خبز العراقيين لا يحلو إلا في التنور الطيني

الأربعاء 2014/02/26
المرأة العراقية ذكريات وقصص مع التنور

بغداد – "التنور" اسم معروف في البيوت العراقية، قديمها وحديثها، فلا يستغني عنه من في المدينة، أو من هو في الريف، رغم تطور الحياة المدنيّة وتعدد وسائل صناعة الخبز.

كلما تصفحنا صفحات التاريخ نقف حائرين قبالة بلد مثل العراق، احتضن حضارة وادي الرافدين وغنيٌ بموروثات شعبية عريقة مثل صناعة التنور الطيني.

هذه الأداة التي كنا نتحلق حولها عندما كنا صغاراً، وكم نهرتنا الجداتّ من عدم أخذ "الكرصة الأولى من خبز تنور الحطب الجديد" ولا نعلم السبب إلى حد هذه اللحظة، أو "الخبزة الأولى" التي تخبز في آخر جمعة من شهر رمضان والتي تسمى "اليتيمة" وتعلق في وسط الدار، لاعتقاد الجدات أنها تجلب رزق السنة القادمة.

ومن المؤكد أن ذاكرة العديد من العراقيين تزخر بالكثير من القصص التي كانوا يستمتعون بسماعها في فترة الطفولة، والتي يعلق جزء منها في ذاكرة كل عراقي مثل قصة "نصيف نصيفان"، التي تحكي قصة امرأة لم ترزق أطفالا، فذهبت إلى أحد العرافين وأخبرها أن تخبز خبزا وتضعه في "الكاروك" (المهد) وتبقى حتى الصبح تناغيه وتهدهده. ففعلت ولكنها شعرت بالجوع في منتصف الليل فأكلت من إحدى الخبزات لقمة ونامت، وعندما ظهر الفجر ولاح فرحت بسماع صوت الأطفال ولكن أحدهم وجدته نصف طفل فسمته "نصيف".

امرأة عراقية تجهز الخبز في تنور من الطين

وتستمر الحكاية بتدبير المكائد لنصيف وهو ينجو منها تارة بعد أخرى إلى أن وقع الإخوة، وهم في إحدى السفرات، بيد ساحرة عجوز، فلحقهم رغم عوقه وقاتل قتال الأبطال وأطلق سراح الأخــوة وألقــى الساحرة بتنور الطين. وتعد صناعة التنور الطيني في العراق صناعة شعبية موجودة في كل مكان يحوي الطين والماء. ففي البصرة تشتهر منطقة بوسطها تدعى”المطيحة”، وهي منطقة شعبية تحتضن بين أراضيها النخيل بسعفه المتناثر في كل منطقة وفي كل وقت من أوقات السنة، بصناعة التنور. وفي هذه المنطقة وغيرها من مناطق شمال البصرة وجنوبها يوجد شارع يدعى “شارع التنانير” لا زال يحتفظ باسمه إلى الآن لكنه بقي اسما دون مسمى، حيث اندثرت تلك الصناعة التي اشتهرت فيه وبقي الاسم فقط.

وتجد النساء، وفي بعض الأحيان الرجال أيضا،ً يأخذون الطين (الحري) الممزوج بالتبن الناعم، ثم يعجنونه جيدا وتستخرج منه الشوائب من أعواد صلبة وإعشاب وجذور غليظة. ويمد كل أفراد العائلة المتخصصة في صناعة التنور يد المساعدة، فتجد الصبية والصبايا الصغار يحملون ما يقدرون عليه من الطين لذويهم، أو ربما يقلدونهم بصناعة التنانير الصغيرة.

وتبدأ صناعة التنور بتأسيس طبقة أرضية مثقوبة لغرض دخول الهواء إلى التنور، إضافة إلى الاستفادة منه من عملية التنظيف واستخراج الرماد في ما بعد. ومن ثم تبدأ طوابق التنور التي ربما تتجاوز سبع طبقات، حسب كبر حجم التنور أو صغره وفق رغبة الزبون.

وتتأثر عملية الطلب بالظروف التي يمر بها البلد، كغلاء قناني الغاز أو قلتها، إضافة إلى انقطاع الكهرباء الدائم وغلاء الخبز في الأسواق. فكان على العوائل وقتئذ الرجوع إلى التنور الطيني نظراً إلى وجود حطب كثير من سعف النخيل وبقايا المزروعات التي تنتشر في الأراضي الزراعية، لذا نجد المزارعين والفلاحين وذوي الدخل البسيط يقتنون ذلك.

عائلة تمارس صناعة التنور الطيني في إحدى القرى العراقية

وقد انتشرت هذه الصناعة بشكل كبير في حرب الخليج الثانية عام 1991، نظرا إلى تدمير البنى التحتية في العراق وقلة الوقود.

ومن بين الحكايات التي كانت تدور وتداول بين أروقة البيوتات البصرية هي أن فلانة قد ماتت لأنها أشعلت التنور وقت المغرب فظنه الطيار الأميركي حقل نفط فضرب البيت بصاروخ.

لكن التنانير في الوقت الحاضر أصبحت مقتصرة على شوي السمك، ونادراً ما تجد امرأة هنا أو هناك في ريف البصرة “تسجر” التنور للخبز.

ويدوم التنور الطيني فترة أطول من التنور المصنوع من المعدن والصفيح الذي ينتشر الآن في الأسواق، ولكن يبقى ما يُطهى في تنور الطين هو الأطيب والألذ سواء كان خبزا أو وجبات غذائية أخرى. حتى أن شوي السمك، خصوصا في موسم “الصبور”، لا يحلو لـ”الجنوبي” إلا في تنور الطين.

20