خبراء: بيانات الجامعة العربية وحدها لا تكفي لردع إيران

الخميس 2015/09/17
طهران تستخدم الحوثيين لزعزعة استقرار اليمن وخلق بؤر للتوتر الدائم في الخليج

كانت اجتماعات مجلس الجامعة العربية بالقاهرة، الأسبوع الماضي، واحدة من اللقاءات المهمة التي تطرقت لحزمة من القضايا الساخنة، اقتربت فيها من مناقشة الكثير من جذور بعض المشاكل التي تعتري المنطقة، في خطوة جدّدت التساؤلات حول جدوى هذه القرارات التي تتخذ في القمم العربية، في ظلّ غياب موقف مؤثّر وقادر على وقف تسونامي الفوضى والصراعات المندلعة في المنطقة، ووضع حدّ لتدخلات أطراف خارجية تغذّي هذه الصراعات.

وطالب المجلس في ختام أعمال دورته الـ 144 على مستوى وزراء الخارجية برئاسة الإمارات، الأحد الماضي، طهران بالكف عن تدخلها في الشؤون الداخلية للدول العربية، والتي من شأنها أن “تقوض بناء الثقة وتهدد الأمن والاستقرار في المنطقة”.

وأكد المجلس أهمية أن تكون علاقات التعاون بين الدول العربية وإيران قائمة على مبدأ حسن الجوار، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، وأعرب عن إدانته التدخل الإيراني، باعتباره انتهاكا لقواعد القانون الدولي ومبدأ حسن الجوار.

ولم يكتف المجلس بذلك، بل طالب الدول الأعضاء بإثارة الموضوع في الاتصالات مع الدول الأخرى، وإدراجه كبند دائم على جدول أعمال مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري، وتقديم تقرير للمجلس في دورته المقبلة (مارس 2016) بالتنسيق مع الدول الأعضاء.

ولقي هذا القرار تأييدا من قبل دول الأعضاء في الجامعة، فيما كشفت دوائر سياسية في القاهرة، لـ “العرب”، أن هذا القرار نقلة نوعية مهمة، في تحميل طهران مسؤولية إشعال كثير من الأزمات في المنطقة، لأنه أخرج الهمس العربي الذي كان يدور في الغرف المغلقة إلى العلن، وبالتالي فإن هذه الإدانة العلنية ارتفعت بمستوى الطموحات وأوحت بعدم استبعاد اتخاذ سياسات جماعية لوقف تمادي إيران في مزيد من الاختراقات، خاصة وقد أثبتت القوى الإقليمية العربية أنها قادرة على ذلك من خلال عاصفة الحزم.

وحول آليات ضمان تنفيذ القرار ومتابعة عدم تدخل طهران في الشؤون العربية، قال السفير فتحي الشاذلي، مساعد وزير الخارجية المصري سابقا، إن إيران دأبت منذ فترة على إصدار تعليقات توحي برغبتها في ممارسة هوايتها بالتدخل في الشأن المحلي لبعض الدول الخليجية، خاصة البحرين، ودرجت على أن تتحدث عن الخليج بصفة عامة، كما لو كان منطقة نفوذ طبيعية لها، وتجاوزت النطاق الإقليمي المباشر لاهتمامها الإستراتيجي، وذهبت إلى مضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر، الأمر الذي مثل تهديدا خطيرا للأمن القومي العربي.

إيران دأبت منذ فترة على إصدار تعليقات توحي برغبتها في ممارسة هوايتها بالتدخل في الشأن المحلي لبعض الدول الخليجية، خاصة البحرين

وأكد الشاذلي، في تصريحات لـ”العرب”، أن القرار الذي أصدرته الجامعة العربية (الخاص باحترام مبدأ حسن الجوار) جاء متأخرا عن الوقت الذي كان ينبغي أن يصدر فيه؛ لكن مع ذلك يبقى مهما والأهم منه هو تطبيقه عند الضرورة.

وطالب بآليات للمتابعة والتنفيذ، لرصد التدخل الإيراني أولا بأول، على أن توصي الجامعة الدول الأعضاء بما ينبغي عمله حيال أي تدخل جديد، لأنه يشكل خطرا داهما، بما يحمله من تعميق للمذهبية والطائفية في المنطقة.

وعبّر السفير الشاذلي، مندوب مصر السابق لدى منظمة التعاون الإسلامي، عن دهشته أن آليات الجامعة العربية اكتشفت مؤخرا فقط التدخل الإيراني، وبدأت تتخذ بشأنه قرارات.

وشدد على أن المنطقة “تعيش منذ عام 1979 على وقع التدخل الإيراني الممنهج”، ولم تخف طهران ذلك، ولم تتجشم معاناة ستر أطماعها الإقليمية، وبالتالي كان لابد للقرار أن يصدر قبل زمن، مشفوعا بآليات للمتابعة والتنفيذ، وإجبار طهران على الرضوخ، وعدم الإضرار بالأمن القومي العربي. وتوقع أن تكون هناك مطالب للأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي خاصة بالتقرير، وإصداره بشكل دوري، وإنشاء آلية للمتابعة من قبل الدول الأعضاء للعرض على وزراء الخارجية في مجلس الجامعة خلال الدورة المقبلة. بينما تخشى بعض الدوائر العربية أن يبقى القرار حبرا على ورق، ويضاف للقائمة الطويلة من القرارات العربية، التي لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به، إذا لم يكن مشفوعا بآليات المراقبة والمتابعة، والتطبيق عند الحاجة، فضلا عن التعاون والتنسيق المشترك.

وقالت مصادر سياسية لـ”العرب” إن رد فعل إيران، بشأن القرارات التي أعلنت عنها الجامعة العربية بدا حذرا حتى الآن، لكن في النهاية متوقع أن يقتصر على تصريحات رنانة لطمأنة الدول العربية، ونفي تدخلاتها المستمرة، وربما تأكيد أهمية حفاظها على المصالح العربية، وتوظيف اهتمامها الظاهر بالقضية الفلسطينية.

في حين، أكد السفير رخا حسن، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن مبدأ حسن الجوار، خاصة في منطقة الخليج، التي تربطها علاقات ومصالح وأمن مشترك، ضرورة حتمية مع إيران، على أساس احترام مبادئ السيادة والاستقلال، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

مسألة التدخل في الشأن العربي ليست مقصورة على إيران فقط، حيث هناك تركيا، التي لعبت سياساتها دورا في تأجيج الصراع في سوريا

وأضاف رخا، في تصريحات لـ”العرب”، أن التدخل الإيراني مبدأ مرفوض ومخالف لمواثيق الأمم المتحدة. واستنكر عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية أن تنصب طهران نفسها مدافعا عن مصالح طائفة معينة داخل دولة مجاورة (يقصد البحرين والعراق تحديدا)، ثم تدعمها بالسلاح وبالعتاد بحجة الانتماء الطائفي، وهو ما يمثل إرهابا دوليا.

وأكد أن قرار الجامعة العربية إجراء دبلوماسي له صفة معنوية، قد يؤدي إلى نوع من الضغط السياسي على إيران، وإحراجها أمام المجتمع الدولي، حيث لا يمكن أن تلزم الجامعة العربية أي مسؤول إيراني بعدم الادلاء بتصريحات حول القضايا العربية، ولا يمكن “وضع كمامة على فم المسؤولين الإيرانيين”.

من ناحية أخرى، أوضح السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون العربية (سابقا)، أن مسألة التدخل في الشأن العربي ليست مقصورة على إيران فقط، حيث هناك تركيا، التي لعبت سياساتها دورا في تأجيج الصراع في سوريا، وحاولت تخريب الأوضاع في مصر، بدعمها اللافت لبعض الجماعات الإسلامية.

وقلل هريدي، في تصريحاته لـ”العرب”، من فاعلية قرار الجامعة العربية المندّد بسياسات إيران تجاه دول الجوار، مؤكدا أنه سيظل سلبيا دون تأثير يذكر، طالما أن هناك دولا تتعاون مع طهران على حساب مصالح الدول العربية العليا، وتستخدم تحالفاتها وعلاقاتها مع قوى إقليمية ودولية للعبث بمقدرات العالم العربي أو تسعى إلى تغيير طبيعة المنطقة الديموغرافية؛ فيما تكتفي الجامعة العربية ببيانات الشجب والرفض.

المشكلة في نظر بعض المراقبين، أن قرار الجامعة العربية، مع كل ما ينطوي عليه من مزايا سياسية، يمكن أن يساهم في تكريس الانشقاقات العربية، في ظل وجود دول لديها تحفظات عليه، وتقف أحيانا في خندق واحد مع إيران، مع أن الكثير من ممارساتها، في البحرين ولبنان والعراق وسوريا واليمن مثلا، تقول إن يدها لا تزال طويلة في هذه الدول.

وما لم يتم تفعيل القرار بحيادية ربما يجلب ارتدادات سلبية، لأن طهران تعي ثغراته، وغير مستبعد أن توظفها لصالحها، وتقلب الطاولة على قرار الجامعة العربية، وتغرق دولها في دوامة جديدة من التراشقات والتباين في وجهات النظر، على غرار الخلافات الواضحة في الأزمة السورية وغيرها.

7