"خداع القلق" إنذار خاطئ يوهم بأن المخاوف أمر واقع

الأشخاص الذين يتعرضون للقلق بصورة أكثر من غيرهم، ينظرون إلى القلق باعتباره وسيلة مهمة للتكيف خاصة فيما يتعلق باكتشاف التهديدات المحتملة ومنع حدوثها.
الثلاثاء 2019/07/30
الوقوع فريسة المخاوف أفظع من الفشل في حد ذاته

يولد الخوف من الفشل سواء بشكل مباشر أو غير مباشر أداء ضعيفا في تجربة شخصية أو مهنية أو حتى مجرد تنظيم مناسبة أو احتفال ما، ويسفر هذا الأداء المتواضع في النهاية عن تحقق التنبؤ بالفشل، بحسب ما يراه باحثون في مجال علم النفس والذين يؤكدون أن تلك النتيجة تعكس التأثيرات العميقة لحالة الخوف التي تخرج عن السيطرة.

في تطبيق حرفي للمثل الشعبي المتداول بكثرة “اللي يخاف من الجن يطلع له”، وعلى العكس تماما مما يؤمن به أغلب الناس من أن الأشياء التي تقلقنا ونخافها نادرا ما تحدث في الواقع.. فإنه من الممكن أن يحدث أمر ما، أمر نخشى وقوعه، مهما كانت الإجراءات الوقائية والتحضيرات التي نتكبدها كي تأخذ الأمور شكلها الطبيعي.

وبين قلق وخشية أن يحدث ما لم يكن في الحسبان، فإنه يأتي بالفعل مثل كابوس نتجنب أن يزورنا ليلاً فنفتعل الأرق ونهرب إلى اليقظة، لكن حالما تطبق أجفاننا في إغفاءة قصيرة نجده هناك حاضرا، مخيفا وغير متوقع.

بصورة مبسطة، يمكن أن ينشغل أحدنا مثلا بالإعداد لحفلة أو مناسبة بالتحضير والاستعدادات المبالغ فيها، ثم محاولة إشراك الآخرين وطلب مساعدة من يستطيع تقديمها.. والتهيؤ لهذا الحدث قبل فترة زمنية كافية والتحقق من كافة التفاصيل، مع ما يرافق هذه التحضيرات من قلق لا يمكن تجنبه خشية أن يحدث أمر ما في النهاية، لم يكن في الحسبان، ويفسد كل شيء وهو ما يتحقق بالفعل.

نتقدم إلى وظيفة وقبل أيام من إجراء المقابلة يتملكنا القلق خشية الفشل، وهكذا تمضي الأيام وتتحقق نبوءتنا. باحثون في جامعة بنسلفانيا الأميركية، أسهموا شخصيا في دراسة لقياس مدى تأثير القلق في تقدير المخاوف التي نخشى وقوعها.

 قام المشاركون بتدوين مخاوفهم الشخصية في اللحظات التي تتفاقم فيها مشاعر القلق وعلى مدى عشرة أيام، حيث عانوا من اضطراب القلق العام الذي لا يمكن السيطرة عليه وما يصاحبه من أعراض مزعجة تؤثر في الحياة اليومية، مثل قلة التركيز واضطرابات النوم.

كان المشرفون على الدراسة يطلبون من المشاركين في أربعة أوقات في اليوم، بواسطة رسالة نصية، أن يدوّنوا أي نوع من المخاوف التي طرأت على بالهم في الساعتين الأخيرتين، لضمان التقاط أكبر عدد ممكن من المواضيع التي تقلقهم.

كتطبيق عملي للدراسة، قام الباحثون المشاركون بمراجعة قائمة المخاوف الخاصة بهم مساء كل يوم على مدار ثلاثين يوما من تدوينها، لمعرفة ما إذا كان أي منها قد تحقق بالفعل خلال هذه الفترة الزمنية.

الإنسان أحيانا يتعرض لـ"خداع القلق" وهو في عمومه إنذار خاطئ
الإنسان أحيانا يتعرض لـ"خداع القلق" وهو في عمومه إنذار خاطئ

بالطبع، فقد ركز الباحثون على تلك المخاوف التي كانت من الممكن معرفة نتائجها الآنية في مدة قصيرة نسبيا، مثلاً عندما يقلق أحدهم بسبب امتحان قريب كأن يقول لنفسه “سأفشل في امتحان الكيمياء التطبيقية في الأسبوع المقبل”؛ حيث يصبح من السهل تقييم واختبار نتائج هذا النوع من المخاوف في فترة زمنية قياسية.

عدا ذلك، فإن القلق الناتج عن مخاوفنا الخاصة بتوقع ما نخشاه من أمور قد تحدث في المدى البعيد لا يمكن قياسه بهذا النوع من الاختبارات. على سبيل المثال؛ يتوقع بعض الأشخاص، من ضمن جملة مخاوفهم التي قد تكون بلا أساس من الصحة، أنهم سيصابون بمرض السرطان في المستقبل وهو نوع من المخاوف التي لا يمكن اختبارها بالمراجعة اليومية لقائمتنا الخاصة.

 توصلت نتائج الدراسة إلى أن نسبة 91 بالمئة من المخاوف التي تم تدوينها، ما هي إلا إنذارات كاذبة بحسب تعبير المشرفين على الدراسة. وفيما يتعلق بنسبة 9 بالمئة الباقية من المخاوف التي تحققت في مدة الدراسة القياسية، ظهر أن أغلبيّتها قد حدثت بصورة أفضل بكثير مما كان متوقعا. إضافة إلى ذلك، فإن واحدا من كل أربعة مشاركين لم يتحقق أي من مخاوفه على الإطلاق!

كل ما هنالك -بحسب تعبير مؤلفي الدراسة؛ ميشيل نيومان ولوكاس افرينير- أن الإنسان أحيانا يتعرض لـ”خداع القلق”، وهو في عمومه إنذار خاطئ لا يمكن أن نعول عليه على الرغم من أن مؤشراته التي يرسلها ضمنيا تحاول أن توهم الأشخاص بأن التهديد والمخاوف أمران واقعان.

بالطبع، فإن الأشخاص الذين لم تتحقق مخاوفهم بنسبة كبيرة أكثر استجابة للعلاج النفسي -حتى في مستوياته البسيطة- من الأشخاص الذين أصبحت مخاوفهم أمرا واقعا فعززت مكامن القلق في نفوسهم.

ويشير مؤلفو الدراسة إلى أن الأشخاص الذين يتعرضون للقلق بصورة أكثر من غيرهم، ينظرون إلى القلق باعتباره وسيلة مهمة وذات فائدة للتكيف؛ خاصة فيما يتعلق باكتشاف التهديدات المحتملة ومنع حدوثها سواء أكانت حوادث أم مواقف مزعجة يمكن أن يتعرضوا لها.

الأشخاص الذين لم تتحقق مخاوفهم أكثر استجابة للعلاج النفسي من الأشخاص الذين أصبحت مخاوفهم أمرا واقعا 

وقد يساعدهم الإطلاع على بيانات فعلية عن مخاوفهم، في تغيير معتقداتهم التي تدور حول فوائد مخاوفهم المحتملة حيث أن تتبع مخاوف الشخص يمكن أن يكون وسيلة لاكتشاف مدى دقتها وفاعليتها، في محاولة للتقليل من الضغط النفسي والضيق المصاحب له وتجنب تحوله إلى قلق مزمن يصعب التعامل معه.

في حين، لا يمكن أن ينجح هذا الأمر مع من تأكدت مخاوفهم وأصبحت واقعا بالفعل، وعلى العكس تماما، يمكن أن يؤدي تتبع جذور هذه المخاوف إلى زيادة الضغوط النفسية.

يؤكد الدكتور سيث جيهيلهان -أستاذ مساعد في علم النفس في قسم الطب النفسي بجامعة بنسلفانيا الأميركية- في تعليقه على هذه النتائج أن محدودية عينة هذه الدراسة بواقع 29 مشاركا ومشاركة جميعهم طلاب جامعيون، مع تفوق عدد الإناث (90 بالمئة) من أفراد العينة، إضافة إلى عدم وجود تنوع في ما يتعلق ببيانات المشاركين الشخصية مثل العمر والجنس والعرق والمستوى الثقافي والاجتماعي، قد تفرغ النتائج من جديتها حتى في حدود ضيقة.

لكن هذا الأمر لا يمنع من كونها دراسة مهمة وربما تكون الأولى من نوعها في هذا المجال، ستقود بدورها إلى المزيد من الدراسات في مناطق أخرى وعينات أكبر وبيانات أكثر تنوعا.

21