خبراء الاقتصاد في تونس: تقليص الدعم في الميزانية شرّ لابد منه

الجمعة 2014/01/24
احتجاجات عنيفة هزت الشوارع التونسية عقب الكشف عن ميزانية 2014

تونس – أثارت الميزانية التونسية للعام 2014 جدلا واسعا بين خبراء الاقتصاد والأوساط الشعبية التونسية لما قد تسببه من نتائج كارثية على الطبقات الفقيرة، ومن بين العوامل الأكثر إثارة تقليص مخصصات الدعم الحكومي للسلع والخدمات، التي يرى الخبراء أنه شر لا بد منه لتجنب انهيار اقتصاد البلاد

أكّد معز الجودي، الخبير الاقتصادي التونسي المعروف، أن صندوق الدعم الحكومي في تونس يشكل عبئا ثقيلا على ميزانية الدولة التي تخصص له حاليا ما يصل إلى 6 مليارات دينار، وهو ما يمثّل نحو ربع الانفاق في الميزانية السنوية.

وقال الجودي، في تصريح خاص بـ”العرب”، إنّ مثل هذه النفقات لا تؤدّي إلى خلق الثروة ولا إلى إيجاد مواطن شغل، ولذا من الضروري إعادة هيكلة الدعم وتركيزه في مجالات ونسب محدّدة.

وتستند الموازنة الجديدة الى تعبئة موارد مالية متأتية من العائدات الضريبية والرسوم، الى جانب تقليص النفقات الموجّهة إلى صندوق الدعم.

وتم تخصيص 2.7 مليار دولار للدعم الحكومي، منها 1.62 مليار دولار لدعم الوقود والكهرباء ويذهب الباقي لدعم السلع الأساسية.

وينص قانون الميزانية على مراجعة منظومة دعم الكهرباء والغاز وذلك من خلال إلغاء الدعم على كبار مستهلكي الطاقة من المؤسسات الصناعية بنسبة 50 بالمئة، على أن يتم إلغاء البقية في فترة لاحقة. وتم الشروع فعلا في تطبيق هذا الإجراء على مصانع الإسمنت.


تعديلات تدريجية


وتشير المعطيات الرسمية إلى أن تونس ستجري خلال السنة الحالية خفضا تدريجيا لمستويات دعم أسعار بعض المواد الأساسية، في إطار برنامج لإصلاح منظومة الدعم وتوجيه الدعم إلى مستحقيه. ويرى الجودي أنّه أصبح لزاما في تونس، بعد عامين من عدم الاستقرار السياسي والتدهور الاقتصادي، أن يتم استكشاف فرص استثمارية جديدة للحد من الكلفة العالية للدعم الحكومي والتخفيف من الضغوط على الموازنة العامة والحد من عجزها.

وتنتاب الشارع التونسي، مخاوف من أن يؤدي إلغاء الدعم الى ارتفاع كبير في أسعار المواد الأساسيّة. وشهدت العديد من المدن التونسيّة مظاهرات عنيفة في أعقاب البدء في تطبيق الرسوم الجديدة على السيارات قبل التراجع عنها.

ويرى الجودي أن من الأنسب أن تبدأ الدولة بتشجيع محركات النمو مثل الاستثمار والاستهلاك والتجارة الخارجية، إلى جانب توفير الظروف الأمنية الملائمة لتحقيق الاستقرار والأمن المشجعين على الاستثمار الأجنبي وتعزيز البنى التحتية باعتبارها محركا لإنعاش النمو الاقتصادي.

2.7 مليار دولار خصصتها موازنة 2014 للدعم الحكومي، يذهب معظمها لدعم الوقود والكهرباء والسلع الغذائية الأساسية


احتجاجات عنيفة


وأثارت إجراءات تقليص الدعم أعمال عنف أدّت إلى حرق عدد من مقرّات “حركة النهضة” الحاكمة في وقت ينتظر فيه التونسيون الإعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة وانتهاء حكم الحركة.

ويدافع إلياس الفخفاخ وزير المالية التونسي بشدّة عن قرار خفض الدعم ويشير الى أن ميزانية الدعم بلغت ثلاثة أضعاف الميزانية المخصصة لقطاع الصحة، قائلا: “يجب تقليص الدعم من منطق المسؤولية”.

وأوضح أن الدولة تسعى لتوفير 452 مليون دولار من خلال خفض الدعم، لضخّها في ميزانية التنمية.

واندلعت احتجاجات في صفوف المزارعين في عدة محافظات بينها باجة والقصرين والكاف وسيدي بوزيد وصفاقس والقيروان والعاصمة تونس. وأجبرت حركة النهضة الإسلامية على دعوة الحكومة لمراجعة الإجراءات التي اتخذتها بخصوص قانون الضرائب الجديد “بما يخفّف عن القطاعات المعنية بتلك الضرائب”.

وأشار مراد الحطاب الخبير التونسي في الشؤون الاقتصادية إلى أن التغييرات في النظام الضريبي وخفض الدعم ستؤثر سلبا في مستوى معيشة الطبقة المتوسطة، ممّا سيؤدي إلى تقليصها وبالتالي ارتفاع نسبة الفقر في البلاد.

معز الجودي: الحل الأمثل لتخفيف أضرار رفع الدعم الحكومي هو تحقيق نمو اقتصادي سريع

وأرجع الحطاب تردي اقتصاد تونس إلى الاعتماد المفرط على الاقتراض، وقلة تجربة الفريق الحكومي المكلف بالقطاع الاقتصادي.

وانتقد محمد زروق، من منظمة الدفاع عن المستهلك، الاجراءات الحكومية قائلا إنّ المستهلك سيدفع ثمنها وستثقل كاهله بأعباء إضافية.

واعتبر المازري الحداد، سفير تونس السابق في اليونسكو، أن 40 بالمئة من الطبقة المتوسطة ستنضم للطبقة الفقيرة خلال 5 سنوات، استنادا إلى دراسة لمعهد الابحاث الاقتصادية والإستراتيجية ببروكسل.

وأوضح أن خفض الدعم يجري بموجب شروط صندوق النقد الدولي على الحكومة المؤقتة لتفادي الإفلاس، وسيتسبّب في وضع قرابة مليوني تونسي تحت خط الفقر وتدمير الطبقة المتوسطة.


توجه عالمي


وعمدت دول عديدة بينها تونس، منذ سنوات طويلة، إلى دعم أسعار المواد الاستهلاكية في قطاعات مختلفة، لكن هناك توجها عالميا لخفض الدعم عن الوقود تقوده منظمات عالمية مثل صندوق النقد الدولي ومجموعة العشرين، بسبب تذبذب الأسعار العالمية للنفط وعدم استقرارها. وعمدت أكثر من 20 دولة بالفعل إلى رفع الدعم عن الكهرباء والوقود. ويقول الخبراء إن استمرار سياسات الدعم تفاقم الإنفاق الحكومي العام وتبدد الموارد الطبيعية واحتياطيات الأجيال القادمة.

ويؤكد البعض أنّ الإبقاء على الدعم بصيغته الحاليّة يكرس مبدأ عدم المساواة، لأن الأثرياء أكثر استفادة من دعم الوقود والسلع الأساسيّة. وقد أثبتت بعض الدراسات المتخصصة أنّ الدعم لا يذهب إلى مستحقيه في الدول النامية حيث يحصل أغنى 20 بالمئة من السكان على أكثر من 43 بالمئة من الدعم فيما يحصل أفقر 20 بالئة من السكان على 7 بالمئة فقط من الدعم.

11