خبرة مصر في التعاطي مع الإسلام السياسي درس تستفيد منه أميركا

الأربعاء 2014/10/08
عبد الفتاح السيسي يلتقي بأوباما وجها لوجه لوضع حد للتوتر ولتلمس حقيقة النوايا الأميركية في محاربة إرهاب الإخوان

القاهرة - تشهد العلاقات المصرية الأميركية عملية مدّ وجزر ولم تعرف استقراراً على وتيرة واحدة، خاصة عندما تعترض مسارها متغيرات على الساحة الإقليمية. ففي أعقاب وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة، بدأ التقارب المصري الأميركي يأخذ شكلاً ملحوظاً، وما لبث أن دب الفتور في أوصاله عندما نجحت حركة 30 يونيو بشقيها العسكري والشعبي في إقصاء الإخوان عن السلطة، ووصول المشير عبد الفتاح السيسي إلى سُدة الحكم عقب انتخابات، إلا أن العلاقات مرة أخرى أخذت في التحسن التدريجي، لاسيما بعد أن أدركت أميركا أنه لا غنى لها عن الدور المصري في التصدي للإرهاب الإسلامي.

دفعت المستجدات في الشرق العربي من تعاظم خطر إرهاب الإسلام المتشدد (داعش وما تبعها من تنظيمات أخرى) والحرب الدولية التي تشن الآن للقضاء عليه، إلى إعادة صياغة الرؤية الأميركية للعلاقات مع مصر، بشكل أصبح فيه النموذج المصري في التصدي لظاهرة الإسلام السياسي (بشقيه الإخواني والجهادي) محددا في العلاقات بين الدول ونقطة هامة ترتكز إليها الاستراتيجيات الكبرى خاصة للقوى العظمى.

ويؤكد عديد المراقبين أن العلاقات المصرية الأميركية قد عادت إلى مجراها وفي طريقها إلى التحسن أكثر بسبب ضغوط الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، واكتشاف الغرب بشكل عام وخاصة الولايات المتحدة صواب التوجه (بشكل عام) الذي اتخذه النظام المصري الحالي بعد أن دفعته موجة الاحتجاجات في الثلاثين من يونيو من العام الماضي إلى إسقاط الإخوان وتولي عبد الفتاح السيسي السلطة بعد الانتخابات.

تحتاج أميركا إلى الخبرة المصرية في التعاطي مع إرهاب الجماعات المتطرفة لأن مصر هي مفتاح الاستقرار في المنطقة

ويقول السفير جلال الرشيدي مندوب مصر السابق في الأمم المتحدة إن “العلاقات المصرية الأميركية بدأت تعود إلى طبيعتها، خاصةً بعد لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس الأميركي باراك أوباما، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي كان مهماً لإنهاء حالة الفتور التي تشهدها العلاقات بين البلدين، وتوضيح حقيقة ما يحدث في مصر للإدارة الأميركية وتقريب وجهات النظر”، لافتاً إلى أن اللقاء مثّل خطوة للأمام في طريق استعادة العلاقات الكاملة مع واشنطن، مضيفا أن اللقاء جاء نتيجة حدوث نوع من التفاهمات المشتركة بين الولايات المتحدة ومصر، حول مشاركة مصر في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة في العراق والشام (داعش)، وإفراجها عن صفقة طائرات الأباتشي المصرية التي كانت تمانع في تسليمها لمصر.

ومن الواضح أن واشنطن قد حسمت أمرها واتخذت قراراً بالتعامل الفعّال مع إدارة الرئيس السيسي بعد أشهر طويلة من التردد، خاصة بعد إعلان مصر مشاركتها في التحالف الدولي لمحاربة الدولة الإسلامية، إلا أنه حتى الآن لم تعد العلاقات بين البلدين إلى مستوى ما قبل 25 يناير 2011.

وتؤكد وجوه دبلوماسية قريبة من الخارجية المصرية أن لقاء السيسي بالرئيس الأميركي أتاح له الفرصة لتوضيح حقيقة ما يحدث في مصر والرد على الكثير من الاتهامات والادعاءات، لافتة إلى أن العلاقات المصرية الأميركية بدأت تأخذ شكلا جديدا يبنى على أسس جديدة، لعل أهمها بناء الثقة المتبادلة وإرساء نظام ديمقراطي وعادل لم ولن يمر عبر الإخوان المسلمين أو أي نوع من أنواع الإسلام السياسي، بل بالنظام المدني والديمقراطي الحقيقي.

ويشير السفير جلال رشدي إلى أن هناك تراجعاً من جانب واشنطن ترتبت عليه بعض التغيرات في الموقف الأميركي تجاه مصر التي تبنى على أساس التفاهم والمصالح المشتركة، لافتاً إلى أن المرحلة القادمة ستشهد تقارباً بين البلدين وتعاوناً مشتركاً في مواجهة الإرهاب والتنظيمات الإسلامية، بعد أن تأكدت الولايات المتحدة أنه لا غنى لها عن مصر لمحاصرة الإرهاب في الوطن العربي وتنفيذ استراتيجيتها الأمنية في المنطقة.

وتابع: “الإدارة الأميركية تعي دور مصر في تحقيق أمن المنطقة، والعلاقات بين البلدين تعد ركناً أساسياً في السياسة الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط على مدى فترة طويلة”. وتؤكد تقارير إعلامية متواترة سواء داخل مصر أو صادرة عن الولايات المتحدة الأميركية، أن القاهرة وواشنطن توصلتا أخيراً إلى إدراك متبادل بأنهما في حاجة ماسة إلى بعضهما البعض، خاصةً في ظل التغييرات الإقليمية المتسارعة وتفشي ظاهرة الإرهاب المتشدد الذي يولد تطرفا في الجهة المقابلة له سواء كان بمنطق طائفي أو بمنطق انتصار الأنظمة الشمولية مثل النظام السوري الآن الذي يتغذي من وجود الإرهاب في أرضه وبقائه على رأس السلطة بتعلة محاربة البديل الإسلامي المتشدد.

اكتشفت أميركا أن تحالفها مع الإخوان المسلمين لن ينجح ولن تتمكن من ضمان مصالحها مع الجماعة

وتؤكد نورهان الشيخ أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة أن نتائج هذا التفاهم بين البلدين سوف تظهر خلال الأيام القليلة القادمة، “وعنوانها الرئيسي هو مزيد من الجهد المصري في مكافحة الإرهاب”.

وتشير إلى أن الولايات المتحدة تسعى لحشد تأييد ودعم دول المنطقة للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة والتنسيق حول مشاركة مصر، والمساهمات التي تستطيع القاهرة تقديمها للأميركان في حربهم، وتابعت: “خطر داعش ومسألة التحالف الدولي كانا السبب الرئيسي في تغيير موقف واشنطن من النظام الجديد في مصر، فهي ترى أنه حان الوقت للاستعانة بالقوى المؤثرة في المنطقة لوقف انزلاقها إلى الهاوية”.

وقد أسست تجربة الإخوان المسلمين في مصر إلى ملامح جديدة للمنطقة العربية والعالم بشكل أوسع. فقد بدأت الصورة تتضح شيئا فشيئا بأن الأحداث التي شهدتها بعض الأقطار العربية في السنوات الماضية ليست سوى إرادة غربية في تغيير الحلفاء، بعد أن طبخت العلاقات والاستراتيجيات لسنوات طويلة في الغرب على غرار ما حصل في بريطانيا وفرنسا وأميركا ودول أخرى من احتضان لمن هم الآن في السجون بتهمة الإرهاب والفساد وهم على رأس أكثر التنظيمات الإسلامية قوة وانتشارا (الإخوان المسلمون). وتؤكد تقارير عديدة أن المنطقة العربية ستشهد خلال الفترة القادمة عملية إعادة ترتيب عبر ثنائية القوة المصرية والابتعاد الأميركي عن التدخل في شؤون دول المنطقة.

وقد كان للقاء الرئيس السيسي بالرئيس الأميركي أوباما أثر كبير في ترميم العلاقات بين البلدين، وعودتها إلى طبيعتها بعد التوتر الذي شهدته على مدار العام الماضي، حيث مثّل اللقاء اعترافاً رسمياً من قبل الولايات المتحدة بالنظام الجديد في مصر، ومحاولة لاستعادة العلاقات الكاملة بين القاهرة وواشنطن، وإزالة الآثار الناجمة عن المواقف المتعنتة التي اتخذتها الإدارة الأميركية تجاه مصر من تعليق للمساعدات العسكرية والاقتصادية، لافتة إلى أنه أمام القيادة السياسية في مصر فرصة كبيرة لدفع وتوطيد العلاقات مع واشنطن وإعادتها إلى مسارها الطبيعي، خاصةً في هذا التوقيت وحاجة الولايات المتحدة لدعم مصر في حربها ضد داعش والتنظيمات الإسلامية في المنطقة.

13