خديجة لن تقود السيارة.. وإلى الخلف در

الاثنين 2015/08/24

نشر الكاتب الرائع نيوتن مقالا في جريدة المصري اليوم ختمه بالفقرة التالية: “مع تعاطفي الكامل وإعجابي بالكاتبة المميزة جدا نادين البدير، إلا أنني مندهش. ألم تلاحظ أن العرب يسيرون إلى الخلف، إلى الوراء؟ لو جاءت السيدة خديجة اليوم إلى مكة بعد 1500 سنة ميلادية، السيدة التي ترأس قوافلها، التي كانت تجند الرجال وتستوظفهم، لن تستطيع أن تستخرج ترخيصا لقيادة سيارة أو حتى لقيادة جمل. هذا غير مقصور على السعودية، هذا هو حال العرب جميعا، جميعا “إلى الخلف در”، بأمر ابن تيمية، فهذه تفسيراته، لا على أحد أن يراجعها، هي بأمر سيد قطب، هذه أوامره، لا على أحد مناقشتها”.

وأكمل بدوري شيئا من الممنوعات التي طرأت على حياة خديجة وقيدتها على مر التاريخ الإسلامي والعربي وصولا إلى هنا. إذ لن تتمكن السيدة خديجة في العام 2015 من التقدم لخطبة رجل كما فعلت سنة 585م حين خطبت محمدا . سيصعب عليها تحطيم التقاليد وانتهاك ما اخترعوه عن خجل الأنثى وشرف عائلتها، ناهيك عن قيادة القوافل. خديجة اليوم تقف في مكة متحسرة، عاجزة عن الإبداع، عن السفور، عن الوجود.

فهل انتهى أمر بنات العرب؟

الكوميديا الكاملة تتجسد حين نجبر كسعوديين على التطبيل والتزمير لأي سخرية تهبها السلطة للمرأة، نهلل بأن الفرج اقترب، ونغفل عن أن الفرج بعيد.

خديجة ممنوعة من دخول الملاعب الرياضية لأنها أصلا محرمة من مزاولة الرياضة بأمر من الشيخ الذي يتربع على عرش الوساطة بينها وبين الله.

خديجة أضاعت العمر في الرهان على الأمنيات. تمنت الحرية وحلمت بمجتمع يحترمها ووطن يحبها، لكنها لم تذق الحرية، ومجتمعها لم يتوقف عن إهانتها ليل نهار، أما وطنها فلا يشعر بوجودها.

وقد تمرنت على كتم غيظها كلما سمعت درسا متهالكا تمارس فيه كل طقوس التنويم المغناطيسي لقطيع ماشية، فتجبره على حفظ وترديد: أن المرأة في الغرب المتقدم مهانة، أما الشرق المتخلف فأكرمها ومنحها مكانة.

اضحكوا على المكانة التي منحنا إياها المشرق العربي.

كلما صادفت صحفيا أجنبيا سألني متى تقدن السيارة؟ ينبش برأسي سؤال موجع عن المصير: متى أقود حياتي؟

يستفسر : متى تنزعن العباءة؟ متى تصبحن جزءا من العالم المتمدن؟ أنت سعودية، لماذا لست محجبة؟

كوني سعودية يلزمني أن أتحجب وأن ألتزم بصفات لا يعدها البعض “دينية” قدر ما أنها “سعودية”. الحشمة ملزمة لأني سعودية، وأفكار تدور برأسي متعلقة بالتغيير ورفض الموروث مدفونة باسم وأد النساء أحياء، عقلي الذي يحمل الجنسية السعودية مجبر على ألا يتمادى في أفكاره.

كيف أفسر لكائن من بلد تترشح فيه السيدات لمنصب الرئاسة، عن الأسباب التي تمنع النساء عن الإمساك بالمقود أو اعتلاء منبر المسؤولية والسلطة؟

كيف أشرح له متلازمة “المرأة ناقصة”؟ هل أدافع، كساذجة جاهلة، عن التكريم العظيم لي بحبسي في البيت وتغطية شعري عند الخروج ومنعي من التصرف في أدق تفاصيل حياتي دون إذن الفحل المسؤول عني؟

وقد نشرت الكاتبة الرائعة أحلام كرم في إيلاف تعليقا على مقالي “اهجري الشرق التعيس يا ابنة القدر الأسود” تسألني فيه: إلى أين؟

تقول أحلام : من سيستقبلنا؟

ثم تتحسر على حياة امرأة حلمت بالحرية، فلا الشرق منحها إياها، بل عاشت فيه الذل والمهانة.. ولا هي في الغرب عرفت حقوقها ونالت الوعي إلا بعد فوات الأوان.

تخاف أحلام كرم الوفية لأرضها من أن يفقد الشرق وردته أو وروده.

ثقي بي يا عزيزتي.. لن يسأل الشرق العربي عن أي وردة مهاجرة لأنه يكره الورود والطبيعة والطيور.. يهواها جرداء قاحلة..

إنها أوطان لا تبكي..

وستبقى أحلامنا مصدرا لتعاستنا، فلكي تسعدي في هذه المنطقة عليك أن تنضمي إلى القطيع، وهذا ما لن تفعليه، فكوني طيرا مهاجرا حتى ولو في الأحلام.

الحقيقة هي كما قالها نيوتن: جميعنا إلى الخلف در.

24