خبراء: لا رد على سياسات قطر سوى الوقوف ضدها بقوة

نظم مركز الإمارات للسياسات ورشة عمل بحثت في حيثيات أزمة قطر مع محيطها الخليجي والعربي وتداعياتها على المصالح الخليجية والعربية في ظل التعنّت القطري في الاستجابة للمطالب الخليجية المتعلقة بضرورة وقف الدوحة دعمها للإرهاب واحتضانها للكيانات المتشددة والإرهابية في المنطقة، في مخالفة وتحدّ للموقف الدولي العام، الذي يضع محاربة الإرهاب في مقدمة أولوياته واهتماماته.
الثلاثاء 2017/09/26
فوضى القرار القطري

أبوظبي - باتت مراكز الأبحاث والدراسات تعتبر مصدرا رئيسيا في تحديد استراتيجيات القضايا المحورية للدول، تساهم بموضوعية في تسليط الضوء على مختلف نقاط وزوايا القضية أو الملف المعني، وتضعها في إطارها الزمني الماضي والراهن والمستقبلي.

وتقدّم ورشة العمل التي نظمها مركز الإمارات للسياسات (الاثنين 25 سبتمبر 2017) لمناقشة وتقييم المخاطر السياسية للطموحات القطرية، مثالا على الدور الذي تلعبه مثل هذه المراكز من خلال طرح الإشكالية على طاولة نقاش يحضرها نخبة من الخبراء والباحثين والأكاديميين والإعلاميين الخليجيين والعرب سعت إلى تقديم قراءة هادئة للأزمة والسيناريوهات المستقبلية التي من المحتمل أن تحكم مساراتها.

بحثت الورشة في حيثيات أزمة قطر مع محيطها الخليجي والعربي، وتداعيات هذه الأزمة على المصالح الخليجية والعربية في ظل التعنّت القطري في الاستجابة للمطالب الخليجية المتعلقة بضرورة وقف الدوحة دعمها للإرهاب واحتضانها السياسي للكيانات المتشدّدة والإرهابية في المنطقة، في مخالفة وتحدّ للموقف الدولي العام، الذي يضع محاربة الإرهاب في مقدمة أولوياته واهتماماته.

وثمة توجهان رئيسيان في مقاربة التعامل مع قطر وإدارة الأزمة: الأول، يرى أنه لا بد من إخضاع قطر ودفعها إلى القبول بالمطالب الـ13، وإجبارها على تغيير رؤيتها لدورها. في حين أن التوجه الثاني يرى أنه يتعين أن يكون هدف الدول المقاطعة الرئيس ليس كسر قطر وإنما احتواؤها وخلق مخرج لها عبر الحوار والتوصّل إلى تسوية واقعية ووسطى، لإعادتها إلى الصف الخليجي.

لكن، لا يختلف التوجهان في أن المقاطعة لا تتعلق فقط بالسياسات القطرية الراهنة، وأن ما يحدث اليوم هو نتيجة لتراكمات سابقة تعود أساسا إلى تاريخ استلام عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم عام 1995.

كانت هذه السياسات تعبّر في جوهرها عن تطلّع قطر إلى لعب دور إقليمي يفوق قدرات “الدولة الصغيرة” من جهة ويتعارض مع ميثاق دول مجلس التعاون الخليجي من جهة أخرى، ومن جهة ثالثة لا يحترم مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في سياسات الدول الأخرى، بالإضافة إلى تهديد السلم الإقليمي وحتى العالمي من خلال دعم جماعات متشددة وأخرى مصنّفة على قائمة الإرهاب الدولية.

قطر عملت على استهداف أمن بعض دول المنطقة والتدخل في شؤون دول دون أن يكون لها مصالح مباشرة وواضحة فيها

بيّنت الدوحة حضورها الإقليمي وسياستها الخارجية على كلِّ ما يُعاكس التوجهات العامة لمجلس التعاون الخليجي ومصالح دوله؛ فما تعتبره دول الخليج تهديدات لأمنها تعتبره الدوحة أدوات في مشروعها الإقليمي وسياساتها الخارجية. والواقع أن دول الخليج ليست الوحيدة التي تأذّت من قطر، بل أيضا دول عربية عدة، مثل مصر وسوريا والعراق وليبيا والجزائر وتونس.

لذلك، فالخلاف بين قطر والدول المقاطِعة ليس خلافا في وجهات النظر السياسية، بل هو يتعلق بوجود الدول؛ إذ عملت قطر على استهداف أمن بعض دول المنطقة والتدخل في شؤون دول دون أن يكون لها مصالح مباشرة وواضحة فيها؛ كدعم المعارضة السعودية في لندن، ودعم الجماعات المسلحة في سوريا والحوثيين في شمال اليمن وجماعة الإخوان المسلمين في مصر وغيرها.

وأكدت ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، في تصريح لها على هامش الورشة أن لرباعي المقاطعة ثلاثة مسوغات دفعته إلى مقاطعة قطر: تدخّل الدوحة في الشؤون الداخلية لدول الخليج ودول عربية أخرى في صدارتها مصر، ودعمها وتمويلها الجماعات المتطرفة والإرهابية في المنطقة وإقامتها علاقة خاصة مع إيران رغم ثبوت محاولات تدخل إيران في شؤون دول المجلس الداخلية وتهديد أمنها واستقرارها.

وركزت الورشة على تبعات السياسات القطرية على الشعب القطري وعلى منظومة مجلس التعاون الخليجي، وتحالف قطر مع قوى إقليمية على حساب أمن ومصالح أشقائها الخليجيين، وبما يُضر بوحدة مجلس التعاون ومكانته الاستراتيجية في الإقليم والعالم، ليخلص المشاركون إلى أن قرار مقاطعة قطر قرار استراتيجي حاسم يهدف إلى وقف أي تهديد للمنظومة الخليجية، وانتشار الفوضى في المنطقة.

واعتبر المشاركون أن قرار المقاطعة في سياق التطور الذي شهده النظام الإقليمي الخليجي بعد أحداث الربيع العربي عام 2011، والمتمثل في تراجع دور القوى الكبرى في ضبط طبيعة التفاعلات داخل الإقليم، وتنامي دور قوى الإقليم نفسها في حماية أمنها من التهديدات الداخلية والخارجية، وبروز السعودية كقوة فاعلة في الخليج والمنطقة العربية.

وكان من أهم النتائج التي تحققت عن حملة المقاطعة استشعار قطر بالأزمة وتهديد أمنها الداخلي، بعد أن كانت قطر هي التي تخلق أزمات وقلاقل للدول الأخرى، وفق المشاركين، الذين أوضحوا أن هذه الأزمة تختلف عن سابقتيها في عامي 2013 و2014 في أنها ليست دبلوماسية أو سياسية فقط، وأن قطر تواجه أربع دول معا لأول مرة، ومنها ثلاث دول مهمة في المنطقة؛ ما يعني أن قطر لا تستطيع أن تمارس دورها الإقليمي في ظل العزل الذي تتعرض له من طرف هذه الدول.

ابتسام الكتبي: الأزمة كشفت حقيقة قطر وحجم تدخلاتها في شؤون دول المنطقة

لكن، وبالرغم من مرور أكثر من 100 يوم على الأزمة، ورغم أن السواد الأعظم من المجتمع الدولي معترف بدور الدوحة في دعم جماعات وأطراف متشددة أو على مصنّفة إرهابية، إلا أن الدول المقاطعة لم تنجح في الحصول على تأييد عربي وأوروبي وآسيوي وحتى أميركي واضح لموقفها، وذلك بسبب تراجع تأثير القوى الكبرى في حسم طبيعة التفاعلات بين دول المنطقة، وضعف نفوذها على إرادة دول المنطقة.

وتوجد أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل الأزمة: الأول، التوصل إلى حل للأزمة من خلال موافقة قطر على مطالب الدول المقاطِعة، وهذا سيناريو مستبعد، على الأقل في المدى القصير.

والسيناريو الثاني هو التجميد، وذلك باستمرار مقاطعة قطر لكن من دون المزيد من التصعيد، ويبدو أن هذا السيناريو هو الراجح؛ والسيناريو الثالث تصعيد الضغوط على قطر، سيما الضغوط السياسية الأكثر تأثيرا من الضغوط الاقتصادية، وهذا سيناريو محتمل؛ والسيناريو الرابع هو الدفع باتجاه تغيير النظام، وهو مُستبعد بسبب طبيعة المنظومة الخليجية، ولكن في حال صعّدت قطر العداء للدول الأربع فلا يُستبعد أن تلجأ هذه الدول إلى هذا الخيار.

وفي كل الحالات، لا ينتظر أن يحقق المجتمع الدولي اختراقا كبيرا، فحل الأزمة لن يكون إلا داخليا. وأمام ضبابية المواقف القوى الدولية، دعا الخبراء المشاركون في الورشة أطراف الأزمة إلى أن يدركوا أن حالة الانسداد أمام حل الأزمة، تُتيح تدخل قوى دولية وإقليمية لاستثمار الأزمة لمصالحها، وهو ما شاهدناه بشكل جليّ منذ بدء الأزمة، سواء في دور تركيا وإيران أو دور قوى دولية كروسيا وحتى الولايات المتحدة.

وينبغي لأطراف الأزمة أن تدرك أن استمرار الأزمة قد يهدد بقاء منظومة مجلس التعاون، خاصة أن التهديد هذه المرة يأتي من داخله. وهنا لا بد من التفكير في آليات لتحصين مجلس التعاون، وإبقائه عصيّا على التفكيك، مع احتمال مبادرة قطر إلى الانسحاب من المجلس.

كما أشار الخبراء إلى أنه يتعيّن على الدول الأربع أن تبحث في أهداف وجدوى وأخطار خيار دعم المعارضة القطرية، وحسم ما إذا كانت يمكن أن تصل إلى خيار تغيير النظام القطري.

ورجّح الخبراء أن تستمر الأزمة لأن جميع اللاعبين في الأزمة ما زالوا على طرفي نقيض تقريبا، ومن المتوقّع أن تتمسك الدول الأربع المقاطِعة بموقفها الداعي إلى قبول قطر الكامل بمطالبها، ولن تتخلّى هذه الدول عن أيّ من هذه المطالب، فيما يبدو أن الحل، وفق ما جاء في ورشة العمل، هو نقل ملف دعم قطر للإرهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية أو إلى مجلس الأمن حتى يتم إجبار قطر على التخلّي عن هذه السياسة.

بالتوازي مع ذلك يتعيّن على التحالف الإماراتي-السعودي العمل على ترميم المنظومة الإقليمية ودعم الاستقرار والأمن العربي الإقليمي، وفي ذلك إضعاف للتوجهات القطَرية- الإيرانية.

6