خبراء: الأنفاق خطر خفي يهدد أمن الكثير من الدول العربية

الخميس 2016/02/04
أسواق تحت الأرض تؤمن المال والسلاح

القاهرة- لم تعد تهديدات الأنفاق مقتصرة على مسألة التهريب، أو قاصرة على منطقة بعينها أو دولة محددة، لكنها ازدهرت بصورة أصبحت تلحق أضرارا بالغة بدول كثيرة، حتى باتت مسألة خطيرة، لأنها تحولت إلى صراع معلن بين بعض الأنظمة السياسية وجماعات مسلحة مدعومة أحيانا من أجهزة مخابرات إقليمية ودولية.

ولئن تعتبر مسألة الأنفاق بين قطاع غزة وسيناء، الأشهر والأقدم، فقد ظهرت مجموعة أخرى من الأنفاق في دول عربية تشهد صراعات مسلّحة، على غرار اليمن حيث كشفت غارات التحالف عن استعانة الحوثيين بعدد كبير من الأنفاق في تهريب الأسلحة إلى المناطق الحدودية مع السعودية. وفي سوريا تصاعدت حروب الأنفاق بين قوات نظام بشار الأسد وفصائل الجيش السوري الحر بهدف تحصين الأفراد وتخزين الأسلحة. وفي العراق تم اكتشاف شبكة أنفاق أقامها تنظيم داعش لربط المناطق التي يسيطر عليها في سوريا والعراق. ناهيك عن استخدام داعش والجماعات المسلحة في ليبيا الأنفاق للانتقال في منطقة الحدود بين ليبيا والنيجر والجزائر.

وشهدت الأنفاق طفرة استثنائية في تكنولوجيا الحفر والتأمين والإدارة، حيث أصبحت تشمل إلى جانب تهريب البضائع، تخزين الأسلحة وتهريب المقاتلين والمتطوعين وإيواء عناصر مسلحة للقيام بعمليات عسكرية ضد أهداف معينة، وقصف مناطق حدودية في دول أخرى.

خارطة الحدود المصرية والليبية والعراقية والسورية والفلسطينية حافلة بأنفاق تستفيد منها جماعات متشددة

ويحذّر اللواء أسامة الجريدلي المستشار الأكاديمي بالمركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة من الدور المتنامي والخطير للأنفاق، مطالبا الدول التي تعاني منها بتطوير آليات المواجهة وعدم الاكتفاء بالوسائل الأمنية. وقال الجريدلي، في حلقة نقاش عقدت أخيرا بالمركز الإقليمي، حضرها عدد من الخبراء في علوم السياسة والجغرافيا والإستراتيجية العسكرية، إنه على مدار الأعوام الماضية تغيرت طبيعة الأنفاق التي تعتمد عليها التنظيمات الإرهابية وميليشيات التهريب، حيث أصبحت تتسم بالامتداد الجغرافي والتحصين غير التقليدي.

وقال محمد جمعة، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، إن طبيعة المنطقة الحدودية بين غزة ومصر، من حيث كونها منطقة ملتهبة تشهد العديد من الإشكاليات، من ضمنها أنها حاضنة للعديد من التنظيمات المسلّحة ذات الخلفيات الأيديولوجية المتشابهة. وأوضح أن الطبيعة الاجتماعية والتركيبة السكانية علي جانبي الحدود والعلاقات التي تربطها بتلك التنظيمات تلعب دورا مهما في تسهيل عملية تشييد الأنفاق، مشيرا إلى منظومة المصالح السياسية والاقتصادية التي ترتبط بين أصحاب تلك الأنفاق، وصعوبة القضاء عليها طالما بقيت حماس في السلطة.

وأكد جمعة، في الندوة التي حضرتها “العرب” بالقاهرة، أن التعامل مع تلك الأنفاق يتطلب فهم العلاقة بين الجماعات الجهادية وديناميكية العلاقة بين البدو والجماعات الجهادية، لأن خارطتها متشعبة، ويصعب فك شفراتها بسهولة.

من جهته، قال العميد سمير راغب، الخبير في الشؤون العربية، إن غياب الشرطة المصرية عن الحدود لفترات طويلة سمح بدخول السلاح من المنطقة الغربية المحاذية للدولة الليبية، خاصة عبر منطقة العوينات الوعرة. وشدّد على أهمية القضاء على “الأنفاق المفتوحة” من خلال تكثيف الحملات الأمنية على الحدود.

ونوه راغب إلى أن عصابات التهريب والتنظيمات الإرهابية اعتمدت على نمط جديد من الأنفاق وهو ما يسمى بـ”الأنفاق المفتوحة” التي يقصد بها الممرات شديدة الوعورة والعمق داخل الوديان بالمناطق الجبلية، حيث تنتشر هذه الوديان بالصحراء الغربية المصرية على الحدود مع ليبيا وتستخدم في تهريب الأسلحة من ليبيا إلى مصر.

وفي مواجهة هذه النوعية من التهديدات اتجهت بعض دول الإقليم إلى تبني آليات غير تقليدية للتصدي لتهديدات الأنفاق، مثل إنشاء ممرات مائية عميقة على الحدود بهدف غمر الأنفاق بالمياه كي تتصدع ذاتيا (حالة رفح المصرية والفلسطينية حاليا) وهو ما يؤثر سلبا على مخزون المياه الجوفية في المناطق الجوفية وحدوث تداعيات غير مقصودة، مثل الانهيارات في البنية التحتية والمنازل في المناطق المحيطة نتيجة لتدمير الأنفاق.

على مدار الأعوام الماضية تغيرت طبيعة الأنفاق التي تعتمد عليها التنظيمات الإرهابية وميليشيات التهريب، حيث أصبحت تتسم بالامتداد الجغرافي والتحصين غير التقليدي

وقد تصاعد الاعتماد على تقنيات المسح الزلزالي في عمليات التنقيب عن النفط للكشف عن الأنفاق العميقة والمتشعبة ورسم خرائط للأنفاق، علاوة على تطوير نظم للاستشعار تحت الأرض بهدف رصد عمليات إنشاء الأنفاق والحركة داخلها.

وتظهر خطوة الأنفاق في الأزمة الليبية، سواء من ناحية الحدود مع مصر، حيث تستخدمها التنظيمات المسلحة في تهريب السلاح، أو من ناحية الجوار مع الجزائر والنيجر، إذ تستخدمها جماعات التهريب والحركات المتشددة القادمة من وإلى مالي، فضلا عن ظهورها على الحدود مع تونس. وفي اليمن قالت ميساء عبدالرحمن، الباحثة اليمنية، إن الحوثيين استعانوا بعدد كبير من الأنفاق في إخفاء مراكز القيادة والسيطرة على الأسلحة والمعدات وتهريب الصواريخ إلى المناطق الحدودية مع السعودية، حيث قصفت مقاتلات التحالف العربي في نوفمبر 2015 شبكة أنفاق سرية في مدينة صنعاء تعود نشأتها إلى عهد الرئيس السابق علي عبدالله صالح.

وأشارت إلى أن قوات حرس الحدود السعودية، اكتشفت في أبريل 2005 أنفاقا داخل بعض المنازل بالقرب من الحدود السعودية، درج الحوثيون على استخدامها في تهريب البضائع والأفراد والأسلحة والذخائر، وكانت تربط بين المدينة الخضراء ومطار صنعاء الدولي ومعسكر الصوليات في محافظة عدن.

وحول الإفراط في استخدام الإستراتيجية الأمنية كحل وحيد لمواجهة ظاهرة الأنفاق في سيناء قال اللواء عماد الألفي، مساعد وزير الدفاع المصري، إن القاهرة ماضية في خطة متكاملة لمواجهة التحديات في سيناء، لا سيما مشكلة الأنفاق. وأكد أن توجهات مصر في سيناء تسير في خطين متوازيين، الأول مكافحة الإرهاب، والثاني تعمير سيناء، من خلال استصلاح الأراضي وإنشاء شبكة طرق وحفر آبار للمياه، وتبني وتمويل مشروعات صغيرة. وأوضح أن الأنفاق واستخدامها في الصراعات مع دول الجوار، هي بالأساس فكرة حزب الله اللبناني، وتم تصديرها إلى حركة حماس في غزة.

7