خدمة رفيق المسن تضمن له البقاء وسط أسرته

تأهيل الشباب لمرافقة المسنين استعادة لثقافة رد الجميل التي توارت، وتصدّ لتنامي فكرة إرسال الأهل إلى دور المسنين التي باتت حلا للكثيرين بعدما كانت مجرّمة.
الأحد 2019/07/07
حين يكون الكبر معاناة

ليس بالضرورة أن يعبر إيداع كبار السن داخل مراكز الرعاية عن جحود أو تخلص من المسؤولية، فاحتياجات هؤلاء ومتطلباتهم لها دور في هذا القرار الصعب على الطرفين، لذلك اتجهت بعض الدول العربية إلى توفير ما يسمى بالزيارة المنزلية لرعاية المسن في منزله ووسط عائلته دون اللجوء إلى دور الرعاية. وفِي مصر تم استحداث وظيفة تحت مسمى “رفيق المسن” للاهتمام بكبار السن في منازلهم وبأجر رمزي.

القاهرة - أقدمت وزارة التضامن الاجتماعي في مصر على عقد دورة تدريبية تنتهي آخر يوليو الجاري، لتأهيل 150 شابا وفتاة كمرحلة أولى، تليها مراحل أخرى للوصول بالعدد إلى 1500 شخص من أجل تجهيزهم لوظيفة “رفيق للمسن” في المنزل.

وكشفت دراسة قام بها المركز القومي للبحوث الاجتماعية (جهة رسمية) عن معاناة المسنين في دور المسنين وإصابتهم بالاكتئاب نتيجة بعدهم عن منازلهم وانفصالهم عن أسرهم. ولم تكن الفكرة غريبة عن قطاع كبير من المصريين، فهناك مئات يعملون رفقاء للمسنين بصفة غير رسمية وتعج بهم مواقع التواصل الاجتماعي ومكاتب الخدمات والصحف.

الجديد أن الخطة تتبناها جهة حكومية بأجر رمزي، وتقوم على إعداد كوادر، بما يعيد الثقة إليها بعد تحولها من عمل إنساني إلى وسيلة للابتزاز وجني الأموال.

وسارع إلى التقديم في الدورة المؤهلة الآلاف من المواطنين، ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و45 سنة (طبقا للشروط)، لأنها ستحقق الاستقرار النفسي لكبار السن وأسرهم معا.

وأوضح أحمد خالد، أنه تقدم للحصول على الدورة التدريبية لمميزاتها، ولأن الجمعيات المعنية بالدورة تلتزم باستحداث كود تأميني جديد باسم رفيق المسن، والحصول على شهادة معتمدة تؤهل للحصول على وظيفة، مقابل رعاية مسن واحد في منزله من الثامنة صباحا حتى الثامنة مساء، والاهتمام بشؤونه الحياتية والنفسية والصحية والتحدث إليه.

وعلقت إحدى السيدات قائلة “أريد الحصول على الدورة دون الوظيفة لكي أعتني بأمي العاجزة وأبي الذي شارف على الثمانين من العمر، فلا أعرف كيف أتعامل مع تقلباتهما المزاجية وصرت لا أفهمهما”.

من جانبها رحبت إيناس محمود -تعيش في قرية كفر شكر بمحافظة القليوبية، شمال القاهرة- بفكرة توفير مُرافق لديه خبرة التعامل مع المسن في منزله، وتضمن الجهات الحكومية أمانته.

الوحدة قاتلة
الوحدة قاتلة

وتمثل هذه الخطوة حماية مزدوجة للمسن وأسرته من ابتزاز المُرافق الخاص، ولا تضطرهما إلى اللجوء لدار الرعاية والوقوع تحت ضغط مادي ونفسي.

وذكرت إيناس لـ”العرب” أنها تسافر ثلاثة أيام في الأسبوع لترى أباها البالغ من العمر ثمانين عاما، ويقيم بدار المسنين في إحدى ضواحي القاهرة. وأصابت الصدمة بعض المحيطين بها ولاحقتها نظرات العار، وتساءلوا “كيف تفعلين ذلك بوالدك؟ وكنت أردّ قائلة ما باليد حيلة”.

وأشارت إلى أنها كانت ترعاه معظم الوقت، لكن أصبح الأمر مستحيلا بعد تدهور صحته وإصابته بالزهايمر، ورفض الممرضون تحمل مسؤولية مرافقته منزليا، وابتزها آخرون أقاموا معه مدةً قصيرة.

وتقدر التكلفة الشهرية التي يتحملها المواطن بنحو 400 دولار في دُور الرعاية التي تقدم حزمة من الخدمات وكلما زاد مستوى الرعاية زاد المبلغ. ولا تخفي السيدة الأربعينية شعورها بالألم عندما يسألها والدها: متى ستأخذه معها إلى منزلهما؟ مؤكدة أنها بمجرد تفعيل خدمة رفيق المسن ستخرجه من الدار فورًا.

ويعاني والد إيناس من مرض الزهايمر الذي يتعرض له الكثير من كبار السن، ومن المتوقع أن يتنامى هذا المرض، لأن تقديرات منظمة الصحة قالت إنه بحلول عام 2050 سوف يتضاعف عدد من تخطى الثمانين نحو أربعة أضعاف العدد الحالي ويصل إلى 395 مليون شخص، ويصاب واحد من بين كل ستة أشخاص في هذا السن بالخرف.

وترى عاملة في مجال تقديم خدمة الرعاية للمسنين، وترعى والد إيناس، أنه من الأفضل رعاية المسن منزليا، كي لا يصاب باكتئاب يجعله عرضة للإصابة بأمراض مزمنة. وأضافت لـ”العرب” أن وجود المسن وسط أسرته له مردود إيجابي على صحته، وهو ما لاحظته عندما أشرفت على حالات منزلية، شريطة توفير مرافق أمين، في حالة المرض لحمايته من المخاطر.

لا بد من حياة إجتماعية
لا بد من حياة إجتماعية

وتنصح المشرفةُ رفيقَ المسن المستجد بأن المسنين أمانة ويحتاجون إلى إنسان لا إلى موظف يتقاضى أجرا، ويجب بذل الجهد للوصول بهم إلى أعلى مراحل الأمان. ويقدم برنامج رفيق المسن درسا عمليا للأسرة في كيفية رعاية كبار السن، لأنهم ليسوا مرضى بل هم في مرحلة عمرية لها احتياجات نفسية واجتماعية أكثر منها جسدية.

ويقول فتحي سالم -في العقد الثامن من العمر، مقيم بدار المسنين وسط القاهرة- “لم أرغب في البقاء وحدي بالمنزل، وأكون قصة لجريمة تسردها صفحات الجرائد، أو أموت ويتعفن جثماني دون اكتشاف ذلك”.

ويوضح لـ”العرب”، أنه حزين بسبب الابتعاد عن منزله الذي أشرف على بنائه فهو مهندس مدني، وكان يريد الاستمتاع بما تبقى من حياته مع رفيقة دربه بين جدران المنزل.

وتذكر عندما اجتمع أبناؤه الثلاثة لتقاسم تركة والدتهم عقب وفاتها، وبعد الانتهاء أخبروه بقرارهم الهجرة إلى إحدى الدول الأوروبية، وعندما استفسر أصغرهم “ماذا سنفعل بهذه التركة الآدمية” مشيرا إلى نفسه، تبخر حلم البقاء في المنزل وطلب الإقامة في إحدى دور المسنين.

وتجدد أمله الآن بعدما علم بخدمة رفيق المسن، لأنها ستوفر له العيش في أمان تحت إشراف جهة حكومية.

وأكدت أستاذة علم النفس الاجتماعي سامية الساعاتي أن تأهيل الشباب لمرافقة المسنين استعادة لثقافة رد الجميل التي توارت، وتصدّ لتنامي فكرة إرسال الأهل إلى دور المسنين التي باتت حلا للكثيرين بعدما كانت مجرّمة، وهو محفز للأجيال الناشئة على التمسك بوجود المسنين ضمن أفراد الأسرة.

ومن المتوقع أن تقلل تلك الخدمة من انفراط عقد الأشقاء داخل الأسرة، لأن رعاية المسن تحولت إلى مصدر خلافات بين الإخوة في الحالات التي يتملص فيها أحدهم من مسؤولياته.

21