خبراء يبرئون الروبوتات من سرقة فرص العمل

التهديد الأكبر للوظائف هو الكساد الاقتصادي الذي يشهده العالم.
الجمعة 2020/05/01
المنافسة بين الآلة والإنسان ليست وليدة اليوم

على الرغم من أن الروبوتات بات لها وجود في الكثير من مظاهر الحياة، حيث أظهرت أزمة كورونا قدرتها على مساعدة البشر وفي أحيان أخرى تأدية عملهم، إلا أن هناك من يؤكد أن الاقتصاد العالمي لا يمكنه الاستغناء عن اليد العاملة البشرية، فالآلات لا تزال بعيدة جدا عن اللحاق بذكاء الإنسان وبراعته، ولكنّ الخطر الأكبر على الوظائف هو الكساد الاقتصادي.

 لندن – لو أن الروبوتات تفكر لسمعناها تقول “شكرا كورونا”. شكرا له لأنه أتاح لنا الفرصة لنحتل المكانة التي نحن عليها الآن بين البشر، وفتح لنا الأبواب واسعة لنزيحهم جانبا، وننافسهم على فرص العمل. هذا على الأقل ما يعتقد البعض منا أنه قادم لا محالة.

المنافسة بين الآلة والإنسان ليست وليدة اليوم، فقد حلت الآلة محل الإنسان في المهام الروتينية والصعبة وأحيانا الخطرة، منذ أن ابتكر الإنسان العجلة.

وفي ظل ما يعيشه العالم من جائحة كورونا، سُنحت الفرصة أفضل من أي وقت مضى لأن تجد الروبوتات مكانا لها بين البشر، ويحاجج خبراء أن الجائحة يمكن أن تدفع إلى تطورات جديدة في علم الروبوتات، وأن تلك الأجهزة يمكن أن تقدّم المساعدة بخصوص عمليات تشخيص وفحص ورعاية أكثر فعالية للمرضى.

رفع المعنويات

إذا كانت فكرة مساعدين على شكل روبوتات قد تبدو شيئا ينتمي إلى المستقبل أو ضربا من ضروب الخيال العلمي، فإنها لم تعد كذلك، حتى إن الروبوتات باتت تُستخدم منذ مدة في المعركة ضد فايروس كورونا. ففي هونغ كونغ، على سبيل المثال، يقوم أسطول من الروبوتات الصغيرة بتعقيم قطارات الأنفاق في المدينة.

كارل بنديكت فراي: ستؤدي الأتمتة إلى تفاقم الاضطرابات في الأعوام القادمة
كارل بنديكت فراي: ستؤدي الأتمتة إلى تفاقم الاضطرابات في الأعوام القادمة

وفي الولايات المتحدة، لعبت الروبوتات دورا في أول حالة معروفة لـكوفيد – 19، إذ تم استخدام روبوت مجهز بسماعة الطبيب وميكروفون مع رجل يبلغ 35 عاما في ولاية واشنطن، كان معزولا في وحدة عزل بعد أن ظهرت عليه أعراض الإصابة بالفايروس.

واهتم فريق مكون من 14 روبوتا بمرضى مستشفى ميداني في ووهان الصينية، بؤرة الوباء في العالم، ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن صحف محلية أن الروبوتات كانت تساهم في قياس حرارة المرضى بالاستعانة بأدوات قياس تعمل بتقنية الجيل الخامس عند المدخل، وكانت تقدم للمرضى الأطعمة والأدوية بواسطة آلات مستقلة الحركة، وتولى روبوت على شكل أنثوي يحمل اسم كلاود غينغر التواصل مع المرضى.

وشرح رئيس شركة “كلاود مايندز” المطورة للروبوتات كارل جاو أن الروبوت “كان يعطي معلومات ويرقص لرفع معنويات المرضى الذين كانوا يعانون الملل”. وكانت مجموعة من الأشخاص، بينهم طبيب، تسيّر الروبوتات من بعد، عن طريق منصة رقمية وأساور متصلة بالإنترنت يضعها أشخاص يُعالَجون في المستشفى، مهمتها قياس ضغط الدم وبيانات حيوية أخرى.

وفي كوريا الجنوبية وتايلاند وبلدان أخرى، باتت المستشفيات مجهزة بروبوتات مزودة بشاشات لإجراء الاستشارات عبر الفيديو، من دون الاضطرار إلى الدخول إلى الغرفة. كما أن بعض هذه الروبوتات قادرة على تفحص رئتي المرضى.

وفي السعودية، طور مجمع الملك عبدالله الطبي بجدة روبوتا للمساعدة في خدمة مرضى فايروس كورونا، بهدف الحد من انتشار العدوى بين الطاقم الطبي والتمريضي والمرضى والتقليل من استهلاك المستلزمات الطبية الوقائية. ويتميز الروبوت بإمكاناته المدمجة مثل السماعة الطبية والكاميرات الخاصة بفحص الأذن والعين ذات خاصية التقريب والكاميرا الخاصة بفحص الجلد عن بعد عن طريق كاميرا مدمجة ذات دقة عالية.

ظرف طارئ

الروبوتات عند الأزمة
الروبوتات عند الأزمة

تشكل هذه التجارب، القصيرة والطموحة، مؤشرا إلى ما قد يكون عليه مستقبل الرعاية الطبية للمصابين بالأمراض شديدة العدوى. وبينما لا يمكن للأجهزة المزودة بالذكاء الاصطناعي أن تحل محل الأطباء، فإنها توفر حماية لهم.

وأثناء فترة الحجر الصحي المفروضة في أغلب بلدان العالم بهدف الحد من انتشار الفايروس، يشعر المسنون بالوحدة الشديدة، خصوصا أن زيارة ذويهم لهم تُمنع أحيانا خوفا من انتقال العدوى. وللحد من الشعور بالوحدة والعزلة بين المسنين، اغتنم مهندسون في بلجيكا فرصة الحجر الصحي لتسويق منتجاتهم من الروبوتات المنزلية التي تشبه البشر إلى حد كبير.

وقام المهندسون بنشر الروبوتات في نحو 70 دارا للمسنين في بلجيكا. ويعمل الروبوت على زيارة المسنين والتحدث معهم والتحرك حولهم لتسليتهم ومساعدتهم في مهماتهم الحياتية اليومية.

ولا يقتصر الاعتماد على الروبوتات على المجال الصحي فقط، حيث بدأت بعض الشركات والمشاريع التجارية حول العالم، وخصوصا في الولايات المتحدة، في زيادة الاعتماد على الأتمتة في مكان العمل، لتعويض غياب معظم العمال نتيجة إجراءات الإغلاق والحجر الصحي التي تفرضها السلطات لمكافحة فايروس كورونا المستجد.

وأظهرت أرقام أصدرتها شركة “برين كوب” الأميركية، التي تعمل في مجال تطوير برامج لاستخدام روبوتات التنظيف المستقلة، أن عملاءها يستخدمون منتجاتها بنسبة تزيد عن 13 في المئة عما كانوا عليه في الأشهر التي سبقت الوباء.

بينما قالت شركة “سيمني روبوتيكس”، التي ابتكرت روبوتا مستقلا لإجراء عمليات جرد لمخزون المتاجر من خلال التعلم الآلي، إن أسواق المواد الغذائية التي تتعرض لضغط هائل بسبب تدفق الناس في زمن تفشي الفايروس عليها، تستفيد منه بشكل كبير.

وتشير التجارب الماضية إلى وجود علاقة طردية بين زيادة الأتمتة والتدهور الاقتصادي، إذ تُظهر دراسة صدرت عام 2018، أن 88 في المئة من الوظائف التي فُقدت في ثلاث موجات ركود كبيرة شهدتها الولايات المتحدة، استُبدلت بالأجهزة الأوتوماتيكية، وتتجلى هذه العلاقة بين الركود الاقتصادي واستبدال العمال بالآلات، في عدّة أبحاث أخرى أيضا.

قد تصبح الروبوتات مطلوبة بشكل خاص للمشاريع التجارية الأساسية في ظل انتشار الجائحة، إذ أنها مُضطرة إلى الاستمرار بتقديم خدماتها للجمهور رغم الإغلاق.

وتؤكد الشركات العاملة في مجال الروبوتات أن منتجاتها تهدف إلى زيادة العاملين من البشر، وليس استبدالهم. ولكن مع وجود عشرات الملايين من الأميركيين عاطلين عن العمل، من المستحيل ألا تنمو مشاعر الخوف من أن تتسبب زيادة الأتمتة في جعل انتعاش الوظائف بعد الوباء أكثر صعوبة.

تفاقم الفوارق الاجتماعية

كورونا يعمق نسب الفقر في بلدان كثيرة
أزمة تعمق نسب الفقر في بلدان كثيرة

ويعتقد خبراء أن الوظائف منخفضة الدخل ستكون الأكثر عرضة للاختفاء بسبب الأتمتة، وحسب الباحث، كارل بنديكت فراي، من برنامج “مستقبل العمل” في جامعة أكسفورد ستؤدي الأتمتة والتقنيات الرقمية إلى تفاقم الفوارق الاجتماعية، ويمكن أن تكون مصدرا للاضطرابات في الأعوام القادمة.

بينما ترى المختصة الهولندية في تطوير حلول الروبوتات، فانيسا إيفرس، أن الروبوتات “بفضل طاقاتها الاستثنائية، التي تعمل بأنظمة الذكاء الاصطناعي، ستتمكن من تيسير وتحسين قراراتنا وفهمنا للأوضاع وأساليبنا في التعامل، وستكون قادرة على التخفيف من أعباء العمل والتنفيذ الآلي للوظائف”.

ولا تستبعد فانيسا أن تربطنا مستقبلا علاقات مع وكلاء اصطناعيين مشابهة لتلك التي تربط بين البشر، سيتسنّى لنا التواصل معهم بلغة طبيعية، وملاحظة تصرّفاتهم، وفهم مقاصدهم. ولكن، طالما لم نمنح الذكاء الاصطناعي الحياة الباطنية الملائمة، لا مجال لإيجاد علاقة منطقية مع الروبوتات شبيهة بالعلاقة بين البشر، بما تتضمنه من حوارات وطقوس وقابلية للتعمّق والتطوّر بمرور الوقت، في إطار حياة يومية زاخرة بالأحداث.

ويرى خبراء أن التهديد الفوري للوظائف من جرّاء عمليات الأتمتة أثناء الوباء، مبالغ به. وقد أشارت ورقة بحثية صدرت في يناير الماضي، إلى أن الأتمتة نادرا ما حلت محل فئات مهنية كاملة، لكن وجود الروبوتات يؤدي عادة إلى أتمتة أجزاء من الوظيفة، مما قد يؤدي إلى تناقص الأجور، وليس فقدان الوظائف بالضرورة.

وسبق للعالم أن شهد وضعا مماثلا، عقب انتشار فايروس إيبولا في 2015، حيث برزت أعداد من الفرص أمام الروبوتات، غير أن التطبيق ظل محدودا، فالأمر ليس بسيطا كالضغط على زر الكهرباء بل يتطلب استثمارا حقيقيا حتى تصل روبوتات متخصصة إلى السوق.

وفي مقال نشرته مجلة ناشونال إنترست الأميركية يقول جيمس بيثوكوكيس إن فايروس كورونا قد يحفز الكثير من الشركات على التفكير بجدية أكبر في الأتمتة، لكن هذه المخاوف مبالغ فيها. لقد دُفعنا إلى الاعتقاد بوجود موجة جديدة من الأتمتة، وأن هذه الموجة أصبحت ممكنة بفضل الذكاء الاصطناعي الأكثر ذكاء والروبوتات الأكثر تعقيدا.

هذا الاعتقاد ربما يتغير بعد جائحة كورونا، وينسب إلى الكاتب مات سيمون قوله إن الكارثة الاقتصادية الراهنة جراء تفشي فايروس كورنا قوضت أسطورة الروبوتات العمالية وسيطرة الذكاء الاصطناعي.

ويضيف أن بعض الناس، مثل المرشح الرئاسي الأميركي السابق أندرو يانغ، يجادلون بأن المشكلة ستزداد سوءا، وأن العالم سيحتاج إلى استخدام المعونة الأساسية أو نموذج الدخل الأساسي العالمي “يو.بي.آي”، وهو مبلغ من المال لتزويد المواطنين بغض النظر عن دخلهم، للحد من الفقر وزيادة المساواة بينهم، أو لدعم العمال المبعدين عن وظائفهم.

لكن الكاتب يرى أن الاقتصاد العالمي لا يمكنه الاستغناء عن العمال البشريين، فالآلات لا تزال بعيدة جدا عن اللحاق بذكاء الإنسان وبراعته.

ويشير الكاتب إلى دراسة أجراها الباحث جيمس بيسن من جامعة بوسطن بشأن التهديد الذي تشكله الأتمتة الحديثة على التوظيف البشري، والتي تفيد بأن الأتمتة تميل إلى القضاء على بعض المهام التي تشكل وظيفة معينة، ولكن ليس جميعها.

إن عمليات الأتمتة المستبدلة للوظائف كانت معنا طوال الوقت، وقد يمنح وباء كورونا الشركات حافزا إضافيا للأتمتة حيث يمكنها ذلك. ولكن في الوقت الحالي، فإن التهديد الأكبر للوظائف هو الكساد الاقتصادي الذي يشهده العالم.

12