"خان الشابندر" مرثية بغداد ما بعد الحرب

ما بعد الحرب لا شيء يبقى على حاله، قد يحل السلام وتصلح الشعوب ما اقترفته من موت ودمار، وقد تؤول الأمور إلى حال أسوأ، حيث يتغير كل شيء وينحدر إلى الفوضى. حال ما بعد الحرب هو ما حاول الكاتب العراقي محمد حياوي كشفه في بلده العراق من خلال روايته الأخيرة “خان الشابندر”.
السبت 2016/10/08
الأزقة التي أرهقها الزمن

يلخص محمد حياوي في روايته الأخيرة “خان الشّابندر” الأوضاع التي آل إليها العراق بعد الحرب. من خلال شخصيات مختلفة، وبطريقة مختلفة يحكي لنا حكاية «مدينة تغيّرت وملامحها طُمست والناس غير الناس..” في إشارة إلى الهُوية الجديدة التي صبغت المدينة. على طول خط الرواية ثمّة تردّدات بهذه المعاني، وهو ما يعكس واقعا جديدا للبلد.

ما بعد الحرب

تشتغل رواية محمد حيّاوي «خان الشّابندر» الصادرة عن دار الآداب مطلع العام الحالي، على ثيمة ما بعد الحرب في العراق، فالحروب المتعاقبة التي اُبتليت بها هذه البقعة، وصارت أحد ملامحها البارزة في تاريخها المعاصر، شكّلت سردية جديدة في المشهد الروائي العراقي، فالحرب ليست حاضرة بمعاركها أو حتَّى بأجوائها، وإنما هي حاضرة بتأثيراتها النفسيّة المفجعة التي أحدثتها على الشخصيات. فيستحضر المؤلف التاريخ السياسي الدموي الذي ارتكبه النظام السابق، عبر مشاهد دالة ومؤثرة من دون أن يستفيض في خطابات أيديولوجية.

فأبو حسنين المصري مازال يجتر ذكرى رحيل ابنه وزوجته، وهند مُعلِّمة الجغرافيا، كان تأثير الحرب فيها فادحا فاحترفت البغاء، في أبشع تأثير لقسوة الحرب، بعدما فقدت زوجها الذي قُتل أمام عينيها، في جريمة بشعة بعد أحداث الانتفاضة التي حدثت في التسعينات وأخمدها رجال الحرس الجمهوري، ثم مرّة ثانية دمرتها الحرب الأخيرة عندما اشتركت كمترجمة للقوات التي احتلت العراق، فاتُّهمت بأنها تتعامل مع المحتلين، فحُكم عليها بالإعدام، لكن تمّ تهريبها ونجت من الموت بأعجوبة، وإنْ كانت فقدتْ ابنتها ابنة الرابعة عشرة التي تركتها مع صديقها النيوزيلاندي، الشيء نفسه حدث مع نيفين الصحافية صديقة علي، فما إن نشبت الحرب حتى هجرها زوجها واصطحب ابنهما الوحيد معه، ومع أنه طلب أن تلتحق به إلى استراليا، إلا أنها رفضت امتثالاً لكرامتها وفضّلت البقاء مع والدتها.

الحرب ليست حاضرة بمعاركها أو حتى بأجوائها، وإنما هي حاضرة بتأثيراتها النفسية المفجعة التي أحدثتها على الشخصيات

عركت الحرب الجميع والكل اكتوى بنارها بما في ذلك الطفلة زينب التي فقدتْ أباها وراحتْ في براءة، تارة، تتساءل «لا أدري لماذا أبي فقط هو الذي قُتل في الانتفاضة»، وتارة أخرى تراود خيالها المدرسة فتتخّيل «أتعلّم القراءة والكتابة وألعب مع صديقاتي؟».

يمكن توصيف الرواية على أنها رواية مكان، فكل شيء يشير إلى ذلك بدءا من عتبة العنوان الأولى «خان الشّابندر» الذي هو «بورصة للفِضة تُحدد فيه الأسعار بشكل يوميّ، عندما تُجلب سبائك المعدن الثمين بواسطة السفن حتَّى شريعة القشلة، ومن هناك يحملونها على ظهور الحمير حتى الخان» كما فسره العجوز مجر لعلي، وأيضا أحداث الرواية التي تدور في حي الحيدر خانة الذي كانت تقطنه محترفات البغاء، كما أن الرواية حافلة بأسماء الشوارع التي تجوّل فيها الصحافي وهو في طريقه إلى بيت أم صبيح، شارع بغداد والمتنبي وحي الكرادة الذي يقطن فيه والكرخ والرصافة والجسر وساحة الشهداء… وغيرها. فقد مالت عين السّارد إلى وصف تفاصيل المكان وصفا يقطر شجنا وأشبه بمرثية لما آل إليه بحاراته وأزقته وشوارعه، وبيوته ونوافذها.

في بيت العاهرات

تأخذ الرواية الطابع الاستقصائي/ الرحليّ، فعليّ الصحافي يريد أن يعمل تحقيقا عن بيوت الدعارة، في منطقة خان الشّابندر، وبالفعل يبدأ رحلته مع صديق يصحبه إلى بيت أم صبيح، وهناك يتعرف على تلك البيوت عبر مشاهد حوارية أشبه بالاستقصاء، تهيمن على السرد داخل البيت، فتتكشف حقائق عن الفتيات العاملات في الدعارة، ضوية وهند المثقفة معلمة الجغرافيا، ولوصة (إخلاص)، لكن تتجاوز هذه الحكايات السيرة الشخصية لهؤلاء الفتيات إلى سرد غنائي شجي عن عوالم المهمشين، وضحايا الحروب، فكلّ فتاة من الفتيات وراءها حكاية مأساوية وضحية لواقع اجتماعي واقتصادي وسياسي متشابك.

فحكاية ضوية تكشف عن واقع الفقر وتجارة الأجساد التي بدأت بزنا المحارم، ثم انزلقت في الانحدار والسقوط إلى احترافها بيع جسدها. أما هند فتكشف عن الصورة المفزعة للحرب التي أفقدتها كل شيء، الزوج والابنة وأيضا جسدها الذي تقدمه لمن يدفع، أما إخلاص “لوصة” التي قادت الصحافي مرة ثانية إلى بيت أمّ صبيح عبر طريق مُهدّم، وعابق بالأزبال وأزقة مُعتمة، فكانت بمثابة البوصلة التي كشفت عن ميليشيا ملا جليل التي استشرت في الواقع العراقي بعد الاحتلال، وصارت الكلمة لأفرادها الذين يفرضون الإتاوات مقابل الحماية، وهو ما كانت تستجيب له أم صبيح.

وصورة الملّا جليل تكشف، أيضا، عن الوضع الأمني المتردي في العراق، وكيف استغلته الميليشيات لتسيطر على المناطق التي غاب عنها الأمن وتفرض قانونها، الذي يأتي مناقضا للأيديولوجيا الدينية التي ترفع شعاراتها وتحاكم الآخرين بناء على مخالفتها، فالبعض من رجال الملا يأتون لقضاء وطرهم لدى فتيات أم صبيح ويسخرون الدين لخدمة نزواتهم، دون أن يدفعوا ما اتفقوا عليه.

ثلاث فتيات يقدمن صورة عن الواقع العراقي الجديد

هكذا كانت الفتيات الثلاث صورة لواقع العراق الجديد المزري، الذي انهكته الحرب، وقوّضته الميليشيات بكافة أيديولوجياتها، فالصحافي في رفضه لممارسة الجنس مع الفتيات، كان النقيض لحالة الامتهان التي كانت عليها الفتيات في نظر الآخرين، ومن ثم تعلقت به الفتيات الثلاث. حتى زينب بائعة الكعك أعاد الصحافي إليها صورة الأب المفقود منذ أن استشهد.

يهيمن الحوار على السرد حتى بدا النص في الكثير من أجزائه ديالوجا مفتوحا مع شخصيات عدة، وفي القليل منه يميل السرد إلى الغنائية خاصة في سرد الفتيات عن ماضيهن، ليصعد إيقاعه مع مآسيهن، ويصل إلى ذروته الدرامية كما هو في مشاهد النهاية. كما جاءت اللغة مميزة في فصاحتها التي ارتقت بالسرد، ووصلت إلى مواطن الشعر والمجازات في الكثير منها، وفي بعضها حلّقت مع شطحات الصوفيين والفلاسفة خاصة في حوارات مجر.

أما عاميتها فاقتربت من اللغة المحلية، كنوع من المقاومة والحفاظ على الهوية، فكل شيء ضاعَ، فكانت اللغة أشبه بحيلة دفاعية لإبراز الخصوصية العراقية التي لم نلمحها في النص إلا في حواراتها العامية، حتى في انحرافها وفجاجتها جاءت لتعكس واقعا مترديا، وكأن كل شيء قابل للسقوط والانهيار، وهو الأمر الذي يفسر رضوخ علي لأنوثة هند، وامتثاله لنداءات الجسد، رغم رفضه في البداية، فصورته كمثقف بما تحويه من دلالات وحمولات قصدها المؤلف، هي الأخرى استجابت للواقع الجديد وتردّت، فكل شيء قابل للتردي والسقوط.

أما الزمن فكان هو التقنية التي لعب عليها المؤلف، فالزمن منداح ومتداخلة حدوده، فالمضارع الذي قدم فيه الصحافي، ينصهر مع ماضي الذكريات وزيارته السابقة.

يبقى بصيص الأمل مع العالم المأساوي، ومشاهد القسوة والدمار والعنف والقتل الذي عايشته الشخصيات. فالأمل كان يحدوها جميعا وعليه عاشت وأيضا ماتت: فأبو حسنين كان يضيء المدينة بالأنوار، علّه يحظى ذات ليلة بروح ريّا التي ماتت حزنا على ابنها! وزينب لم يفارقها الأمل حتى عاشت لحظة الأبوة المُفتقدة، فدعته لزيارتها فلبّى دعوتها وزار قبر أمها، وضويّة كانت تحلُم بأنْ ترى كتاب طوق الحمامة فأحضره لها.

17