خان الشابندر انحطاط ما بعد 2003

الخميس 2016/02/11

يعود محمد حياوي إلى المشهد السردي العراقي برواية “خان الشابندر” التي أصدرتها دار الآداب اللبنانية مؤخرا، وستكون هذه الرواية إطلالة أخرى من إطلالات الرواية العراقية الجديدة على واقع ما بعد 2003، لكن من حيث تشابه زاوية النظر إلى الواقع الجديد الذي كشف عن عيوب كثيرة، مثلما عرّجت على ذلك روايات الكمّ التي تخطّت الـ400 رواية، وهي تنهل من سرديات العراق المتحوّل سياسيا واجتماعيا في لعبة الطائفية القذرة.

وخان الشابندر تقع في هذا النسق السردي بشكله العام، لكنها تختار زاوية رصد من هامشية المجتمع وأكثرها عتمة وظلاما، بل أكثرها احتداما مع الواقع وتمردا عليه، في الخان الذي يوصف بأنه مكان سريّ للدعارة، تتناوب فيه شخصيات نسائية قلقة، مثلما تتناوب فيه شخصيات رجالية، بعضها شبحي وبعضها كرّسه المؤلف ليكون ظهيرا للحالة المناقضة التي كان عليها الخان.

تنبني خان الشابندر على سيرة واقعية من خلال موشور اجتماعي، يحلل الواقع ليتوقف عند غرف نوم في منزل عاهرات ببغداد، ولا يغادرها إلا قليلا في مساحة أخرى من العاصمة، وهي سيرة جمعية لنساء احترفن البغاء بناء على ظروف يمكن تخمينها في العادة، مع وجود شخصيات هامشية تؤدّي أدوارا صغيرة موَظّفة سرديا لملء فراغات معيّنة بطريقة المونتاج، ومن ثمّ ربط أوصال الرواية بحبكة مركزية.

السيرة الواقعية لبائعات الهوى في خان الشابندر وما يحيط بهنّ من فزع، تتسبب فيه ميليشيات دينية باحثة عن هذه النماذج لإنشاء مجتمع الفضيلة، هو بالنتيجة أحد أسباب هذه الميليشيات الطائشة، التي أخذت دور السلطة وصادرته، وأوجدت فجوة مضادة للتمرّد بشقه الاجتماعي ومن ثمّ الفكري، من دون أن تدرس إمكانية إصلاح المجتمع بطريقة متحضرة ومشروعة.

لهذا تجد أن عاهرات الخان هن أكثر حكمة وذكاء وتفتحا من هؤلاء الشراذم الذين خرجوا من قاع المجتمع، بعدما تهيّأت لهم الظروف المناسبة. وبالتالي أراد حياوي أن يعطي صبغة مثالية أو شبيهة بهذا، حينما جعل من شخصياته النسوية المستلبة تعرف على الأقل الإطار العام للثقافة، وأيضا القراءة الأدبية بشقها الرومانسي التاريخي، ويقف كذلك على التحصيل العلمي لهؤلاء النسوة، واختلاجات أفكارهن حينما يصارعها العقل وهو يقرأ الواقع المتغيّر بطريقة فيها حكمة، أو نقد ذاتي وما إلى ذلك.

غير أن هذا نسج صعب إلى حدّ كبير، حينما تكون الحاضنة الثقافية -حتى في شكلها الإطاري- حاضنة موازية لبيوت دعارة، وتتفاعل معها تمرّدا أو انتقاما أو حاجة أو يأسا تسببت فيه انفلاتات سياسة ما بعد 2003 بشكلها المعروف. وهو ما يمنع السرد من أن يتطوّر إلى مناقشة قضية أعمق من هذه الالتقاطات، في ضوء معطيات الاحتلال وتحويل المجتمع إلى كابوس ميليشياوي يقضي على كل بارقة أمل في أن تمضي الحياة بشكلها الطبيعي. أعتقد أن الروائي حاول أن يبقى في هذا الهامش الاجتماعي طويلا لتأجيج الصراع النفسي والأخلاقي من هذه البؤرة الشاذة بشخصياتها النسائية المستلبة، غير أن هذا البقاء كان محكوما بشخصيات قليلة استنفدت طاقاتها مقدّما، وظل المكان مسرحيا محاصرا بجدران الخان، وهو ما جعله يدور في الحلقة ذاتها من دون أن يطوّر نفسه سرديا، وربما انتبه حياوي إلى هذه المفارقة نسبيا، فعمل على استرجاعات معيّنة للبعض من شخصياته النسائية، لكنها كانت استرجاعات متوقعة للتسبّب في الحالة التي قضت على براءة البعض من بائعات الهوى (لوصة ومن معها).

خان الشابندر وصلة فيلمية من القاع الأسود، أوصلها حياوي إلى السطح لنراها جميعا بقصدية رؤية المستوى المخفي من مستويات الأنساق الاجتماعية الجديدة، التي تطاردها جماعة الملا، ويقصد بها جماعة السيد ماكنتوش الميليشياوي.

كاتب من العراق

14