خديعة اقتصادية بنسخة دينية

الثلاثاء 2017/02/07
حل ديني تعتريه النواقص

مهما كان النظام الاقتصادي المعمول به ناجحا فلا بد من أن تكون هناك عيوب باعتبار أن كل شيء نسبي، فالرأسمالية رغم كونها النظام الاقتصادي الشائع في معظم دول العالم، إلا أن هذا لا يعني أنها كاملة. وكذا الأمر ينطبق على الصيرفة الإسلامية التي من خلالها يحاول مروجوها إظهار أنها البديل للرأسمالية المتوحشة والاشتراكية الفاشلة عبر محاربة المعاملات الربوية وعدم السعي إلى الربح الفاحش.

ولفهم أعمق لواقع المالية الإسلامية، وجب التنويه إلى أنه لم يُعرف تاريخيا أي نظام اقتصادي في العالم مبني على أساس جغرافي أو ديني أو عرقي، فالاشتراكية، تحمل المبادئ نفسها منذ ظهورها، على اختلاف مدارسها، رغم الجدل القائم بينها والرأسمالية حول المساواة الاقتصادية ودور الدولة في إدارة الأموال.

ثمة غموض لدى الكثيرين حول دور المالية الإسلامية في النظام الاقتصادي لدولة ما. إذ أن نجاح إدارة السيولة في البنوك الإسلامية يتطلب توفير أدوات مالية ذات فعالية عالية تجمع بين الربحية والتنويع والاستجابة لمختلف آجال الاستحقاق، لكن تلك الأدوات تبدو مفقودة، وحتى الصكوك التي تصدرها بفوائد تفاضلية لا تجني من ورائها أرباحا معقولة.

هناك دلالات كثيرة يمكن من خلالها فهم فشل تطبيق الأطروحات الإسلامية من خلال البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية. فالاقتصاد الإسلامي لا يمكن اعتباره اقتصادا بالمفهوم العلمي لعدة أسباب. فهو لا يحدد قواعد ثابتة لعملية الإنتاج ووسائلها وكيفية إدارتها. كما أنه لا يحدد حقوق الموظفين بشكل واضح، علاوة على عدم تحديده لمفاهيم أساسية مثل دورة رأس المال في النشاط الاقتصادي للدولة.هنا، يمكن الإشارة إلى تباين المواقف حول أداء البنوك الإسلامية في الأزمة المالية العالمية سنة 2008، وكذلك الموقف من الطرح الاقتصادي الإسلامي برمته كبديل للرأسمالية، حيث يرى العديد من المختصين وخبراء الاقتصاد أن هذا المنحى مرفوض بشكل قطعي وأن الدين ينبغي عدم الزج به في المجال الاقتصادي بتاتا. ولهم تبريراتهم في ذلك.

ويستدل هؤلاء بفشل محاولة الزج بالدين في الاقتصاد بما حدث في دول تعتمد هذا النظام مثل مصر، التي تُعدُّ أول الدول العربية التي تعاملت بهذا النظام، ودول كثيرة غيرها، من خلال سوء إدارة شركات توظيف الأموال المعروفة بشركات الإيجار المالي، لمدخرات المساهمين.

نجاح إدارة السيولة في البنوك الإسلامية يتطلب توفير أدوات مالية ذات فعالية عالية تجمع بين الربحية والتنويع والاستجابة لمختلف آجال الاستحقاق

ولا يقف الأمر عند ذلك الحد، فلو نظرنا إلى الخدمات التي تقدمها البنوك الإسلامية لوجدنا أنها تشتمل على المضاربة، وهذا يعني أن تلك البنوك تستخدم أموال المساهمين للمضاربة في البورصة. ومن المعروف أن هذه الطريقة مشمولة بالربح والخسارة لذلك لا تعتمد البنوك الإسلامية استراتيجية واضحة لإدارة المخاطر المنجرة عن المتاجرة بالعملة.

هناك خدمة أخرى تقدمها البنوك الإسلامية لا تختلف عن نظيرتها التقليدية ألا وهي التعامل بالعملات، حيث أنها لا تراعي شرط المقايضة عند إتمام عملية البيع بين عملتين ما، بل تأخذ نسبة فائدة عن الخدمة. وبالتالي تقع في “ربا النسيئة”، ولكنها لا تعترف بذلك بادّعائها أن ما تقوم به هو فقط، تقاضي أجرة الخدمة. وما يفند تلك المزاعم هو أن تلك الفائدة تساوي نسبة الفائدة لدى البنوك التقليدية، وهذا يعني أن سعر صرف أي عملة عالمية رئيسية متداولة لا يختلف بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية.

ومن المعلوم أن السيولة النقدية تعتبر مشكلة لدى البنوك التقليدية عادة، ولكنها تظهر بوضوح في حالة البنوك الإسلامية التي لا تتعامل بنظام الفوائد، مع أنها تستثمر أموالها في مشاريع اقتصادية تقوم على المشاركة في الربح والخسارة أو ما يطلق عليه المرابحة. وهذا يجعلها تجد صعوبة في تحويل فائض الأموال من بنك إلى آخر ويبعدها عن المنافسة في السوق.

إن نجاح المالية الإسلامية ونموها الجامح في العالم في السنوات الأخيرة لا يعنيان أنها البديل الأمثل.

فمفهوم التكافل الاجتماعي أيضا يعد من أبرز ميزات المالية الإسلامية مع أن تطبيقه ليس حكرا على الدول الإسلامية بعينها، كما يدعي رجال الدين لأن فلسفة المدنية المعاصرة ترتكز بالأساس على المساواة ومكافحة الفقر، وتدعو الأنظمة السياسية مهما تنوعت، إلى توفير حياة كريمة لشعوبها وإذابة الطبقية بين شرائح المجتمع. التجارب تثبت أن الصيرفة الإسلامية تعتريها نواقص.

12