"خبز وحديد" شريط يوثق جانبا من معاناة العمال السوريين في لبنان

الثلاثاء 2014/10/28
في الفيلم الصور أكثر تعبيرا من أي كلام مرفق أو مواز

دمشق - تصور المخرجة السورية دارين حسن في فيلمها التوثيقي التسجيلي “خبز وحديد” جوانب من حياة العمال السوريين في بيروت، تلتقط بعض المفارقات على هامش الأشغال التي يؤدونها، بالموازاة مع النظرة إليهم من قبل شرائح من المجتمع اللبناني، سواء من قبل أولئك الذين يقومون بتشغيلهم، أو أولئك الذين يصادفونهم في أماكن أشغالهم، وما يغلف تلك النظرة من احتقار أو دونية، في تصرف أقل ما يوصف به أنه عنصري مقيت.

صورت دارين فيلمها بين عامي 2012 /2013، وقد خصصته لتقصي تفاصيل حياة العمال بين ورشات العمل وأماكن الإقامة والسكن، وبين الأمكنة تكون هناك غصص كثيرة تتخلل القصص المروية من قبل العمال الذين يتجرؤون على الإفصاح عن أوجاعهم ومعاناتهم، وعن أحلامهم الموؤودة وبلداتهم ومدنهم المهجورة، وأسرهم المشتتة المشردة، وعن وقائع تزيد القهر وتضاعف الحزن وتراكم الأسى.

الصور تكون أكثر تعبيرا من أيّ كلام مرفق أو مواز، لأنها تعكس مرارة العيش، وكأن العمال يعملون في معسكرات اعتقال، أو سجون تجويعية، بحيث يفرض عليهم نظام متعب، ويحرمون من أبسط حقوقهم في التأمين والضمان، ولا يستطيعون محاسبة من يظلمهم أو يستغل تعبهم وجهدهم، دون أن يعطيهم الحدّ الأدنى المفترض من الأجور المستحقة.

تجمع دارين في عنوان فيلمها بين مادتين تشكلان عصب حياة تشتمل على المتناقضات؛ فالخبز يرمز إلى القوت والعمل والأمل والحياة، في حين أن الحديد يعكس وحشية الزمن وقسوة الأيام، وبرغم ذلك يتجاوران معا، فالباحث عن لقمة العيش يتكفل بتطويع الحديد وليّه، ليؤمن قوت يومه وطعام أبنائه وأهله.

لا تحاول دارين تقديم العمال السوريين في لبنان على أنهم ضحايا الاستغلال، بقدر ما ترصد معاناتهم مع أرباب أعمالهم


مرارة العيش


تبرز دارين في فيلمها كيف أن الخبز الذي يفترض أن يكون من أبسط حقوق الإنسان يتحوّل إلى ميدان اقتتال، يعارك في سبيله العمال السوريون الذين يتمتعون بصلابة الحديد ليتمكنوا من تحمل ما يلاقونه على أيدي بعضهم من أذى وابتزاز. وترمز إلى أنه بالخبز وحده يحيا العامل السوري الذي لا يجد كلمة طيبة تثني على مجهوده وعمله، ولا يعثر على تقدير يستحقه، بل يظل يصارع الحديد ليتحصل على رغيف الخبز.

تمزج دارين بين البسمة والدمعة في تصويرها للعمال في أعمالهم ومساكنهم ومأكلهم ومشربهم، فتراهم يقيمون في أماكن لا تصلح للإقامة، ويكتفون بالقليل الذي يتحصّلون عليه، لأنهم يحاولون ادخار أجورهم البسيطة وإرسالها إلى أهلهم الذين ينتظرونهم، والذين يعتمدون عليهم في معيشتهم بدورهم، لأن أسباب الرزق انعدمت وانقطعت في سوريا، بسبب ما يتعرض له البلد وما يعانيه من احتراب.

تنجح المخرجة في تحرير العمال الذين تصورهم من خوفهم، تراها تستدرجهم في الحديث، تحرضهم على التعبير عن مكنوناتهم وهواجسهم وأحلامهم وآمالهم، تقتفي أثرهم، تمنحهم جانبا من الشعور بالأمان، ويتجلى ذلك في أكثر من لقطة، منها استيثاق بعضهم بها، ومنها طلبهم عدم عرض صورهم على التلفزيون السوري الرسمي الذي يشتهر بتضليله وأخباره الكاذبة، وما يحمله ذلك من ترميز إلى فقدان الثقة بالإعلام الرسمي الذي يبدو طرفا ضد العمال والسوريين المعارضين.

ومنها ما يحمل من رهبة الكاميرا في مواجهة واقع العمل المضني و”الخجل” من الظهور بتلك الحالة.أجيال ضائعة


يقدّم الفيلم حكايات أجيال مختلفة من العمالة السورية تقع ضحية الاستغلال، ولا سيما في ظل كثرة العرض وقلة الطلب، وفي سياق الاضطرار للعمل بأي شيء ومهما كان الأجر بخسا، لأن الحاجة قاهرة وقاتلة، ولا مجال للمماطلة أو التسويف أو التهرب من الأعباء.

فهذا فتى في مقتبل العمر، يترك مقاعد الدراسة ويلتحق بورشات العمل ليعيل أسرته، فيكون من بين حالات ونماذج كثيرة منتشرة.

ترصد المخرجة ما يجمع بين الأجيال من خبز وحديد، من حزن وقهر، من فجيعة وطن ومأساة شعب

وذاك عجوز سبعيني يجرجر عقوده السبعة خلفه، ويخبّئ حزنه في أغوار عينيه الحزينتين، ويفصح عن أساه وقهره، وما جرّه تغيّر الزمن عليه من مشقات ومصائب.

بين الفتى والعجوز أحلام أجيال ضائعة في شتات لا يرحم. صورة شابّ لا يحلم إلّا بتأمين بعض الخبز لأهله وذويه، أو أب موجوع على ما ينتظر أبناءه من مستقبل موصوم بالجوع والعذاب.

ثم ترى شابا آخر يعبر عن مرارته وهو يحكي عن تعاطي بعض اللبنانيين معهم، والنظر إليهم بازدراء وتحقير، وكأنهم أوبئة متنقلة، وما يحمله ذلك من عنصرية معلنة، برغم ما يحاولون إخفاءه في إطار مزاعم المصير المشترك أو العيش المشترك أو الانتساب إلى الشعب نفسه والبلد نفسه والأمة نفسها.

ترصد دارين ما يجمع بين الأجيال من خبز وحديد، من حزن وقهر، من فجيعة وطن ومأساة شعب، من أمل مغتال، وشعور بالأمان مبدد، وكذلك من ضياع وتشرد، وغير ذلك من حالات الانكسار والتفجع.

وتقدّم تقييد العمال والتعامل معهم كجلادين مفترضين في حين أنهم ضحايا الجلاد نفسه. فأحد اللبنانيين يتحدث في الفيلم عن جانب من ممارسات الجيش السوري المقرفة أثناء وجوده في لبنان لعقود، وما تسبب فيه من إيذاء لكثير من اللبنانيين، سواء بالتعذيب أو الابتزاز أو التفتيت.

وهو بدوره يعكس نظرة البعض المقيدة التي لا ترى في السوري إلاّ رجل مخابرات أو عاملا يوميا. وهنا يحضر السؤال عن ماهية التنميط والتقييد وما يوجبه من مراجعة تاريخية وواقعية ومستقبلية لتدارك كثير من المزالق وتلافي الكثير من الأخطاء والنواقص.


تعنيف متفاقم


لا تحاول دارين تقديم العمال السوريين في لبنان على أنهم ضحايا الاستغلال والابتزاز، بقدر ما ترصد معاناتهم مع أرباب أعمالهم، وأصحاب الورش، وطرق تعاطيهم معهم، وكيف أن هناك قسما من التجار يستغلون حاجات الناس ليركعوهم، ويفرضوا عليهم شروطهم المكبلة للطاقات والدامية للقلوب والأرواح.

تنقل المخرجة بعض اللقطات من قنوات لبنانية كانت قدمت برامج عن بعض العمال السوريين الذين يشكلون إحراجا وإرباكا للأهالي، ويقومون بالتحرش بالنساء والفتيات أثناء غدوهن ورواحهن، والإشارة إلى عدم التحلي بروح المسؤولية إزاء الجيران والناس، وكأن العامل يتنصل من المساءلة والاستجواب، أو كأنه بصدد ردّ الحيف بطريقة مختلفة، تحمل في طياتها عنف المنبوذ إزاء الآخر النابذ، والذي يبقيه أسير نظرة مقيدة وأحكام مسبقة جاهزة مقولبة.

العنف والتعنيف من المظاهر التي تكاد تتحول إلى ظواهر في بعض الحالات، وقد استشرف الفيلم في بعض اللقطات ومن خلال بعض الأحاديث كمّ العنف المتفاقم الذي ينذر بأخطار كثيرة وشيكة، وربما كانت حالة الطفل السوري خالد الذي تعرض للتعذيب على أيدي بعض اللبنانيين، جزءا بسيطا مما يجري ومما يلوح في الأفق.

ولا يقتصر العنف على اللفظي أو المعنوي، بل يتصاعد إلى الجسدي، وقد يؤدي إلى اقتحام أبواب الجرائم في حال التغاضي عنه.

يجدر الذكر أن فيلم “خبز وحديد” تحصّل على جائزة أفضل صورة سينمائية من مهرجان ليفانتي العالمي في إيطاليا، وجائزة التقدير لأفضل فيلم وثائقي قصير من مسابقة الأفلام القصيرة في أميركا.

16