خدعة الاعتداء على الصحفيين بمصر

الاثنين 2014/02/10

كأن هناك اتفاقا ضمنيا بين عدد من الصحف العالمية وبعض المنظمات الحقوقية للهجوم على مصر، بسبب ما يتردد على أنه انتهاك لحقوق الصحفيين، والهجمة الأخيرة حصدت شيئا من المصداقية، لأنها قدمت أرقاما لتأكيد كلامها، واستشهدت هذه الصحف في تقاريرها بمعلومات متداولة، لكنها خرجت من سياقها الطبيعي، فأعطت انطباعات سلبية خاطئة، جرى توظيفها لصالح جماعة الإخوان، حيث حاولت وحلفاؤها استخدام الحالة الإعلامية لإدانة السلطات الحاكمة، وكان تقرير لجنة حماية الصحفيين في نيويورك الأكثر استخداما أخيرا، لأنه وضع مصر في المرتبة الثالثة عالميا في ترتيب الاعتقالات والانتهاكات.

الواقع أن هناك مجموعة من المحددات من الواجب مراعاتها عند الاقتراب من الحالة الإعلامية في مصر، لأنها تكشف أشياء خفية، تجاهلها يمكن أن يوقع صاحبها في الخطأ، ويضعه في خندق الانحياز لطرف سياسي، وهو ما حدث مع تقرير لجنة حماية الصحفيين لعام 2013، الذي أشار إلى حالات الاعتقال وتناسى التركيز على انتماءات أصحابها والتهم الموجهة إليهم. فغالبية، إن لم يكن جميع، المعتقلين يعملون في قناة الجزيرة، بصرف النظر عن جنسياتهم، والتهمة جنائية وتمس الإضرار بالأمن القومي، وليس الاعتداء على حرياتهم المهنية. وحتى التكبيل، إن وجد، فالدولة لا علاقة لها به، فهناك رقابة ذاتية أو تقدير يمارسه كل صحفي أو مسؤول، وبوازع من ضميره، ولا يوجد رقيب يملى أوامره على أحد. ولو بدت المسألة كذلك، فهي ناتجة لتعقيد الواقع السياسي، وعن رغبة البعض في التطوع للحصول على مكاسب، أو عن اعتقاد منه في تقديم نفسه لمن بيده الأمر والنهي في السلطة، ولعل منع إذاعة الحلقة الثانية من برنامج “البرنامج” لباسم يوسف في موسمه الثاني قبل حوالي ثلاثة أشهر كاشفة للحقيقة، فصاحب محطة الـ”سي بي سي” الأستاذ محمد الأمين أعلن مسؤوليته عن قرار منع إذاعة الحلقة، وقتها اتهمت المؤسسة العسكرية أنها وراء المنع، مع أن الحلقة بأكملها لم تتطرق لأي من أفرادها من قريب أو بعيد، لذلك فالنظر للانتهاك من الضروري أن يكون في سياقه الطبيعي، وتجنب الاجتزاء.

المهم أن الرقابة الذاتية، ربما تكون أخطر على حريات الصحفيين، لكنها في النهاية محكومة بتقدير وضمير الصحفي، الرئيس والمرؤوس، وقد يتطوع البعض بالعصف أو التكبيل دون أن يطلب منه أحد ذلك، ويقوم بهذا التصرف متصورا أنه يحجز مكانا له قريبا من السلطة الحاكمة في المستقبل، بينما الحقيقة أن هذا النوع من الرقابة لم يعد صالحا لزمن يمكن أن يكون فيه المواطن صحفيا، في أي لحظة ومن كل مكان، طالما أنه يملك كاميرا في حجم كف اليد، كما أن كثيرا من المسؤولين أصبحوا يشعرون بالعبء الذي يضعه على كاهلهم أصحاب هذه التصرفات، والإساءة البالغة لهم، فالتطوع بالهجوم على الدوام، بالحق والباطل، لا يفيدهم، لكن يحقق مصلحة للخصوم، وفقا لقاعدة إعلامية شهيرة تقول “أن تذكر في الإعلام ولو بالسلب خير من ألا تذكر أبدا”.

من جهة ثانية، تحدث تقرير لجنة حماية الصحفيين عن عدد من حالات الوفاة حدثت في مصر، خلال العام المنصرم، وبالفعل هناك حوالي خمسة من ست تقريبا، وقعت في مناطق شديدة السخونة، أثناء فض اعتصام رابعة وفي الأحداث المعروفة باشتباكات الحرس الجمهوري، وكلها أماكن كانت ملتهبة، ومن الوارد أن يلقى فيها أي إنسان مصرعه. بمعنى لا يوجد استهداف ممنهج من أجهزة الدولة ضد الصحفيين، كما أن معظم من اعتقلوا أو لقوا حتفهم، ليسوا صحفيين، لا بالمعنى الرسمي للكلمة ولا المتعارف عليها، فهم لا يحملون “كارنيه” نقابة الصحفيين، ولا يعملون في وسائل إعلام معروفة، وعبر العمل في مواقع وصحف مجهولة. حصل البعض على لقب إعلامي، وغالبيتهم ينتمون لتيار الإخوان، لذلك يجد القارئ الجيد لهذه النوعية من التقارير نفسه أمام خدعة كبرى، تخدم فصيلا سياسيا بعينه، ويوظفها للنيل من السلطات الرسمية في مصر.

المفارقة أن البعض شن هجوما قاسيا على من أذاعوا، من الإعلاميين، تسجيلات صوتية على الملأ، بحجة أنها تمثل اعتداء على الحريات الشخصية (وهي بالفعل كذلك). لكن هؤلاء أنفسهم الذين هللوا لتسريبات «ويكيلكس» الشهيرة، والتي فضحت ساسة وكشفت أسرارا كثيرة في الولايات المتحدة والعالم، وهم أيضا الذين يدافعون عن العاملين في محطات تنال من مصر، ليلا ونهارا، ولم يتجرأوا على الكلام عن الكذب والخداع والتضليل الذي تقوم به هذه القنوات، وخرقه الواضح لكل المعايير المهنية، وهجومها على دول وأشخاص دون أن تقترب بكلمة واحدة للأوضاع في البلد الذي تبث منه.

هذه الازدواجية قللت من أهمية التقارير الدولية، في الممارسات الإعلامية وحقوق الإنسان، وبدا لكثيرين مثلي، أنها إما تتعمد التضخيم لأغراض سياسية، لأن عددا من العاملين ومعدي التقارير فيها ينتمون لتيار الإخوان أو متعاطفين معه، أو تكتب تقديراتها وبياناتها من غير دراية كافية بالواقع الاجتماعي والسياسي المعقد في مصر والأزمة المركبة، الأمر الذي يؤدي بالطبع إلى وقوع أخطاء من الجميع، من الدولة والإعلاميين والمنظمات الحقوقية، وسواء كانت مقصودة أم لا، يجب عدم التعامل معها على أنها ظاهرة، لأننا نتفنن في تحضير مثل هذه العفاريت ولا نجيد صرفها، فنظل مخدوعين على الدوام.


* كاتب مصري

9