خبراء: معالجة أزمة الهجرة السرية تنطلق من الداخل الأفريقي نحو أوروبا

السبت 2015/04/25
المعيشة في الدول الأفريقية عامل أساسي وراء تفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية

تونس – ”الربيع العربي يجبر الآلاف على الهجرة غير الشرعية”، عنوان بات يتردّد بكثرة في الفترة الأخيرة في صفوف الأوروبيين، ساسة وإعلاميين ومختصّين في شؤون الهجرة السريّة، التي باتت أزمة أوروبا الحارقة.

وبقدر ما يجانب هذا العنوان الصواب في ربط قضية ارتفاع المهاجرين غير الشرعيين بتداعيات أحداث ”الربيع العربي”، خصوصا في تونس وليبيا، فإنه مضلّل وخاطئ في سياقه العام، حيث يوحي بأن المهاجرين غير الشرعيين، هم من أبناء بلدان “الربيع العربي”.

بتعميمهم هذا، يغيّب المسؤولون الأوروبيون والخبراء المعنيون بهذه القضية، المعلومة الأهم في هذه الظاهرة، وهي أن السواد الأعظم من هؤلاء المهاجرين قدموا من أدغال أفريقيا وصحرائها القاحلة إلى السواحل الشمالية للقارة والتي ستكون “الترانزيت” نحو أوروبا.

ولا يخفي خبراء تونسيون أن نسبة لا يستهان بها من شباب تونس يغامرون بحياتهم بحثا عن “وهم” أفضل في أوروبا، إلا أنهم في نفس الوقت يعترضون على تعميم الحديث عن المهاجرين الشرعيين دون تبيان نسبة المهاجرين من دول المغرب العربي وشمال أفريقيا ونسبة المهاجرين الأفارقة الذين يمثّلون أغلبية المهاجرين، أو ما يعرف في بلاد المغرب العربي بـ”الحراقة”.

ويقول الخبراء إن التوصيف الأدق لهذه الظاهرة هو “الهجرة السرية للأفارقة من بلدان المغرب العربي”، مشيرين إلى أن العدد الكبير للأفارقة هو الذي يجعل هذه التجارة نشطة، فعدد “الحراقة” من المغرب وتونس والجزائر وموريتانيا، فقط، لا يشكّل مصدر ثراء هام بالنسبة للمهرّبين، ولا يمكن أن يتعدّى المئات، لكن مع وجود المهاجرين القادمين من بلدان أفريقية أخرى، فإن العدد يرتفع إلى الآلاف، وبالتالي فإن الخيط الأول لحل الأزمة يبدأ من داخل أفريقيا مرروا ببلدان المعبر، جنوب المتوسّط، ثم المرحلة الأخيرة الدول المستقبلة في الشمال، وبتقديم يد المساعدة للدول المصدّرة وليس عبر الاجتماعات الطارئة في العواصم الأوروبية والحلول الأمنية القاتلة وغلق الحدود.

وعلى الرغم من وجود دراسات عديدة عن مسارات الهجرة السرية وديناميكياتها وتدفقاتها من الزاوية الجغرافية بصفة أساسية، إلا أن مسألة “الحرقة” لم تدرس على درجة كافية من زاوية جنسيات المهاجرين واختلاف نسبهم من جنسية إلى أخرى؛ وهذا الغياب يعدّ أحد أهم أسباب فشل قادة أوروبا، غير المتوافقين والمنقسمين بشأن قضية الهجرة غير الشرعية؛ ومن أهم الأسباب التي عطّلت تنفيذ السياسات الأوروبية المتبعة منذ 30 عاما، وستبقى تعطّل القرارات التي تم اتخاذها هذا الأسبوع، خلال القمّة الأوروبية الطارئة حول أزمة الهجرة غير الشرعية.

وتؤكّد دراسة صدرت عن الشبكة الأوروبية المتوسّطية حول الهجرة واللجوء في بلدان المغرب العربي أنه لا يمكن اعتبار ليبيا بلدا مصدّرا للمهاجرين غير الشرعيين (الليبيين)، رغم أن سواحلها تعتبر ممرّا رئيسيا لـ”الحرّاقة”؛ والمهاجرون الليبيون هم مهاجرون شرعيون، إما معارضون لنظام القذّافي أو هاجروا من أجل الدراسة والعمل، وحتى أحداث “الربيع العربي”، لم تجبر اللاجئين الليبيين على الدخول سرّا إلى الدول التي هربوا إليها من جحيم الحرب في بلادهم، وخصوصا، تونس ومصر.

وتعتبر ليبيا في حد ذاتها مقصدا رئيسيا للمهاجرين غير الشرعيين، ويفضل عدد كبير من المهاجرين الأفارقة الذين فشلوا في دخول إلى أوروبا أو عزفوا عن مغامرة دخولها البقاء في شمال أفريقيا كخيار بديل.

ويؤكّد باحثون اجتماعيون أن الاضطرابات الحالية في شمال أفريقيا لا تتسبب في هجرة أبناء البلد، على عكس ما يوحي به عنوان “الربيع العربي يجبر الآلاف على الهجرة غير الشرعية”، وهم وإن أكّدوا صحّة المعلومات التي تتحدّث عن ارتفاع خطير وقياسي في عدد المهاجرين غير الشرعيين عبر بلدان الربيع العربي، إلا أنهم يؤكّدون في نفس الوقت أن الثورات الشعبية، أعطت في بدايتها، أملا لشباب تونس ومصر، في واقع أفضل في بلادهم الأمر الذي قلّل من نسب “حرقة” شباب دول “الربيع العربي”، على الأقلّ في السنوات الأولى، من تلك الأحداث.

وفي الوقت الذي كان فيه وزراء الخارجية والداخلية لدول الاتحاد الأوروبي مجتمعين، في جلسة طارئة انعقدت على خلفيّة كارثة، توالت الأخبار عن أحداث غرق متواترة، أودت بحياة المئات من المهاجرين غير الشرعيين.

ويشدّد الخبراء على أن مشكلة اللاجئين الأفارقة من بين أخطر المشاكل التي ينبغي على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية فيها، حيث تقف ظروف المعيشة في الدول الأفريقية عاملا أساسيا وراء تفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية، حيث تتحدّث جميع الدول التي تشكل ممرا للهجرة أو وجهة نهائية عن التعامل مع هؤلاء المهاجرين بالقوة واتباع الحل الأمني، لكن أحدا لم يقدم حلولا إنسانية، تبدأ من الجذور، لهذه الكارثة الإنسانية التي يتوقع أن تتفاقم مع تزايد بؤر الصراعات والتوترات الإقليمية.

7