خبراء: من يتوقع تغيرا في سياسة إيران الخارجية واهم

تحذّر مؤسسات بحثية أميركية عديدة، من بينها مجموعة الشرق الاستشارية، من خطر التساهل مع إيران والاعتقاد بأنه يمكن أن تصبح في يوم دولة ذات سياسة معتدلة، فيما يؤكّد خبراء وسياسيون أن الاتفاق النووي بينها وبين القوى الغربية لن يجعلها أقل عدوانية بل بالعكس تبيّن أن عدوانية طهران تضاعفت بعد توقيع الاتفاق.
السبت 2015/11/14
أينما يوجد الحرس الثوري يختفي السلام

واشنطن- لايزال ملف الاتفاق النووي الإيراني يتصدّر اهتمام مراكز الدراسات والاستشارات الأميركية، التي يميل أغلبها للكفّة المنتقدة لهذا الاتفاق، ويقول إنه لن يؤدّي بأي حال من الأحوال إلى تغيير السياسة الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط، فيما ستستمر الشعارات الإيرانية التي تعتبر الولايات المتحدة “الشيطان الأكبر”.

وأعرب جون فليمينغ، النائب في الكونغرس، عن ولاية لويزيانا، والذي كان يعمل في لجنة الخدمات المسلحة، عن رفضه لتوقيع بلاده للاتفاق النووي الإيراني. ووصف فليمينغ، الذي كان ضابطا سابقا في البحرية الأميركية، الاتفاق النووي الإيراني بـ”الكارثة”. وقال إنه “أسوأ صفقة يمكن إبرامها”. كما أفاد أن الموقف التفاوضي الأميركي يمكن وصفه بأنه مجرد محاولة “للحصول على أي شيء شرط أن يتم التوصل إلى اتفاق”.

ويستدلّ الخبراء، ومن بينهم المحلل السياسي في صحيفة واشنطن بوست، توماس إردبرينك، على اقتناعهم بأن إيران لن تتغيّر، بسلسلة من التصريحات والممارسات الإيرانية المستفزة التي صدرت خلال الأسابيع القليلة الماضية، لتنسف آمال كل من توقّع أن يفتح اتفاق الولايات المتحدة مع إيران عهدا جديدا من العلاقات بين البلدين، وتخذل كلّ من أمل في أن يساهم ذلك في انفتاح إيجابي بين الإيرانيين والغرب.

وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني قال، يوم الخميس الثاني عشر من نوفمبر الجاري، أن الاتفاق النووي الإيراني يمكن أن يؤدي إلى تحسين العلاقات بين طهران وواشنطن، وقد تصل إلى إعادة فتح السفارات بين الدولتين، لكن تحقيق ذلك مرهون بقيام “الولايات المتحدة بتصحيح الأخطاء التي ارتكبتها خلال السبعة والثلاثين عاما الماضية، والاعتذار للشعب الإيراني”.

مجموعة الشرق الاستشارية ترى أن هناك تصورات ضخمت الاتفاق إلى الحد الذي ساد معه انطباع بأن الولايات المتحدة سوف تنسحب من المنطقة

وأضاف، روحاني في تصريحات نقلتها صحيفة كوريري ديلا سيرا الإيطالية، “في يوم ما سوف تتم إعادة فتح السفارات، ولكن إذا لم تحترم واشنطن ما تم التوصل إليه في الاتفاق النووي، سوف تبقى العلاقات على ما هي عليه”. وفي خضم إحياء الذكرى السادسة والثلاثين لاختطاف موظفي السفارة الأميركية في طهران (4 نوفمبر 1979)، قال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي إن شعار “الموت لأميركا” هو شعار أبدي.

وقد حذرت مجموعة الشرق الاستشارية (ميدل ايست بريفينغ) المجتمع الدولي والشعب الإيراني ودول منطقة الشرق الأوسط من مخاطر تصديق الخطابات الناعمة للدبلوماسيين وبعض السياسيين في طهران، مشيرة إلى أن ما يهم هو الإجراءات والتصرفات. ولكن على ضوء ما هو موجود وملموس على أرض الواقع حاليا، يتوضّح أن قادة الحرس الثوري يتنقلون في المنطقة كما لو أنه تم ضمها بالفعل لما يصرح به بعض المسؤولين في نوع من “الهلوسة” بعودة “الإمبراطورية الفارسية”.

تضخيم الاتفاق

ترى مجموعة الشرق الاستشارية أن هناك تصورات ضخمت الاتفاق إلى الحد الذي ساد معه انطباع بأن الولايات المتحدة سوف تنسحب من المنطقة. وقالت المجموعة البحثية، التي تتخذ من واشنطن مقرّا لها، إن بعض النظريات غير الناضجة تتحدث عن تنسيق الولايات المتحدة مع إيران ما بعد الاتفاق النووي في الشرق الأوسط. وظهرت نظريات أخرى تبالغ في تأثير الاتفاق على مواقف المعتدلين في طهران، وكيف أنه سوف يساعد روحاني في سياسته “المعتدلة”.

حسن روحاني: يمكن استعادة العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران مع الاعتذار

لكن الوقائع تكشف أن الأمور سارت في اتجاه مختلف، فإيران لم تكن لديها أي نوايا فعلية، قبل الاتفاق أو بعده، لتغيير سلوكها في المنطقة، ولا لتنسيق سياساتها مع الولايات المتحدة الأميركية. وافتراض تعديل نوايا إيران بموجب الاتفاق أمر غير منطقي، في حين كان ينبغي أن يستند الافتراض الصحيح على مدى ارتفاع منسوب العدوانية الإيرانية بعد الاتفاق بدلا من توقّع تراجعه، والدليل أن إيران اختارت، بعد توقيعه، سياسة إقليمية أكثر عدوانية ووضعت سقفا أعلى لطموحاتها.

وأدى هذا الوضع إلى مواجهة الولايات المتحدة والعرب لمشكلة حقيقية. فالولايات المتحدة، ونتيجة لاعتمادها إستراتيجية تهدف إلى الحد من التدخل في أزمات الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الاتفاق النووي، تراجع نفوذها الإقليمي إلى مستوى يثير القلق.

وقد لا يكون الاتفاق مرفوضا، لكن العلاقة بين توقيع الاتفاق وعواقبه من الناحية الاستراتيجة الإقليمية لطهران أصبحت مصدرا لإثارة القلق، حيث أن العدوانية الإيرانية على الصعيد الإقليمي تفاقمت، وسط شعور العرب بتخلي الولايات المتحدة عنهم كحلفاء تقليديين، واستعداد الأميركيين للتنسيق مع إيران.

وتقول المجموعة الاستشارية إن الاتفاق النووي مثّل مفترق طرق في الشرق الأوسط بالنسبة إلى روسيا والولايات المتحدة التي تعمل الآن على العودة تدريجيا وبحذر إلى الشرق الأوسط. وفي الفترة الأخيرة، توضّحت الصورة في الشرق الأوسط، بحيث تأكد الخبراء من أن المشهد في حاجة إلى تنسيق عربي أميركي أكبر مما كان عليه. ويتلخص ذلك في كلمتين: احتواء إيران، وتركيز القوى الدولية على سوريا والعراق.

وتدعو المؤسسة البحثية، المتخصصة في الدراسات الاستراتيجية والاستخباراتية، إلى ضرورة الحذر من التدخل التخريبي الإيراني الذي أصبح أمرا واقعا في سوريا والعراق، والذي يمكن أن يطال دولا أخرى من المنطقة في المستقبل، كما تنقد أولئك الذين يقولون إن إيران لا تخرّب في المنطقة، متسائلة: لماذا تسلل الإيرانيون إلى العراق بعد الغزو الأميركي وقتلوا الأميركيين والعراقيين وتلاعبوا بالمسرح السياسي.

وتسأل المؤسسة أيضا عن العصابات التخريبية والإرهابية التي تم اعتقالها في الكويت والبحرين والمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى السفن التي تحمل الأسلحة للحوثيين في اليمن، وعن تواجد الحرس الثوري في لبنان وسوريا والبحرين، لتضيف مستنكرة “هذا ليس من باب السياحة، ولكنه شيء من التخريب والإرهاب”.

الاتفاق قد لا يكون مرفوضا، لكن العلاقة بين توقيع الاتفاق وعواقبه من الناحية الاستراتيجة الإقليمية لطهران أصبحت مصدرا لإثارة القلق

معركة سوريا

يتم تعريف توازن القوى في المنطقة الآن من خلال المعركة من أجل سوريا، باعتبار أنها مكان اختبار قدرات كل من روسيا والولايات المتحدة وإيران والعرب وتركيا من أجل تشكيل ميزان القوى الإقليمي، لكن قبل 15 أو 20 عاما كان الوضع مختلفا، حيث لم يكن في الساحة سوى الولايات المتحدة والعرب.

وهذا التغيير الحاصل يرجع إلى ثلاثة عوامل: الأول هو انتفاضات عام 2011، وما سببته من أضرار في نظام الأمن الإقليمي، والثاني هو التقدم الذي أحرزته إيران في بناء قدرات في مجالات الحرب غير المتكافئة والقدرات العسكرية، والثالث التراجع التدريجي للدور الإقليمي للولايات المتحدة.

ويقول خبراء مجموعة الشرق الاستشارية إنه يجب على إيران أن تدرك أن سوريا والعراق يمكن أن يكونا جسرها إلى المنطقة عن طريق التجارة والتنمية والتعاون لبناء مستقبل إقليمي مشترك، بدلا من الحرب والتخريب والتدخل لإحداث المزيد من الكوارث، التي ستنعكس بدورها على المؤسسة السياسية والشعب في إيران.

لكنهم يستدركون قائلين إنه يصعب إقناع الحرس الثوري الإيراني بالقيام بذلك، لأن طبيعة تكوينه تعارض السلام الإقليمي معارضة تامة، وهو ما يتجلى في شخصية قاسم سليماني، قائد سرايا القدس. ففي حال وجد السلام في المنطقة، فإن الحرس الثوري لن يكون له وجود. لذلك تحتاج الولايات المتحدة والدول العربية إلى إعادة بناء استراتيجياتهما الإقليمية وعلاقاتهما مع الإيرانيين الذين يجب أن يدركوا أن نشر الفوضى في العالم العربي ستكون تكلفته باهظة للغاية.

وتخلص مجموعة الشرق الاستشارية إلى ضرورة عدم تخفيض صفقات الأسلحة بين الولايات المتحدة والدول العربية، حيث أن إيران لن تتوقف عن التدخل ودعوة الآخرين من أمثال بوتين للتدخل أيضا في دول المنطقة، على غرار ما جرى في سوريا، وربما في العراق أيضا. وحتى لا تكون الأزمة الإقليمية بمثابة ثقب أسود في النظام العالمي، ينبغي مناقشة تدابير واضحة تشرح للإيرانيين بأن أعمالهم قد تكلفهم ثمنا باهظا، وتشجيع الشعب الإيراني على عدم الاستماع إلى خطابات المتعصبين.

7