خبير في القانون يتوقع أن تشهد تونس مآزق دستورية بعد الانتخابات

السبت 2014/10/25
الانتخابات ستشكل امتحانا هاما لتونس

يتوجّه التونسيون، غدا الأحد، إلى مكاتب الاقتراع لاختيار الـ 217 ممثلا لهم في البرلمان (مجلس نواب الشعب) في إطار أول انتخابات تشريعية حرة. وتبدو رهانات الانتخابات وتأثيراتها، مختلفة عن اقتراع 23 أكتوبر 2011، وفق الخبير في القانون الدستوري، قيس سعيد، الذي أكد في حوار مع “العرب” أن التقصير الذي اصطبغ به الأداء الحكومي خلال الثلاث سنوات الماضية، جعل تشريعية تونس اليوم تتراوح بين حيرة الناخب وعزوفه وماضوية البرامج والوعود.

يوم واحد يفصل التونسيين عن انتخاباتهم التشريعية، التي تقرّر إجراؤها في السادس والعشرين من أكتوبر الجاري، في ظلّ مشهد سياسي وانتخابي “باهت”، لا ينم عن حماسة تحدو الناخبين لهذا الحدث الهام، وفق بعض المراقبين.

حول طبيعة هذا المشهد ومسائل أخرى متفرعة عنه ومتعلقة به، حاورت “العرب” قيس سعيد، أستاذ القانون الدستوري بالجامعة التونسية، الذي عرف لدى التونسيين بآرائه الجريئة، التي طالما خالفت السائد وخرجت عن المألوف.

منذ فاتحة حديثه، أعلن قيس سعيد أنه سيخوض في قراءة مشهد متحرك في ظاهره، غير أن الثانوي فيه يدل على جمود، أنتجته حالة استنساخ للبرامج والوعود الانتخابية التي ما فتئ المترشحون أحزابا ومستقلين، يكرّرونها في كل مناسبة من هذا القبيل.

في ذات السياق، أضاف سعيد، أو “مُتنبي القانون”، كما يحلو لبعض طلبته الجامعيين تسميته، “أنّ التونسيين اليوم يختلفون كثيرا عن تونسيّي 2011 الذين شاركوا في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي حينها، حتى أحلامهم لم تعد هي ذاتها بعد أن شهدوا إجهاض معظمها على أيدي سياسيين وعدوا بالتنمية والحريات والكرامة والرخاء، فأنتج حكمهم حالة أبسط ما يقال عنها إنها لم تكن وفية لتلك الوعود ولم تكن قدر التطلعات”.


رتابة الوعود أنتجت العزوف


هذا التغيّر في طبيعة الناخب التونسي، الذي يبدو أنه فقد شيئا من الحماسة تجاه عملية الاقتراع، بعد أن أضنت كاهله مصاعب الحياة اليومية التي قلّت معها مقدرته الشرائية واستعرت فيها نار الأسعار، أنتج حسب قيس سعيد “حالة من العزوف يمكن تقصيها والوقوف على مؤشراتها من خلال عملية التسجيل الإرادي للانتخاب التي أدارتها الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات، والتي أثبتت بالكاشف أنّ عدد التونسيين الذين توجهوا لتسجيل أسمائهم في المدة الأولى لم يتجاوز الستين ألفا، وهو رقم ضعيف، له دلالاته وانعكاساته اللاحقة على سير العملية الانتخابية في المستقبل”، وفق تعبيره.

حالة من العزوف، يرى سعيد أنها “تواصلٌ لحالة مستمرّة من الحيرة وعدم الاطمئنان وكذلك عدم الاكتراث بالوعود الانتخابية التي أثّر ارتفاع سقفها، الذي يعانق الخيال أحيانا، على مصداقية الحدث الانتخابي لدى عامّة الشعب”، وهي كذلك “بمثابة رسالة مضمونة الوصول إلى السياسيّين حتى يغيروا من أساليب تفاعلهم مع الناخب والكفّ عن التعامل معه بمنطق الصوت الانتخابي الذي يسعى كل طرف إلى اجتذابه بجلّ الوسائل، مشروعة كانت أو غير مشروعة”.

70 ألف عنصر أمني وجندي سيقومون بتأمين الانتخابات

هذا التونسي الذي “لم يعد ينتمي إلى القرن الماضي”، وفق تعبير سعيد، “أضحى واعيا أكثر من أي وقت مضى بألاعيب السياسة وخفاياها، حتى أنّ الأميين أضحوا يتابعون الشأن العام ويجتهدون لاستنباط تحليلاتهم الشخصية، فلم يعد التلاعب بمشاعرهم يسيرا كما كان الأمر في السابق، وهذا ما أسهم بشكل أو بآخر في بهتة الأحزاب وجعلها خارج السياق”.

الانتخابات التشريعية، يرى قيس سعيد أنها ستكون “محكومة بالتوازنات والحسابات السياسية الضيقة وعملية توزيع الحقائب التي ستتلو الإعلان عن النتائج”. موضحا “أنّ نسبة المشاركة بدورها ستكون محدّدة بدرجة كبيرة”. كما ألمح إلى “أنه لا مناص من ظهور مآزق دستورية سترافق المرحلة القادمة التي ستتلو الانتخابات”.

حيث أوضح “أنّ الدستور التونسي الذي تمت صياغته والمصادقة عليه في السنوات الثلاث الماضية، يحمل في طيّاته كلّ بذور الأزمات السياسية التي ستعقب الانتخابات القادمة”، مؤكّدا أن “تونس مرشحة للإقبال على أزمات عديدة في المستقبل القريب”.


دور الدوائر الأجنبية


في ما يتعلّق بالدور المحتمل الذي ربما تلعبه أطراف خارجية في رسم ملامح الخارطة السياسية التونسية اليوم، أوضح سعيد في تصريحه لـ”العرب”، أنّه “يجب الاتفاق أولا على أنّ تدخّل القرار الخارجي ينطلق دائما وأبدا من ضرورة الحفاظ على مصالح دوائر تلك القرارات، وهو يؤثّر حينما تقرّر الأطراف الداخلية الارتهان لتلك الإرادة الخارجيّة بحثا عن التأييد في هذه العاصمة أو تلك”، مشيرا إلى “أنّ هذا الارتهان يجعل الأطراف الداخلية في موقع ضعف نظرا إلى إمكانية تخلي الأطراف الداعمة عنها إذا ما تغيرت المصالح وتبدّلت الظروف”.

قيس سعيد: لا أقبل أن أكون رئيسا خالي الوفاض من الصلاحيات

وعلى الرغم من ذلك، فقد ألمح سعيد إلى أنه “وللأسف، هنالك الكثيرين الذين لا يتورّعون في الاتصال بالدوائر الأجنبية، ويقبلون الدور الذي تلعبة هذه الدوائر، دون مراعاة منهم لمبدأ استقلال القرار الوطني”.

وفي هذا السياق، شدّد قيس سعيد على “ضرورة أن يكون القرار الوطني مستقلا ولا يستند على غير الإرادة التونسية”، مطالبا كلّ من تخوّل له مصلحته بالتدخل في الشأن التونسي بـ”أن يحترم إرادة التونسيين، مثلما هم يحترمون إرادة شعوب الأرض قاطبة”، على حدّ تعبيره.


لا سلطة للرئيس من دون صلاحيات


قيس سعيد، الذي طالما تواتر اسمه، أثناء اشتداد الأزمات السياسية وانغلاق الأفق مرات عديدة، لتحمل مناصب سامية في الدولة، سواء كانت رئاسة الحكومة أو رئاسة الجمهورية، آثر اليوم ألاّ يترشح إلى أي منصب كان، تشريعيا كان (مجلس النواب) أو تنفيذيا (رئاسة الجمهورية)، ولدى سؤالنا له عن أسباب موقفه هذا، قال “إنّ دعوات الترشح التي بلغتني، خاصة للرئاسية، كنت أجيب أصحابها بأنّ القضيّة اليوم ليست منوطة بالسلطة، بل هي أساسا قضية من يتبع من، ومن الأقدر على تحقيق الإرادة الشعبية، ما الفائدة من سلطة دون مشروع وطني تهتدي به وتسير على منهجه”، مضيفا بالقول: “من جهتي لم أقل يوما إني غير قادر على تحمّل المسؤولية لكن بالمقابل يجب أن تتوفر لي آليات العمل، ولا أقبل أبدا أن أكون رئيسا خالي الوفاض من الصلاحيات”.

6