خبير في الجماعات الإسلامية: مصالح أنقرة وواشنطن تمنعهما من اجتثاث داعش

أكد روديجر لوهلكر، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة فيينا، أن تأثير السلفيين في أوروبا الآن أكبر من الإخوان، والحرب التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد تنظيم داعش لن تتمكن من القضاء عليه، لأن واشنطن لا تمتلك رؤية أو استراتيجية واضحة لمكافحة تمدّده؛ وهي التي سعت إلى توظيفه لتحقيق جملة من مصالحها في المنطقة.
الجمعة 2015/06/05
بلجيكا وألمانيا والنمسا وفرنسا الأكثر قابلية للتعرض لهجمات إرهابية جديدة خلال الفترة المقبلة

قال روديجر لوهلكر، المتخصص في دراسة الحركات الإسلامية في المنطقة العربية وامتداداتها خارجها، لـ “العرب”، إنه لا توجد علاقة رسمية بين واشنطن وداعش، وما يجمعهما هي مصالح متبادلة بصورة غير مباشرة.

وأضاف أن واشنطن استفادت منه بتحويله إلى “بعبع″ في المنطقة، لتحقيق جملة من أهدافها، التي أخفقت في تحقيقها من قبل، وحاولت توظيف التيارات المتشددة لكي تتحكم في مفاصل بعض القضايا.

وبالمثل وصف الخبير النمساوي في شؤون الحركات الإسلامية، علاقة تركيا بتنظيم الدولة الإسلامية، مشيرا إلى أنها علاقة مصالح متبادلة غير رسمية، حيث وجدت أنقرة في تنظيم داعش وسيلة للضغط على نظام بشار الأسد ومحاولة لتكسير أجنحته من خلال القوة العسكرية التي يمتلكها التنظيم المتشدّد. لذلك غضّت تركيا الطرف عن كثير من التصرفات والممارسات والتجاوزات لخدمة ذلك في التوسع، فهي التي تركت الآلاف من المنضمين إلى داعش يعبرون إلى سوريا عبر أراضيها.

وفسر روديجر لوهلكر تصاعد قوة تنظيم داعش وانتشاره، بجهل بعض الحكومات التي تتعامل مع هذا التنظيم، والتي تصورت أنها تملك الحقيقة كاملة، وتستطيع السيطرة على التنظيم، وتحركه بالطريقة التي تريدها. لكن الحقيقة، أن عدم صواب الكثير من التقديرات أدى إلى ارتباك شديد في صفوف قوى، كانت تعتقد أن بإمكانها التحكم والهيمنة على جميع مفاتيح داعش، مشيرا إلى أن واشنطن أولت اهتماما بالتنظيم، باعتباره أداة ضد كل من نظام بشار الأسد في سوريا، والملالي في طهران، وحزب الله في لبنان، وخطؤها الفادح جعلها تقترب لاحقا من هؤلاء لتحجيم هذا التنظيم، أو تقبل تصرفات منهم كان من الصعوبة قبولها في ظروف مغايرة.

وأوضح روديجر، صاحب مؤلفات الجهادية والمنهج الجديد لتحليل الجهادية، أن الإستراتيجية التي تتبناها الولايات المتحدة وإيران والعراق حاليا ضد داعش غير فاعلة، ولن تكون مجدية في المستقبل القريب، لأن كل طرف يملك أهدافا مختلفة عن الآخر، كما أن التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب لم تظهر عليه علامات الجدية الكافية للتخلص من التنظيم، الذي يملك شبكة غريبة من العلاقات في المنطقة، جعلته يتمدد بسهولة في دول كثيرة، ويتمكن من تجنيد عناصر محلية كثيرة، خاصة أنه نجح في خلق صورة ذهنية على أنه تنظيم كبير وقوي ومتوحش.

روديجر لوهلكر: من الضروري تفكيك الهيمنة الجهادية الإلكترونية لإبطال مفعول داعش

اختراق لأوروبا

قال الخبير في متابعة نشاط الحركات المتشددة على الإنترنت، إن داعش يملك أدوات تكنولوجية متقدمة ساهمت في تضخيم صورته وتكوين انطباعات أوحت بأنه مخيف، وهذه إحدى نقاط التفوق على جميع الحركات المتطرفة الأخرى، التي كانت في مراحل سابقة أقوى من داعش، لكن ضعف جهازها الإعلامي لم يمنحها الانتشار والتأثير المطلوبين.

ويرى روديجر لوهلكر أن نجاح تنظيم الدولة الإسلامية في توصيل رسالته، انعكس في قدرته على تجنيد الآلاف من تونس وليبيا والعراق وسوريا ودول عربية وأفريقية أخرى، بل تمكّن من اختراق بعض المجتمعات الأوروبية، فهناك نحو خمسة آلاف من المسلمين يعيشون في دول غربية انضموا إلى داعش، من فرنسا وبلجيكا وألمانيا والنمسا، وهذا معناه قدرة عالية على التغلغل بين البسطاء من المسلمين والمهمشين في دولهم، واستغلال معاناتهم النفسية والاجتماعية لتجنيد أعداد كبيرة منهم، أصبحت تمثل هاجسا لدول أوروبية كثيرة.

ولفت إلى أنه لا يبالغ عندما يقول إن هذا التنظيم عرف إمكانيات الإنترنت جيدا، وبصورة تفوق القوات التي تقاتل ضده، وقال “انظر بدقة إلى حجم الفيديوهات والصور التي يبثها داعش، وتلك التي تبثها الجهات المناهضة له، والنتيجة حتما ستكون في صالحه”، مضيفا أن من الضروري الإسراع في “تفكيك الهيمنة الجهادية الإلكترونية، وإبطال مفعول هذا السلاح من أيدي داعش”.

وأشار إلى أن هناك من يفكر في الجوانب النفسية والاجتماعية، والتأثيرات المطلوب الوصول إليها، ومهما كان رفضنا لها، باعتبارها أعمالا وحشية، لكنها في النهاية تحقق أهدافا معينة بالنسبة إلى التنظيم، الذي يجب نزع فتيل أدوات القوة التي يملكها، حتى يمكن تقليص دوره.

وأكد روديجر لوهلكر، لـ “العرب”، أنه لا يستبعد حدوث هجمات إرهابية جديدة من جانب متطرفين، يعملون ضمن صفوف داعش، لا تقل عن عملية شارل إيبدو في فرنسا، وحدد دولا مثل بلجيكا وألمانيا والنمسا وفرنسا أيضا، قد تكون الأكثر قابلية للتعرض لهجمات خلال الفترة المقبلة.

تباين غربي

عندما سألته “العرب” عن التباين في مواقف الدول الغربية من التيار الإسلامي، حيث توجد حكومات على علاقة وثيقة بجماعة مثل الإخوان، قال بالفعل هناك تباين ظاهر، فموقف أسبانيا مختلف عن بريطانيا مثلا، الأمر الذي يضاعف من صعوبة التفاهم الغربي.

وقد بدت تجليات الاختلاف واضحة في النظرة الغربية إلى مكافحة الإرهاب في دولة مثل ليبيا، وجرى التحايل عليها، لأن هناك دولا تخشى من التورط في حرب يمكن أن تجر عليها ويلات، بحكم وجود جالية مسلمة لديها، ومن الممكن أن يتحول عدد من أفرادها إلى قنابل بشرية تنفجر في وجهها.

نجاح تنظيم الدولة الإسلامية في توصيل رسالته، انعكس في قدرته على تجنيد الآلاف من تونس وليبيا والعراق وسوريا ودول عربية وأفريقية أخرى

وعن العلاقة بين الإخوان والتيارات المتطرفة، قال روديجر لـ “العرب” إن غالبيتها خرجت من عباءة الجماعة وهذا لم يعد خافيا على كثيرين، والفرق الجوهري بينهما، أن الإخوان جماعة تطمح للسلطة في الدول التي تقيم فيها، مثل مصر والأردن وتونس وسوريا، لكن الآخرين لهم أهداف عالمية، من بينها تدمير النظام العالمي، بغرض إقامة خلافة إسلامية، ولو بعد قرون، لكن داعش تبدو مستعجلة جدا، وتعتقد في نفسها أنها الفرقة الناجية، مقارنة بالقاعدة التي تتريث كثيرا لتحقيق هذا الهدف غير الواقعي.

ومع أن روديجر اعترف بأن هناك تأثيرا للإخوان في أوروبا، غير أنه استدرك قائلا “تأثيرهم كأفراد وليس كتنظيم”، مشددا على أن الجماعة أصبحت بلا مستقبل، بعد أن فشلت في مصر واليمن وتونس.

ولفت الأكاديمي النمساوي الانتباه إلى أن “تأثير السلفيين في أوروبا الآن أكبر من الإخوان، وهم أكثر بساطة من الإخوان، حيث يركزون على الإسلام الشكلي أو السطحي، وهو ما أسميه السلفية الشكلية، التي تتماشى مع العقلية الغربية، بينما جماعة الإخوان تقدم إسلاما معقدا للشباب الأوروبي، كمفاهيم الحكومة والنظامين المالي والاجتماعي وهكذا”.

وأضاف أن هذا النوع “الشكلي” مريح للحكومات الغربية، وهو مؤثر الآن في دول مثل فرنسا وهولندا وبلجيكا وألمانيا، لأنه غير معني كثيرا بالانخراط في المجتمعات الأوروبية، فهو حركة دينية سلبية. وطالب روديجر بضرورة البحث عن مبادرة جيدة وجديدة لنشر الإسلام المتسامح، بكل ما ينطوي عليه من روحانية وتعددية وقبول للآخر.

12