خبير اقتصادي لـ"العرب": الوضع الاقتصادي التونسي كارثي

الثلاثاء 2014/09/02
كثيرا ما كانت القرارات الاقتصادية المتسرعة سببا في غضب شعبي في تونس

تونس – حذر الخبير الاقتصادي التونسي مُعز الجودي من ثورة جديدة قد تشهدها تونس بسبب تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي نتيجة السياسات الخاطئة لحكومات “الترويكا” السابقة بقيادة حركة النهضة الإسلامية التي أدخلت البلاد في طريق مسدود، وجعلت الدولة مُهددة بالإفلاس.

لم يتردد الجودي في حواره مع “العرب” في القول إن الأوضاع الاقتصادية لتونس باتت على حافة الانهيار، وتُنذر بانفجار اجتماعي كبير قد يرتقي إلى ثورة حقيقية مُرتقبة خلال العامين المُقبلين إذا لم تُسارع الحكومة الحالية والقادمة في معالجة الإخلالات الكبيرة التي شوّهت أسس الاقتصاد التونسي، وشلت مفاصله، وركائزه الأساسية.

وقال “لقد سبق لي أن حذرت من انهيار الوضع الاقتصادي في البلاد بعد ثورة 14 يناير 2011، لأن اقتصاد تونس مبني بالأساس على الاستثمار، وخاصة منه الخارجي، وعلى التصدير، ثم على قطاع الخدمات، وهذه القطاعات حيوية بالنسبة لاقتصاد البلاد، وهي قطاعات حساسة و تعتمد بالأساس على البيئة ومناخ الأعمال”.

وتابع ” إذا ما تحقق الاستقرار السياسي والأمني، فإن ذلك سيساهم في تطور الاقتصاد، ولكن إذا انعدم ذلك الاستقرار بشقيه السياسي والأمني فإن ذلك سيؤثر حتما على الوضعية الاقتصادية للبلاد”.

وما حصل بالنسبة لتونس التي إتسم الوضع فيها بعد ثورة 14 يناير 2011 بعدم الإستقرار السياسي والأمني".

وبحسب مُعز الجودي الذي يرأس حاليا الجمعية التونسية للحوكمة الاقتصادية، فإن انعدام الاستقرار السياسي والأمني في البلاد ترافق مع أداء حكومي باهت ومُرتبك خلال فترة حكم الائتلاف الثلاثي المعروف بـ”الترويكا” بقيادة حركة النهضة الإسلامية، الأمر الذي راكم المشاكل إلى أن أصبح الوضع بالبلاد “كارثيا بأتم معنى الكلمة”.

وتألفت الترويكا التي حكمت البلاد بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011، ولغاية إجبارها على التخلي عن الحكم في نهاية شهر يناير 2014، من ثلاثة أحزاب هي حركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي، وحزب التكتل من أجل العمل والحريات، وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يرأسه شرفيا الرئيس المؤقت الحالي منصف المرزوقي.

النتائج الكارثية في الاقتصاد التونسي هي نتاج لسياسات حكومات الترويكا بقيادة النهضة الإسلامية


أرقام ومؤشرات مفزعة


وقال الجودي في حواره مع “العرب”، “نعم لقد سبق وأن وصفت الوضع الاقتصادي في تونس بالكارثي، وهو وصف موضوعي، لا سيما وإنني خبير اقتصادي مُستقل ولست معنيا بالتجاذبات السياسية التي تشهدها البلاد”.

وبسؤاله عن العوامل والعناصر التي دفعته إلى اختيار هذا الوصف دون غيره لإطلاقه على الوضع الاقتصادي التونسي، سارع إلى الرد بالقول إن هذا الوصف “جاء استنادا إلى تحاليل موضوعية، وإلى جملة من الأرقام والبيانات والمؤشرات التي تهم الاقتصاد التونسي بمختلف قطاعاته”.

وأضاف “المؤشرات الدالة على ما ذهبت إليه من وصف، كثيرة ومتنوعة، ولكنني سأكتفي بالتطرق إلى أربعة مؤشرات الأول بحسب معز الجودي ، يتعلق بالميزان التجاري التونسي الذي قال إن عجزه “استفحل خلال السنوات الثلاث الماضية بشكل مُرعب، حتى وصل خلال السداسي الأول من العام الجاري إلى نحو 3.9 مليار دولار.

وتوقع ارتفاع هذا العجز مع نهاية العام الجاري، لتتراوح قيمته ما بين 8.2 و 8.8 مليار دولار، و”هذا رقم كبير جدا ، ما يعني تزايد المشاكل باعتبار أن الواردات تتم بالنقد الأجنبي، وهذا من شأنه التسبب في ما يُسمى بالتضخم المالي المستورد، وذلك سيُساهم في خلق عدم توازن كبير في المالية العمومية التي تعاني أصلا من أزمات متعددة”. على حد تعبيره.

وأضاف الجودي أن الرقم الكارثي الثاني هو قيمة الدينار التونسي التي يُنظر إليها على أنها محرار الواقع الاقتصادي، حيث عرفت هذه القيمة خلال الفترة ما بين العام 2010 و العام 2014 “تدهورا مُخيفا ومُرعبا وصل إلى حافة الانهيار، وذلك بمعدل انزلاق تراوح ما بين 12 و14 بالمئة سنويا مقابل اليورو”.

ولفت في هذا السياق إلى أنه في العام 2010 كانت قيمة الدينار مقابل اليورو تساوي 1.87 دينار، بينما وصلت اليوم إلى 2.3 دينار، أما بالنسبة للدولار فقد كانت في العام 2010 تساوي 1.3 دينار، بينما وصلت اليوم إلى 1.7 دينار، وقد تصل خلال الأسابيع القادمة إلى 1.8 دينار.

أما الرقم الثالث الكارثي بحسب وصف الجودي، فهو يتعلق بالتضخم الذي بلغت نسبته 6 بالمئة بحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني التونسي للإحصاء (مؤسسة حكومية).

وتابع في حواره مع “العرب” أن الرقم الرابع والأخير يتعلق بعجز الموازنة العامة للدولة الذي بات يتراوح ما بين 7 و8 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي الخام ، وذلك بسبب تزايد نفقات الدولة بنحو 50 بالمئة خلال الفترة ما بين 2010 إلى 2014 ، حيث ترافق ذلك مع توقف الموارد.

واعتبر أن هذه الأرقام مُجتمعة، بالإضافة إلى العديد من المؤشرات السلبية الأخرى قد “جعلت الدولة التونسية عاجزة حاليا عن تمويل نفقاتها، وخاصة منها النفقات الأساسية بمواردها الداخلية.

معز الجودي: تتمثل المشكلة في توظيف القروض الأجنبية حيث تنفق استهلاكيا


الدولة على حافة الإفلاس


ولم يكتف الخبير الاقتصادي التونسي بذلك، و إنما شدد في حواره مع العرب على أن الأخطر من ذلك هو أن هذا الوضع المتردي دفع الدولة التونسية إلى حافة الإفلاس.

وقال إن مؤشرات ذلك تبدأ باضطرار الدولة التونسية إلى تمويل نفقاتها من خلال اللجوء إلى المديونية الخارجية عبر الاقتراض الخارجي، حيث وصلت نسبة المديونية الخارجية للدولة التونسية إلى نحو 50 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، مقابل 39 بالمئة خلال العام 2010، أي أن هذه النسبة قفزت بنحو 11 بالمئة في ثلاث سنوات.

وأشار إلى أن اللجوء للاقتراض الخارجي”ليس عيبا، ولكن المشكلة تبقى في نسبة الاقتراض التي يتعين أن تكون مدروسة ومُرتبطة بإجمالي الناتج المحلي الخام، وفي مجالات توظيف القروض”.

وأضاف “بالنسبة لتونس تتمثل المشكلة في استعمال القروض الأجنبية التي حصلت عليها، حيث تم توظيفها في مجال تغطية نفقات الدولة وخاصة منها الاستهلاكية ولم توظف في مجالات تنموية قادرة بعد فترة على تحريك الدورة الاقتصادية وبالتالي توفير إنتاج جديد، ومردودية إضافية”.

وتابع “لقد وصل الأمر بتونس اليوم أنها أصبحت تقترض لدفع رواتب الموظفين، ولتأمين موارد مالية لصندوق الدعم، وهذا هو الأمر الخطير الذي جعلني أحذر من إفلاس الدولة، ذلك أنها عندما تتجاوز نفقاتها عائداتها ومداخيلها بنسب كبيرة، والقروض توجه لتغطية مصاريف استهلاكية، وعندما تصبح الدولة عاجزة عن الوفاء بتعهداتها والتزاماتها المالية مع مختلف الفاعلين الاقتصاديين والمستثمرين وخاصة توفير النقد الأجنبي، فهذه مؤشرات تدل على أن هذه الدولة في حالة إفلاس.

ولم يتردد في هذا السياق في القول إن هذه الحالة "موجودة حاليا في تونس ، وسبق لرئيس الحكومة الحالية مهدي جمعة أن اعترف بذلك عندما أشار في وقت سابق إلى أن حكومته "أصبحت تقترض لتغطية النفقات الاستهلاكية".

2.3 قيمة الدينار بالنسبة لليورو في 2013 مقابل 1.87 يورو قبل الثورة


مسؤولية الترويكا


وخلص مُعز الجودي إلى القول في حواره مع “العرب” ، إن تونس اليوم تُعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة وصعبة جدا تتمحور بالأساس حول التوازنات الأساسية، نتج عنها هذا الوضع الكارثي الذي هو “نتاج للسياسيات التي مارستها حكومات “الترويكا” بقيادة حركة النهضة الإسلامية”.

واتهم في هذا الصدد، حكومات “الترويكا” بأنها تتحمل مسؤولية كبرى لما وصل له الوضع الاقتصادي في البلاد، وذلك لأسباب عديدة منها أن الوزراء الذين تولوا الحقائب الوزارية ليست لديهم معرفة بالملفات الاقتصادية الكبرى في مختلف القطاعات.

كما أن وزراء “الترويكا” لا خبرة لهم ويفتقرون للكفاءة، وقد اهتموا أكثر بالمسائل السياسية على حساب الملفات الاقتصادية، بالإضافة إلى أن حكومات “الترويكا” لم تكن لها سياسيات استراتيجية واضحة.

وترتب عن ذلك أداء باهت، وخيارات اقتصادية غير ناجعة، تسببت في بروز بوادر انهيار اقتصادي عكستها نسبة النمو الضعيفة، و تفاقم العجز، بالإضافة إلى ضرب الطبقة الوسطى التي شارفت على الاندثار في ظل حكم “الترويكا”.

وأضاف “حتى أكون موضوعيا، أقول أن تلك الحكومات أساءت التقدير فأدخلت اقتصاد البلاد في مأزق خطير زعزع الأسس والركائز الهامة للاقتصاد التونسي، حيث يُنتظر أن تبرز تداعيات تلك الأزمات خلال الفترة القادمة”.

وأنهى معز الجودي حديثه لـ”العرب “، بالقول إن المشاكل الحقيقية التي ستواجه تونس ستكون خلال العامين 2015 و2016″، حيث ستتفاقم الأوضاع لاسيما وأن المعطيات المتوفرة حاليا تُشير إلى أن الصناديق الاجتماعية ستكون عاجزة عن تسديد مستحقات المتقاعدين، كما أن الأسعار ستعرف ارتفاعا جنونيا، ولذلك سنكون على أبواب ثورة جديدة إن لم تتم معالجة المشاكل والإخلالات المتعددة في أسرع وقت ممكن.

10