعية والثقافة

الأحد 2014/07/27
جلبي رفض التحزب فأعلن نفسه مفكرا إنسانيا

أصر المفكر خالص جلبي على أنه “مفكر إنساني”. بكل لقاءاته وكتاباته يقول “إنني سوري المولد، عربي اللسان، مسلم القلب، وألماني التخصص، وكندي الجنسية، وعالمي الثقافة، ثنائي اللغة، لغة التراث ولغة المعاصرة، وأدعو إلى الطيران نحو المستقبل بجناحين من العلم والسلم”. أضاف على هذا التعريف في حديث لـ”العرب” بأنه معتقل سابق في سوريا حيث تعرض للاعتقال “أربع مرات ولُوحقت عشر مرات وكسرت أسناني وضيّق عليّ من زوايا الحياة الثمانية”.


في النقد الذاتي


نفى عن نفسه الانتماء السياسي لحزب الإخوان المسلمين. وأصدر كتابه “في النقد الذاتي” كضرورة للنقد الذاتي للحركات الإسلامية. يسرد في مقدمة الطبعة الثانية للكتاب قصته الشخصية مع هذا التنظيمات السياسية الإسلامية. فبيّن أن ولادة هذا الكتاب تعود إلى “أيام سكني في دمشق، قبل أن أغادر بلاد البعث ربما إلى يوم البعث”، وكان قريبا جدا من جودت سعيد وأفكاره بتغيير الأوضاع بالطرق السلمية.

فالعنف يغيب العقل ولذا إعمال العقل يتطلب إبطال العنف وهذا أمر شاق ولكنه سبيل يسلك وهذا ما فعله جلبي بل “تخمر لديّ التوجه، بعد أربع اعتقالات في سجون البعث، فكتبت في سجني الأخير في نصب وعذاب، الأسطر الأولى من الكتاب. وفي يوم جاءني شاب حموي، يدعوني للانضمام إلى تنظيم يقوده سعيد حوى، والرجل كان دماغا جبارا، ومنظرا كبيرا، وحركيا من الطراز الأول، ولو فهم اللعبة السياسية العالمية أكثر، ووفقه العصر، وصادفه الحظ، لربما غيّر تاريخ سوريا الحالي، ولكن نقصته الشروط فخاب وفشل، ومات كسيرا أعمى مريضا حطاما، عليه رحمة لله.. عندما جاءني الشاب، كنت قد طلقت الفكر الحزبي، وصعدت إلى عتبة العقل النقدي، وودعت التنظيمات إلى غير رجعة".

بعدها سافر جلبي عام 1975 إلى ألمانيا للتخصص بجراحة الأوعية الدموية. أملا بالعودة إلى سوريا و”البدء بالتغيير السلمي فيها، ولكن السوريين سبحوا في بحر من الدماء، وصار مثلي مثل الدلاي لاما الذي فارق التيبت إلى يوم يبعثون”. حاول نشر أفكاره من اغترابه فلم يلق كثير رواج إلا في بلاد المغرب العربي ويقول جلبي “يبدو أن التربة العربية قاحلة شديدة الملوحة، فلم يستفد منها إلا القليل، وتلاميذي اللاعنفيين في السعودية والمغرب، هم أكثر منهم، بين أبناء وطني الأصلي سوريا المنكوبة، والاتجاهات الإسلامية في المغرب استفادت من بعد أفكاري الحركية فطلقت العنف فنجت من المذبحة الشامية، والحجّاجية في العراق، ولكنها مازالت تعيش في استراحة فقهاء عصر المماليك البرجية أيام سعيد جقمق، وتتورط في الرمال المتحركة من عالم السياسة، حتى تضيع، كما يضيع عابرو الصحراء دون ماء وبوصلة وخارطة، وفي أوروبا حاولت تعميم أفكار الكتاب، ولكنني أدركت أن المسلمين الذين يذهبون للغرب ينتقلون في الجغرافيا، وليس الفكر، فلا فائدة كبيرة من هذا الجيل، الذي أسميه جيل المحرقة جيل التيه والخوف والضياع″. يقصد هنا الجيل الذي جاء بعد حركة الإخوان المسلمين في سوريا وجبهة الإنقاذ في الجزائر وغيرها من حركات التغيير الإسلامية العنفيّة في العالم العربي.

لكنه في المقدمة التي كتبها عام 2007 يرى بأن لا شيء تغيّر فقد سبحت سوريا والعراق بخرافات الشيعة والسنة والكرد والعرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، ومعها بحار من دماء. ويبدو طالما لم يولد العقل النقدي أن تسوء الأمور لفترة طويلة، والآن وبعد مرور ربع قرن، لم يتغير كثيراً، سوى حطام البيئة، وتكسر الكثير من أصنام المفاهيم. مع هذا يجب أن لا نتفاءل كثيراً فالفيلسوف شوبنهاور في أبدع كتبه اتصل به الناشر حول كتابه (العالم فكرة وإرادة) ليطلب منه استخدامه في رزم الأوراق وسندويش الشاورما والفلافل، فلم يبع منه سوى 17نسخة، في الوقت الذي يباع مليون نسخة من كتاب لا تحزن، ونحن كلنا أحزان".

وضع رؤيته لما أسماه أجهزة النجاح الثلاثة في وحدة العمل. وأكد على ضرورة فصل الشخص عن الفكرة، ليكون النقد ظاهرة صحية تحرر طاقة عقلية ويدخل عمق تفاعل الحدث


الحركة الإسلامية


خاض جلبي في كتابه بحثا طويلا للوصول إلى إجابات للكثير من الأسئلة. أولها ما هو سبب عجز العمل الإسلامي عن بلوغ هدفه؟ طرح الأفكار المعوقة المختبئة في اللاوعي. ناقش مفهوم انفصال السبب عن النتيجة. وبيّن كيف أن مفهوم النقد الذاتي لم يزل غريبا، ويعني التشهير في الغالب. وحاول فهم الحركة الإسلامية الحديثة وعلاقتها الجدلية بين الماضي والحاضر والمستقبل ليناقش بعدها مفهوم القانون (السنّة). ثم وضع رؤيته لما أسماه أجهزة النجاح الثلاثة في وحدة العمل. وأكد على ضرورة فصل الشخص عن الفكرة، ليكون النقد الذاتي ظاهرة صحية تحرر طاقة عقلية ويدخل عمق تفاعل الحدث من خلال العامل الداخلي. وفي الجزئية الهامة جدا والمتعلقة بالتحزب كتب جلبي “الروح الحزبية وروح التعصب توجد جوا عجيبا عند اللقاء، حيث يحمل كل فرد على عينيه نظارات من نوع خاص بلون معين، فلا يرى الوجود حوله إلا بهذا اللون.. وفي مستوى الأفكار لا يرى احتمال خطئه مع شعوره بأحقية ما يحمل، بل بالحق المطلق عنده، والخطأ المطلق عند غيره.. يتعامل مع الأشياء على أساس إما (طاهر مقدس) أو (دنس حقير)، ولا شيء بينهما، فإذا حدث خلاف مع الآخرين ولو كانوا من جماعته فلا يرى أن فيهم جوانب وجوانب، بل إما في السماء أو أنهم سقطوا إلى الهاوية. يفتقد الروح العلمية، ويسبح دوما في المثالية وهو غير مدركها”. توصيف جلبي هذا يختصر مشاهد اليوم فالحوار مع الآخرين سواء بنفس الاتجاه، أو من غير اتجاهه غير مُجد، لأنه لا فائدة من الجدال مع كافر، وهل سيتحول إلى مؤمن؟ بل قد يستشهد لك بآية: (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون).

ويخلص جلبي إلى أن “الحزبي أعمى”، والمجالس الحزبية “تقود ليس إلى تبادل الآراء، بل إلى النزاع والكراهيات وتعكير صفو النفس، وإذا تطور قاد إلى ظاهرة التكفير أو الاتهام بالعمالة، الأولى للعقائديين والثانية للسياسيين”. هنا يورد قصة علي رضي الله عنه في نزاعه مع الخوارج وفيها “معنى ضخم لتفسير النزاعات والخلافات بين الناس، فهو اختلف معهم، وهم كفروه، ثم استباحوا دمه، ثم قتلوه، في حين أجاب رضي الله عنه لما سئل يا أمير المؤمنين ما تقول في الخوارج أكفّار هم؟ فقال الكفرة فروا. فقالوا أوَمنافقون هم؟ فقال المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا، وأولئك يذكرون الله كثيرا، ثم أعقب قولته المشهورة: (ليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه).


الحرب لعبة الصغار


بعد نقده للتحزب والتعصب أصر جلبي على إنسانية طرحه المبني على “المقاومة اللاعنفية”. زاد إيمانه رسوخاً بأن “القنبلة الذرية أوقفت الحرب بين الكبار وأصبحت الحرب لعبة الصغار المرضى”. أما ما يحدث اليوم من حروب فهو نتاج أن “البشر مازالوا في عصر التماسيح والديناصورات اللاحمة”. ومستقبل ما يحدث اليوم في العالم الاسلامي مختصره “سيوقف الدَّمُ الدَّمَ وبعد المعاناة سوف يصحو الضمير”. الضمير الذي يرى جلبي مفاتيحه بما كتبه جودت سعيد عام 1965 بكتابه “كن كابن آدم”. لو تبنى المجتمع جودت سعيد وفكره لوفر على نفسه أوقيانوس من دماء المسلمين والعرب. دماء غطت بلاد الشام والعراق والجزائر وغيرها الكثير.

ينفى جلبي عن نفسه الانتماء السياسي للإخوان أو غيرهم. وأصدر كتابه "في النقد الذاتي" كضرورة للنقد الذاتي للحركات الاسلامية. ليسرد في مقدمة الطبعة الثانية قصته الشخصية مع هذا التنظيمات السياسية الإسلامية. فبيّن أن ولادة هذا الكتاب تعود إلى أيام سكنه في دمشق، قبل أن يغادر بلاده حين كان قريباً جداً من جودت سعيد وأفكاره بتغيير الأوضاع بالطرق السلمية

حاول جلبي أن يضع تعريفا دقيقا للعنف فقال عنه في كتابه “بناء ثقافة السلم”: “العنف شجرة خبيثة جذورها الكراهية وثمرتها الخوف أي أن العنف ثقافي بالدرجة الأولى وإحدى تجلياته السياسة. وهذا المرض قديم وبهذا يؤكد انغراسه بعمق في جينات الثقافة العربية الإسلامية”. وفي تحليليه التاريخي لظاهرة العنف بالعالم الإسلامي يقول جلبي “يمكن تأريخ نقطة التحول الكبرى بمصادرة البيت الأموي للحياة الراشدية، فحصل هذا الفصام والطلاق النكد في روح المجتمع ومازال، وتاريخ الحكم بعد الحياة الراشدة هو مسلسل محموم لقنص السلطة بقوة السيف، وسكب الشرعية على محتواه الخارجي، وهكذا فالثقافة العربية الإسلامية تم اغتيالها بالسيف فهي تؤلّه القوة وتخضع لها، وتتحول إلى العبودية بين يديها، وخسرت لعبة تبادل السلطة السلمي دون أمل في استعادته، حتى تم بعث فكرته وتطبيقه في الغرب من خلال التدفق الإسلامي الراشدي إلى أوروبا وتخمّره وتطوره هناك”.


مستقبل مشرق

ما سبق لا يعني أن مستقبل الإسلام كدين سيكون الاندثار أو الخراب أو الغياب بل يرى جلبي أن مستقبل الإسلام “مشرق بقدر إشراق القرآن”، لكن جميع النكسات التي تغوص فيها المجتمعات العربية والإسلامية اليوم وقعت لأن “العقل الإسلامي موجود في المنفى في إجازة مفتوحة”. عقول غيابها أسّس لدكتاتوريات شديدة العنف بل أسّس لمجرمين سأل فيهم جلبي، “كيف يمكن أن ينقلب إنسان عادي إلى مجرم ساديّ يرسل إلى عالم أنوبيس مئات الآلاف من الضحايا؟ إنه يذكر بمقولة ستالين: موت فرد تراجيديا أما فناء شعب فهي مسألة إحصائية".

وخلص إلى جواب ورد في مقالاته “إن هناك مسارا لكل نفسية طاغية حين يوحي له من حوله، أنه أقوى من شمشون وهرقل، وأجمل من يوسف وأفروديت في الحسن، وأعدل من قورش وعليّ، وأحكم من كهنة دلفي وحكماء الهند. وأنه فلتة وطفرة في التاريخ والعقل والفهم والحكمة، وأنه قائد أبدي فوق النقد ودون الخطأ والقصور والنقص، هو كامل وحزبه أكمل وسلالته نصف إلهية، فلا يزالون ينفخونه بسمّ النفاق حتى يصدّق ويوقن أن الحكمة الإلهية اختارته دون العالمين". هذا البناء للطغيان هو ما تكرر في سوريا فأنتج الحال العضال فيها اليوم.

حيث “نرى فظائع براميل الموت تفجر الناس والحجارة وتدفن الأطفال وبشار الكيماوي يظن أن القوة والقتل سيدا الحلول. مذكرا بقصة برتراند راسل وحماره. فقد شبت النار يوما في زريبة تخص بيت الفيلسوف البريطاني برتراند راسل فهرع الخدم يخبرون أن الحمار يأبى الخروج فماذا نفعل لقد قارب الحمار أن يحترق. يقول الفيلسوف كان أفظع ما يمكن تصوره صعوبة سحب الحمار من نيران قاربت أن تلتهمه. كان الحمار يرفض أن يخرج، فلم يكن أمام الخدم إلا اقتياده بالقوة والحبال الغليظة من حجرة النيران إلى فضاء النجاة والحرية. هنا العناد عند الحمار مفهوم لأنه لا يعقل، ولكن ما يصعب فهمه على البشر هو عنادهم أمام نائبات الأمور فلا تتغير مواقفهم”، ولذا يرى أن التحول في سوريا كان لا بد أن يكون بالطرق السلمية ولكنه يؤكد بأن الواقع مخاض عسير قد يحرق الزريبة والحمار معا.


جراح الأوعية والثقافة


جرّاح الثقافة الإسلامية ومنظر الفكر الإنساني هذا من مواليد مدينة القامشلي شمال شرق سوريا، يحمل الجنسية الكندية، ويتكلم اللغتين الألمانية والإنكليزية بالإضافة إلى العربية، وتخرج من كلية الطب عام 1971 وكلية الشريعة عام 1974. تخصص في جراحة الأوعية الدموية بألمانيا وعاش فيها حتى عام 1982 حيث حصل على الدكتوراه ليسافر إلى المملكة العربية السعودية وعمل في مستشفى الملك فهد التخصصي ببريدة في القصيم، واليوم يتنقل خالص جلبي بين قارات ثلاث ولكن إجاباته المختصرة على بعض الأسئلة وصلت من المغرب حيث يقيم حالياً.

9