خديجة النمر تسبح في عوالمها الأسطورية بين السماء والأرض

الاثنين 2015/02/23
المرأة شريك للرجل ليس في الحياة فحسب، بل هي شريك أسطوري أيضا

الدمام (السعودية)- في محاولة لاكتشاف الحقيقة عبر الخيال، كما يعبر إميرسون، تتقدّم القاصة السعودية خديجة النمر إلى القارئ بمجموعتها الأولى “الأفكار السابحة بين السماء والأرض”، الصادرة عن “منشورات ضفاف اللبنانية”، بالتعاون مع “دار أطياف” السعودية، راصدة أسئلتها الفلسفية والاجتماعية عبر 15 نصا متفاوتا بين التاريخي والأسطوري والرمزي.

أرادت القاصة السعودية خديجة النمر من خلال مجموعتها القصصية “الأفكار السابحة بين السماء والأرض” أن تقول بأن المرأة شريك للرجل ليس في الحياة الحقيقية فحسب، بل هي شريكه الأسطوري أيضا، وبإمكاننا -متى أردنا- أن نعيد صياغة التاريخ، وأن نركّب أساطيره وفق رؤية أنثوية جديدة، وأن نحوّل أبطاله الذكوريين إلى بطلات، وأربابه إلى آلهة. تقول النمر عن مجموعتها «هي تجربة وقوفي الأولى على منصة الكتابة، أزعم أنها تملأ فراغا في المكتبة السعودية على الأقل، إن لم تكن العربية عموما، باعتبار أفكارها ومضامينها البعيدة عن المكرر والمعتاد».

يلمح القارئ لقصص النمر الرغبة الملحة في دفع المرأة إلى الواجهة الثقافية والوجودية كشريك حقيقي للرجل من أجل خلاصها من الشعور بالاستلاب الذكوري الاجتماعي الخانق.

وهذا ما أكّدت عليه النمر قائلة: «إحدى غايات الأدب والفن بعث رسائل استغاثة لملء فجوات الحياة وعثراتها، نعم، أحاول دائما أن أستدعي نموذج المرأة الفاعلة والمؤثرة عبر الإضاءة على شخصيات تاريخية أنثوية، وأحيانا عبر افتراض وجودها، بحيث يتسلل إلى الذهن سؤال موجه للتاريخ عن سبب ذاك الغياب».


رواية الظل والزيف


خديجة النمر مسكونة بالرواية التاريخية، وهناك مناطق من قصصها يحضر فيها تأثرها باشتغالات أمين معلوف الروائية. لا سيما وأن مجموعتها اشتملت على قصص كثيرة تحمل هذا الحفر التاريخي الواضح، مثل قصة “سيدة الزمان” وغيرها.

عن ذلك تقول النمر «كنت أفكر في الرواية التاريخية ومازلت، تحديدا كان لدي مخطط لكتابه قصة “شاهزنان” الفارسية التي سُبيت في معركة القادسية وتزوجها الحسين بن علي، لكنني أجلت الأمر لأسباب عديدة من أهمها عدم توفر الخامة التاريخية الكافية التي يمكن الاشتغال عليها، وأيضا لأن تلك المنطقة خطرة في الفكر الإسلامي، والدخول إليها يتطلب الاحتراز».

مجموعة محملة بإرثها الديني والتاريخي، والقاصة تحاول توظيفه سرديا بما يتناسب مع قلقها وعمق أسئلتها الخاصة

وتتابع النمر «الرواية التاريخية عموما مازالت موضع توجس، فهي رواية الظل، لكن إذا افترضنا جدلا أن التاريخ يروي الحقيقة، فعلى الرواية التاريخية أن تروي الزيف، بينما نجد فعليا أن الإرث التاريخي المروي مليء بالزيف، فهل يمكننا القول بتبادل الأدوار بحيث أن الرواية التاريخية تروي الحقيقة؟ أو على الأقل تنقب في سبيلها؟ ربّما».

مجموعة النمر محملة بإرثها الديني والأسطوري والتاريخي، والقاصة تحاول توظيفه سرديا بما يتناسب مع قلقها وعمق أسئلتها الخاصة، كما استطاع باولو كويلو ودان بروان وإمبرتو إيكو أن يوظّفوا التراث المسيحي توظيفا روائيا في بعض أعمالهم مثل “حاج كومبوستيلا” و”شفرة دافنشي” و”اسم الوردة”، أخرج كل عمل منها إلى فعل سردي فيه مضامين فلسفية عميقة جدا.

الأمر نفسه يلمسه القارئ في محاولات النمر التي اقتربت من هذه الاشتغالات في بعض قصصها سواء ذات المضامين التاريخية الأسطورية، مثل “الزبرجدية”، أو ذات المضامين الأسطورية الدينية، مثل “صاحبة الزمان”. والتراث الشيعي مليء بهذه الحالات الميثولوجية، كعلامات الظهور، وأعمال رؤية المهدي، وليلة الرغائب، وحكايات مسجد جمكران في إيران، والسهلة في العراق.

وعن هذا الشأن تقول النمر «التاريخ الشيعي مادة خصبة للتوظيف الروائي، فبعض ألغازه لم يكتمل حلها، ومازالت مفتوحة، بل إن الرؤية الشيعية للزمان/التاريخ لم تختتم بعد، فهي ترسم نهاية معلومة بتفاصيلها الدقيقة لكنها في الوقت نفسه تستطرد بـ”البداء”، جاعلة من التاريخ وكذلك التشريع مادة قابلة للتوسع -على مستوى المعنى لا النص طبعا- وهي بيئة متكاملة اختمرت فيها أدوات القص كونها نشأت في الظل، معارضة للخط السياسي آنذاك. ولدى المجتمع الشيعي -وأتمنى ألا أكون مخطئة- استعداد جيّد نسبيا لتقبل المزيد من التأويل والبحث عن المستور والباطن، وهي عقيدة لها رافد عرفاني صوفي أيضا».


الاحتمالات المتعذرة

رسائل استغاثة لملء فجوات الحياة


شهدت دمشق في بدايات العصر الأموي أول ولاية للعهد ليزيد بن معاوية لتتحوّل بذلك الخلافة من شورى بين المسلمين إلى تعيين سياسي لا رأي لهم فيه.

ثم دارت دوائر الدنيا لتعود ذاكرة المكان وتنتج ذات النسق الدمشقي ليتولّى بشار الأسد إرث أبيه. لقد عالجت النمر هذه الزاوية من التاريخ في قصتها “لو أن الله كفى المؤمنين القتال” وفي قصة “رجال”.

مستحضرة نظرية “أثر الفراشة” الفلسفية في تعدّد الاختيارات التي تتعدد -بناء عليها- وجوه احتمالات الوجود والحياة. الأمر الذي يدفع قارئ المجموعة إلى التساؤل حول القدرة التاريخية الديالكتيكية على الانفلات من المصير بكل مستوياته، وساعتها ما هو الخيار الآخر للخروج من سيناريو دموية الربيع العربي الحاضر.

تجيب النمر عن سؤالنا قائلة «الأقدار أو الوقائع التاريخية هي أشبه بنقاط التقاطع في شبكة الاحتمالات اللامتناهية، ما الذي جعلها “تحدث” لتغيّب البقية في العدم؟ وما الذي ميزها ليتوارى سواها خلف كلمة لو؟ إنها أحجية النرد الذي رُمي مرة واحدة، ولو رمي ثانية لما كانت النتيجة نفسها.

وتلك السيناريوهات الممكنة التي سقطت بسبب التزاحم وليس الفشل أو تفضيل الصالح بالضرورة. ومن الصراع السوري تحديدا، ومن الربيع العربي عموما، خطرت في بالي قصة “رجال” التي تناولت السؤال الأخلاقي في الصراع».

وتتابع النمر «أحد السيناريوهات للنجاة من الدموية عزل التدخلات الخارجية، وهو أمر متعذر، وتبقى أهم آلية رفع مستوى التعليم والحريات، أو حدوث معجزة وهذا الأخير أيضا متعذر».

14