خبراء: التطرف صناعة سجنية وإعادة التأهيل مهمة وقائية

المغرب يعتمد مقاربة تكاملية تشمل التكوين في العلوم الشرعية والدينية، وجل الاستقطابات مداخل وجدانية أكثر منها فكرية.
الأربعاء 2018/04/18
طريق محفوفة بالانزلاقات

عقدت مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث” في شراكة مع معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا، مؤتمرا دوليا حول موضوع “ما بعد داعش”؛ التحدّيات المستقبلية في مواجهة التطرّف والتطرّف العنيف”، وذلك في مدينة مراكش، يومي 6 و7 أبريل الجاري، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والخبراء والباحثين المختصين من أوروبا والعالم العربي وأفريقيا والولايات المتحدة الأميركية.

ووافق المتدخلون في مؤتمر مراكش على أن السجون أضحت مشتلا لصناعة وتخريج أجيال من المتطرفين ينضمون إلى خلايا إرهابية وينشطون داخلها، ومن خلال تجربته داخل السجون المصرية قال محمد نصر كروم، الباحث في شؤون الإرهاب والجماعات الإسلامية والقيادي السابق في الجماعة الإسلامية بمصر، إن أكثر الجماعات عنفا وتطرفا وتكفيرا خلقت من داخل السجون مثل جماعة “التكفير والهجرة” في ستينات القرن الماضي بمصر، والتي انشقت عن جماعة الإخوان المسلمين.

وفي هذا الإطار أكد محمد نصر كروم، في مؤتمر ما بعد تنظيم داعش، بمراكش أن السجون تشكل تربة خصبة تترعع فيها تنظيمات إرهابية مهيكلة، تستطيع استقطاب عناصر جديدة لم تكن لها علاقة بأي تنظيم مـن قبل، ورصد كروم من خـلال تجربته داخـل السجون المصرية تقلبات المتشددين وعودتهم إلى الصواب، على غرار ما قامت به الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد بمصر من داخل السجون، أو إلى التشدد بشكل أكثر تطرفا.

وفي إطار تعاطي المغرب مع سجناء التطرف العنيف، تستعد المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج لإطلاق النسخة الثانية من برنامج “مصالحة”، لفائدة السجناء المدانين في قضايا الإرهاب، وهو البرنامج الذي يقوم على مقاربة تكاملية، تشمل التكوين في العلوم الشرعية والدينية، انطلاقا من منهجية تتأسس على جدلية تفكيك خطاب التطرف والكراهية، ثم إعادة تأهيل النزلاء المشاركين من أجل اكتساب مهارات النقد والاستدلال الشرعيين، انطلاقا من العقيدة الأشعرية المالكية الوسطية.

وأشار مصطفى الرزرازي، الأستاذ في جامعة طوكيو، إلى أن من ضمن الذين كانوا معتقلين في السجون المغربية في قضايا تتعلق بالإرهاب، هناك حوالي 13.5 بالمئة من المقاتلين المغاربة المتواجدين في سوريا والعراق، وخلص إلى أن الشريحة المهيمنة اليوم داخل السجون بالمغرب تتكون من المتابعين في ملفات لها ارتباط بتنظيم داعش أو جبهة النصرة أو أحرار الشام، وهم في مجملهم من المنقطعين عن الدراسة في مراحل تتراوح ما بين الإعدادي والثانوي، ولذا نجد مجملهم لا يملكون قدرة على الإقناع، بل إن أغلبهم تطرفوا من مداخل وجدانية ونفسية واجتماعية أكثر منها فكرية أو معرفية.

واعتبر مصطفى الرزرازي أن آلية المراجعات تبدو غير ذات جدوى اليوم، لأن مناخ المقارعة والإقناع غير متوافر، إلا ضمن شريحة محدودة غالبا لا تعود، بل تفضل التنقل بين ساحات التوتر والاقتتال، علاوة على أن المغرب لم يشهد من قبل مراجعات عل نفس المنوال الذي عرفته مصر أو ليبيا، بل كانت تجربة النزلاء السابقين ممن قدموا نقدا ذاتيا على شكل حوارات ذاتية.

من جهته أكد محمد عبدالوهاب رفيقي، السلفي والمعتقل السابق على خلفية أحداث 16 مايو الإرهابية بالدار البيضاء والمعروف بـ”أبوحفص”، أن الحالة المغربية لم تشهد مراجعات لأن المملكة لم تعرف تنظيمات جهادية مهيكلة أو جماعات متطرفة كتلك التي كانت موجودة بمصر وليبيا والجزائر.

وأوضح رفيقي، الباحث المغربي في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف والإرهاب، أن التجربة المغربية في هذا الباب تعاني شحا وقلة في المصادر والمراجع، وندرة في المتابعة، بل شبه غياب في البحوث والدراسات، مما جعل الكثير من الغموض يلف تفاصيلها وحيثياتها وسياقاتها، بل ما زال هناك من يتساءل عما إذا كانت هناك مراجعات يمكن الحديث عنها، خاصة مع حالة الفوضى التي عرفها ويعرفها التيار السلفي الجهادي بالمغرب، مما جعل الموضوع محاطا بالكثير من الالتباس والضبابية.

 

ساهمت السجون في صناعة وتوطين التطرف في الدول العربية والإسلامية، وما أفضت إليه المراجعات الفكرية مع هؤلاء المتطرفين داخل السجون من نتائج اعتبرها المتخصصون إيجابية وواعدة في التقليل من التوغل في الفكر المتشدد، حيث حاولت مجموعة من المختصين في الظاهرة الإرهابية مقاربة الموضوع من زاوية الأسباب ومراجعات وتأهيل بعض المتطرفين داخل تلك السجون

واعتبر محمد نصر كروم أن فكرة التكفير ولدت داخل السجون المصرية ضاربا مثال جماعة التكفير والهجرة في ستينات القرن الماضي، حيث أن أفراد هذه الجماعة اعتقلوا كأعضاء من الإخوان المسلمين، لكن داخل السجن ونظرا للتعذيب أفتوا بكفر الضباط والأمنيين والدولة، فتولدت الجماعة عن تلك الظروف.

تكونت تنظيمات إرهابية داخل السجن عندما أصبح لكل زنزانة أمير، ولكل عنبر أمير، مما سمح لهذه التنظيمات بالتوسع وتدبير عمليات إرهابية من داخل الزنازين. وأوضح نصر كروم أن المتهمين في أحداث تفجيرات سيناء لم يكونوا في الأصل إرهابيين، بل هم سجناء مدنيون تم اعتقالهم في زنازين تضم متطرفين تكفيريين.

واعترف نبيل نعيم، القيادي السابق في الجماعة الإسلامية والخبير في الجماعات الجهادية، قائلا “كنت مسؤولا عن مراجعات الجهاديين في السجون المصرية التي أدت إلى خروج 3000 معتقل ينتمي إلى تنظيم الجهاد الإسلامي”.

ومن التحديات التي تواجه المختصين عند محاولة إدماج هذه الشريحة من السجناء داخل السجون ما هو مرتبط بسيكولوجية السجن وعلاقة السجين بفضائه والتأثير السلبي على شخصيته، وما هو مرتبط بعدوى السلوكيات السجنية المنتقلة بين النزلاء، بالإضافة إلى غياب توعية مجتمعية بأهمية احتضان هؤلاء النزلاء بعد إعادة إدماجهم.

واعتبر الرزرازي أن المبادرات المتعلقة بإعادة الـتأهيل تلعب أدوارا مهمة وتكميلية للجهد الأمني في محاربة التطرف والعَوْد والاستقطاب داخل السجون وخارجها، مشددا على ضرورة تفعيل آليات لاحتضان السجناء السابقين داخل المجتمع، خاصة في ما يتعلق بالاندماج المهني والاقتصادي، ويجب الاشتغال ضمن منظومة الإصلاح القضائي على حل مشكلة بطاقة السوابق القضائية التي تعيق عملية البحث عن عمل.

وركز رئيس المركز الدولي للبحوث في العنف السياسي والإرهاب بسنغافورة، على بناء برامج إعادة إدماج المتطرفين في السجون من طرف متخصصين بعدما أصبحت تلك السجون مرتعا للتطرف، مع ضرورة العمل مع الأئمة والأُسرة ومؤسسات التربية والتكوين وشركات القطاع الخاص بشكل مكثف لخلق فرص إعادة الإدماج للعائدين من بؤر التوتر على المستوى النفسي والروحي والاقتصادي والاجتماعي.

ولفت مصطفى الرزرازي إلى أن بعض نزلاء الإرهاب يرفضون التنازل عن صفاتهم الاعتبارية السابقة كشيوخ للسلفية أو مجاهدين، لأن ذلك يمثل لهم مصدرا للافتخار والأفضلية، وهو ما يفسد أحياناً العملية التأهيلية برمّتها.

وأوضح محمد نصر كروم، الخبير المصري، أن من أبرز العوامل التي تؤدي إلى التحول الفكري داخل المعتقل، ما تحمله تلك الجماعات من أفكار متطرفة ومتصادمة مع واقع المجتمع، وعدم قدرتها على استيعاب الواقع الذي تعيش فيه، ووضعها لنفسها أهدافا أقرب إلى الأحلام والخيال منها إلى الواقع، ومحاولة تطويع الواقع بالأدلة الشرعية لخدمة تلك الأحلام والأوهام، وهذا ما حدث مع الجماعة الإسلامية في مصر.

وقال محمد بنصالح، مدير معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا، إن السجون تشكل فضاءات لإنتاج التطرف، مشيرا إلى أن ابن تيمية تطرف في السجن، وسيد قطب أنتج مؤلفاته التي تحمل شحنة متطرفة داخل السجن.

ولمواجهة أيديولوجيا العنف وثقافة الإرهاب حتى داخل المراكز السجنية، تأتي ضرورة البحث في ظاهرة التطرف والتطرف العنيف من خلال مقاربات تتناول الأبعاد الاجتماعية والأيديولوجية والسيكولوجية والسياسية والجيوسياسية والاقتصادية والثقافية.

13